٤؛اطفال

لمحة نيوز

الحبوب الذي كان يرتديه كدرع.
ووضعه على الأرض.
ثم سألها بهدوء
هتعملي أي نوع مكرونة؟
نظرت إليه سلمى.
ابتسمت.
ده بيتوقف.
اقترب آدم خطوة.
على إيه؟
على إذا كان عندي أربعة مساعدين...
نظرت إلى الأولاد.
...ولا ولا واحد.
ظل آدم يفكر للحظة.
ثم نظر إلى إخوته.
كان واضحًا أنه يحاول اتخاذ قرار خطير.
قال ياسين
إحنا مش بنساعد.
رد آدم
بس أنا جعان.
مازن نظر إليه بخيانة واضحة.
إنت بتخوننا؟
هز آدم كتفيه.
أنا جعان.
ولأول مرة منذ دخول سلمى إلى المطبخ...
ظهرت ابتسامة حقيقية على وجهها.
لكنها اختفت بسرعة.
لأنها لاحظت شيئًا آخر.
سيف.
الولد الرابع.
كان لا يزال جالسًا في مكانه.
لم يتحدث.
لم يتحرك.
فقط كان ينظر إليها.
ثم...
أنزل قدميه عن الكرسي.
وقف.
مشى ببطء.
خطوة.
ثم خطوة أخرى.
كان الجميع ينظر إليه.
حتى فارس.
توقف سيف أمام سلمى.
ثم سحب كرسيًا صغيرًا بجوار الرخامة.
صعد عليه.
وقف بجوارها.
ثم قال بصوت خافت جدًا
أنا عايز أساعد.
تجمدت سلمى.
لكنها لم تكن الوحيدة.
فارس...
توقف كأس النبيذ في منتصف الطريق إلى فمه.
وظل ينظر إلى ابنه.
لم يتحرك.
لم يتكلم.
فقط حدق فيه وكأنه سمع شيئًا مستحيلًا.
سلمى لم تفهم لماذا تغير لون وجهه.
لم تفهم لماذا بدا الرجل الذي لم يهزه شيء منذ لحظات...
مرعوبًا من أربع كلمات قالها طفل صغير.
أنا عايز أساعد.
لكنها كانت على وشك اكتشاف الحقيقة.
لأن العشاء...
لم يكن أبدًا الاختبار الحقيقي
توقفت سلمى للحظة وهي تنظر إلى سيف.
كان صوته منخفضًا لدرجة أنها كادت لا تسمعه.
أنا عايز أساعد.
لكن الرجل الواقف خلفه سمعه بوضوح.
فارس.
ظل واقفًا في مكانه، وكأسه لا يزال مرفوعًا في يده.
كان ينظر إلى ابنه وكأنه لم يسمع منه هذه الجملة منذ سنوات.
سلمى لاحظت ذلك.
لاحظت أيضًا أن سيف لم ينظر إلى والده.
كان ينظر إليها فقط.
فابتسمت له.
طيب يا سيف، تعالى.
نزل الطفل من على الكرسي، ووقف بجوارها.
عايز تعمل إيه؟
أشار إلى الخضروات.
أغسلهم.
تمام.
ناولته وعاءً صغيرًا.
جلس سيف على الأرض بجوار الحوض، وبدأ يغسل الخضروات بعناية شديدة.
أما إخوته الثلاثة، فظلوا واقفين يراقبونه وكأنه ارتكب جريمة.
قال مازن
إنت بجد هتساعدها؟
لم يرد سيف.
قال ياسين
دي لعبة.
رفع آدم حاجبه.
أنا عايز أعرف هتعمل إيه.
نظر مازن إلى فارس.
بابا، قول له يبطل.
لكن فارس لم يرد.
كان لا يزال يراقب سيف.
لاحظت سلمى ذلك.
قالت دون أن تلتفت إليه
هو مش بيعمل حاجة غلط.
رد فارس بصوت هادئ
أنا عارف.
كانت تلك أول مرة منذ دخولها تشعر أن صوته لا يحمل أمرًا.
بل شيئًا أقرب إلى الحيرة.
وضعت سلمى المكرونة في الماء المغلي.
وبعد دقائق، بدأ رائحة الطعام تنتشر في المطبخ.
آدم اقترب.
ممكن أدوق؟
لسه بدري.
طب بعد دقيقتين؟
بعد خمس.
أربع.
ضحكت سلمى.
خمس.
ذهب آدم ليجلس أمامها.
ثم جاء ياسين.
ثم مازن، الذي حاول أن يبدو وكأنه لم يهتم أصلًا.
وفي النهاية، جلس الأربعة حول الجزيرة الرخامية.
سلمى نظرت إلى الساعة.
السابعة وأربعون دقيقة.
لم يتبقَّ سوى ثلاث عشرة دقيقة.
