صوت بنتي

لمحة نيوز


أولادي زي ما المفروض أبوهم يعرفهم.
وفجأة سمعت صوت نادين ورايا.
قالت البيبيهات بيبقى ليها أيام صعبة.
لفيت وبصيت لها.
كملت بنبرة هادية إنت غايب عن البيت كتير يا كريم.
وبعدين ابتسمت ابتسامة صغيرة وقالت إنت مبقتش عارف الطبيعي من غير الطبيعي.
الكلمة دي كانت أقسى حاجة ممكن تقولها لي.
لأن جزء منها كان حقيقي.
أنا فعلًا ما كنتش عارف.
وعشان كده، في الليلة دي، أخدت قرار واحد.
هَبطل أفترض إن كل حاجة كويسة.
وهبدأ أدور بنفسي.
لأول مرة من يوم ما نادين دخلت بيتنا قررت إني أراقب بيتي بدل ما أصدق الكلام اللي بيتقالّي عنه.
انجي_الخطيب
وقفت في نص الصالة، الشقة كانت ساكتة زي القبر، وصوت نفَس نادين المنتظم جالي من غرفة النوم. الساعة كانت تلاتة الصبح. مشيت ببطء نايحة المكتب، فتحت اللابتوب ورجلي بتترعش، وجبت تسجيلات كاميرات المراقبة اللي كنت مركبها في الطرقة والصالة من سنتين عشان التأمين الخارجي.
نادين كانت دايماً تقول إن الكاميرات دي ملهاش لازمة وبتدايقها، بس أنا سيبتها شغالين، ولأول مرة أرجع للتسجيلات الخفية اللي بتسجل أسبوع بأسابوعه.
قدمت الشريط لشريط الأسبوع اللي فات.
عيني اتسمرت على الشاشة.
الساعة كانت أربعة العصر، وقت ما أنا بكون في شركتي. الشاشة أظهرت نادين واقفة في الطرقة، وشها ما كانش فيه الابتسامة الهادية بتاعة كل يوم. كان جاف، بارد، كأنها شخص تاني خالص.
ليان خرجت من أوضتها ماسكة لعبة صغيرة وسألتها على حاجة بصوت واطي... نادين ما ردتش، لفت بسرعة، ومسكت ليان من دراعها بقوة وخضتها جامد، وبعدين شادتها من دراعها وراء باب الحمام وقفلته.
الدم اتجمد في عروقي.
ليان ما عيطتش في الفيديو... طلعت من الحمام بعد عشر دقايق وهي باصة في الأرض، ودراعها بيلف حولين جسمها بشكل انكماشي خوفاً من أي لمسة.
قفلت اللابتوب بإيد بتترعش، وصوت ضربات قلبي كان مسموع في الأوضة. الحقيقة كانت أوضح من أي وقت فات نادين مش بس كانت قاسية، نادين كانت بتكسر بنتي ونفسيتها في الخفاء، ومستغلة غيابي وثقتي للآخر.
مسحت وشي ب إيدي ورجعت لغرفة النوم بخطوات متزنة، رغم النار اللي شاعلة جوايا. نادين كانت نايمة بملامح الملاك اللي خدعتني بيه طول السنة ونص اللي فاتوا.
قعدت على طرف السرير، وبصيت لها.
فتحت عينيها ببطء، وشافتني قاعد بتفرج عليها في الضلمة. اتعدلت وهي بتمسح عينيها وقالت بنبرة ناعسة كريم؟ إيه اللي موقيك لحد دلوقتي؟ ليان جرى لها حاجة؟
قلت بصوت واطي جداً بس مرعب في هدوءه ليان كويسة يا نادين... بس أنا اللي صحيت.
رمشت وقالت بطفش خفيف صحيت لإيه يعني؟ إنت لسه بتفكر في موضوع الحمام؟ قلتلك دي شقاوة أطفال وهو التهاب بسيط
قطعت كلامها وقلت الكاميرات.
جمود غريب نزل على وشها، والنعاس طار من عينيها في ثانية. كاميرات إيه؟
قربت منها وقلت كاميرات الطرقة اللي قلتيلي ألغيها... سيبتها شغالين. وشوفت اللي بيحصل لما أكون في الشركة. شوفت طريقة ماسكتك لليان، وشوفت خوفها منك.
نادين بلعت ريقها وبدأت ملامحها تتغير، الابتسامة البريئة اختفت تماماً وحل مكانها توتر حاد إنت بتراقبني يا كريم؟ بعد كل اللي عملته عشانك وعشان عيالك؟ أنا سبت شغلي وحياتي عشان أشيل عنك البيت!
قمت وقفت وزعقت بصوت واطي ومكتوم بس مالي الأوضة أنا جبتك هنا عشان تكوني أم... مش سجانة! بنتي عندها أربع سنين بتترعش لما المية تقرب منها، وبتقولي أنا شاطرة مش هشتكي! عملتي فيها إيه تاني؟!
نادين قامت هي كمان ووقفت قدامي، ونبرة صوتها اتغيرت خالص وبقت أبرد وأقسى مما تخيلت أنا بربي! إنت سايبهم دلوعين ومهملين من يوم ما سارة ماتت! العيال دول كانوا محتاجين شدة وضبط، ولا إنت فاكر إن التربية كلمتين حلوين ولعب؟ إنت ما تعرفش حاجة عنهم اصلاً!
رديت عليكي بصرامة وهدوء حاسم الشدة مش حروق وترهيب يا نادين. الشدة مش إن طفلة تخاف تبكي لما تتوجع.
مشيت ناحية الدولاب، طلعت شنطة هدومها ورميتها على السرير.
بصت للشنطة وبصتلي بذهول إنت بتعمل إيه؟
قلت وأنا بفتح باب الأوضة وبشير لبره جمعي حاجتك. دلوقتي.
قالت وهي بتهز رأسها بعدم تصديق وصوتها بيعلى إنت بتطردني عشان البنت عملت شوية دراما؟ إنت هتصدق طفلة وتنسى كل اللي عملته عشانك؟ الناس هتقول عليك إيه لما تعرف إنك طلقتني بعد كم شهر؟
بصيت في عينيها مباشرة وقلت الناس مش هيعيشوا مع الخوف اللي زرعتيه في بيتي. ولا هيدفعوا ثمن دموع بنتي. قدامك عشر دقايق تكوني بره الباب ده، وإلا هطلب الشكوى اللي الدكتور محمود جهزها وهبلغ بالتسجيلات اللي معايا... واختاري إنتي الطريقة اللي تحبي تخرجي بيها.
سكتت. ملامحها اتغيرت تماماً وعرفت إن المعركة انتهت، وإن قناع الرقة وقع وللأبد. بدأت تلم حاجتها بعصبية ومن غير ما تنطق بكلمة واحدة.
بعد ربع ساعة، باب الشقة اتقفل وراها بصوت مكتوم.
البيت رجع ساكت... بس المرة دي السكوت كان نظيف.
مشيت بالراحة لأوضة ليان. فتحت الباب وشوفتها نايمة، حاضنة الأرنب بتاعها. قعدت على الأرض جنب سريرها، ومديت إيدي ولنست شعرها بالراحة.
فتحت عينيها الصغيرين وبصتلي بنعاس بابا؟ هي ماما نادين مشيت؟
دمعة نزلت من عيني من غير ما أحس، رفعت إيدها المسكينة المتقيدة بالشاش ومسحتها بضعف.
نزلت راسي وبست إيدها المصابة وقلت لها بصوت متقطع مشيت يا قلب بابا... ومافيش حد هيوجعك تاني أبداً. أنا آسف يا ليان... أنا هنا دلوقتي ومش هسيبكم تاني.
ليان اتنفست براحة طويلة، ودفنت وشها في دراعي
 

تم نسخ الرابط