وضعت الأطباق أمامهم.
قال مازن
إنتِ نجحتي.
ابتسمت سلمى.
أنا لسه ما خلصتش.
إيه اللي ناقص؟
إنكم تاكلوا.
بدأ الأربعة في الأكل.
وفي أقل من دقيقتين، اختفت معظم المكرونة من أطباقهم.
أما سيف...
فكان يأكل ببطء.
سألته سلمى
مش عاجباك؟
هز رأسه.
عاجباني.
أمال ليه بتاكل ببطء؟
نظر إلى والده.
ثم قال
عشان بابا مش بيحب حد ياكل قبله.
ساد الصمت.
رفع فارس عينيه.
أنا عمري ما قلت كده.
قال سيف
بس إنت بتستنى.
لم تعرف سلمى ماذا تقول.
أما فارس، فتنفس ببطء.
ثم قال
كل يا سيف.
رفع الطفل عينيه إليه.
دلوقتي؟
دلوقتي.
بدأ سيف يأكل.
راقبت سلمى المشهد بصمت.
كانت هناك أشياء كثيرة لا تفهمها.
لكنها بدأت تدرك أن هذه العائلة لم تكن كما تبدو.
وبينما كان الأولاد يأكلون، اقتربت مدبرة المنزل من سلمى وهمست
إنتِ عملتي اللي محدش قدر يعمله.
ابتسمت سلمى.
لسه بدري.
هزت المرأة رأسها.
لا. إنتِ مش فاهمة.
نظرت سلمى إليها.
إيه؟
قالت المرأة
سيف ما كانش بيتكلم مع أي مربية.
تجمدت سلمى.
يعني إيه؟
من بعد وفاة والدته، وهو تقريبًا ما بيتكلمش.
نظرت سلمى إلى الطفل.
وفاة والدته؟
أومأت المرأة.
بقالها سنتين.
ثم أضافت
ومن يومها، فارس بقى شخص تاني.
وقبل أن تسأل سلمى المزيد، قال فارس من خلفها
كفاية.
التفتت.
كان واقفًا عند الباب.
قالت مدبرة المنزل بسرعة
أنا كنت بس...
روحي شوفي الأولاد.
خرجت المرأة.
وبقي فارس وسلمى وحدهما.
قالت سلمى
أنا آسفة. ماكنتش أعرف.
مش مطلوب منك تعرفي.
بس واضح إن في حاجة حصلت.
نظر إليها طويلًا.
ثم قال
كل واحد عنده حاجات مش بيحب يتكلم عنها.
ردت سلمى
صحيح.
وعشان كده أنا مش هطلب منك تحكي.
ثم التفتت إلى الأولاد.
لكن قبل أن تتحرك، قال فارس
سلمى.
توقفت.
إنتِ محتاجة الشغل ده.
لم يكن سؤالًا.
كان حقيقة.
قالت
أيوه.
ليه؟
سكتت.
ثم قالت
عشان بنتي.
كانت هذه أول مرة تتحدث فيها عنها.
عندي بنت اسمها ليان. عندي جلسة حضانة بعد أسبوعين.
تغيرت ملامح فارس قليلًا.
الحضانة؟
أبوها بيحاول ياخدها مني.
وليه؟
بيقول إني مش مستقرة.
ضحك فارس ضحكة قصيرة بلا فرح.
وإنتِ؟
أنا بحاول أثبت العكس.
نظر إليها.
عشان كده قبلتي تشتغلي هنا؟
أنا قبلت عشان محتاجة فلوس.
ثم أضافت
لكن لو الأولاد محتاجين حد، أنا مش هسيبهم لمجرد إنهم صعبين.
كانت الجملة بسيطة.
لكن فارس لم يرد.
في تلك اللحظة، ظهر سيف عند الباب.
بابا.
استدار فارس.
نعم؟
هي هتبات هنا؟
نظر فارس إلى سلمى.
ثم إلى ابنه.
وقال
لو هي وافقت.
ابتسم سيف.
أنا موافق.
ثم جرى إلى غرفته.
نظر فارس إلى سلمى.
واضح إن القرار اتاخد.
ابتسمت.
واضح.
لكن في تلك الليلة، لم تنم سلمى بسهولة.
الغرفة التي أعطاها لها فارس كانت واسعة ونظيفة.
لكنها لم تكن تفكر في الغرفة.
كانت تفكر في سيف.
وفي الطريقة التي تغير بها وجه فارس عندما تحدث ابنه.
ثم تذكرت شيئًا.
قبل أن تدخل الفيلا، كانت قد سمعت عن وفاة زوجة فارس.
لكن القصة التي وصلت إليها كانت غريبة.
قيل إن زوجته ماتت في حادث سيارة.
وانتهى الأمر.
لكن نظرة فارس عندما ذكرها سيف جعلت سلمى تشك أن هناك شيئًا لم يُقال.
وفي صباح اليوم التالي...
بدأ كل شيء.
استيقظت سلمى على صوت طرق شديد على الباب.
فتحت عينيها.
مين؟
جاء صوت مازن
اصحي!
فتحت الباب.
كان مازن واقفًا ومعه ياسين وآدم.
إيه؟
قال آدم
سيف اختفى.
تجمدت.
اختفى إزاي؟
مش موجود في أوضته.
خرجت سلمى بسرعة.
وجدت فارس في نهاية الممر.
كان يتحدث في الهاتف بعصبية.
فتشوا البدروم والحديقة كلها.
ثم أغلق الهاتف.
قالت سلمى
سيف فين؟
نظر إليها.
مش عارف.
آخر مرة شوفته إمتى؟
الساعة خمسة الصبح.
عملت إيه؟
دورت عليه.
قالت سلمى
لا.
اقتربت منه.
إنت دورت عليه كأب ولا كرجل بيدير عملية بحث؟
نظر إليها بغضب.
لكنها لم تتراجع.
هو طفل. مش موظف.
سكت.
ثم قال
إنتِ عندك فكرة أنا بدور عليه من إمتى؟
يبقى ساعدني أدور بطريقة يفهمها طفل.
انطلقت سلمى إلى غرفة سيف.
كانت السرير مرتبة.
لكن النافذة مفتوحة.
نظرت إلى الأرض.
ثم رأت شيئًا.
ورقة صغيرة.
التقطتها.
كانت عليها رسمة.
بيت.
وأربعة أطفال.
وامرأة.
لكن بجوار المرأة كان هناك رجل أسود اللون مرسومًا بعينين كبيرتين.
وتحت الرسم كتب سيف بكلمات متقطعة
هو رجع.
نظر فارس إلى الورقة.
وتغير وجهه بالكامل.
مين؟
سألت سلمى.
لم يرد.
أعادت السؤال
مين رجع يا فارس؟
قال
محدش.
إنت بتكدب.
رفع عينيه إليها.
لأول مرة رأت الخوف الحقيقي في عينيه.
قال
من النهارده، ممنوع الأولاد يخرجوا من البيت.
ليه؟
لأن في حد كان بيراقب البيت.
سكتت.
ثم قالت
مين؟
فارس لم يجب.
وفي نفس اللحظة، جاء صوت سيارة مسرعة من الخارج.
ثم صوت فرامل.
ركض الجميع إلى النافذة.
سيارة سوداء توقفت أمام البوابة.
خرج منها رجلان.
لكن رجال الحراسة تحركوا فورًا.
قال فارس
خدي الأولاد.
وفين سيف؟
هجيبه.
هتعمل إيه؟
أرجعي الأوضة.
لكن سلمى لم تتحرك.
مش هسيبك تدور لوحدك.
نظر إليها.
سلمى...
أنت محتاج حد يعرف الولد.
ثم تذكرت شيئًا.
سألت
هل سيف عنده مكان بيستخبى فيه؟
توقف فارس.
إيه؟
الأطفال لما يخافوا، بيختاروا مكان يحسوا فيه بالأمان.
نظر إليها.
ثم قال
المكتبة.
ركضا معًا.
دخلت سلمى المكتبة.
كانت غرفة ضخمة مليئة بالكتب.
نظرت حولها.
لا شيء.
ثم لاحظت رفًا صغيرًا مائلًا.
اقتربت.
حركته.
وجدت خلفه فتحة ضيقة.
سمعت صوتًا.
سيف؟
صمت.
جلست على الأرض.
أنا سلمى.
لا رد.
مش هطلعك غصب.
صمت.
بس لو فضلت هنا، بابا هيقلق جدًا.
صوت خافت
هو مش بيخاف.
بيخاف.
لأ.
طب إنت ليه مستخبي؟
صمت.
ثم قال
عشان هو رجع.
مين؟
عمو كريم.
تجمدت سلمى.
نظرت إلى فارس.
كان واقفًا خلفها.
وبمجرد سماع الاسم، أغمض عينيه.
قال سيف
عمو كريم قال إن بابا كداب.
اقترب فارس من الفتحة.
سيف، اخرج.
مش هخرج.
أنا مش زعلان منك.
إنت هتوديني بعيد.
سكت فارس.
هنا فهمت سلمى شيئًا.
سيف لم يكن خائفًا من الرجل الغريب فقط.
كان خائفًا من أن يخسره والده.
قالت سلمى
سيف، محدش هياخدك.
متأكدة؟
أيوه.
حتى لو بابا قال؟
نظرت إلى فارس.
كان وجهه محطمًا.
قالت
حتى لو بابا
تم نسخ الرابط