٤؛اطفال
أربعة أولاد طردوا كل المربيات... حتى رأى زعيم المافيا سلمى ترفض أن تخاف
طارَت التفاحة مباشرةً بجوار وجه سلمى، وارتطمت بالحائط الرخامي خلفها، فانفجرت إلى قطع صغيرة وتناثر عصيرها على الرخام الأبيض.
لكن سلمى لم ترمش حتى.
كانت تقف في منتصف المطبخ، ممسكةً بسكين في يدها، بينما كان أربعة أولاد صغار يحدقون فيها وينتظرون بفارغ الصبر الصرخة التي اعتادوا سماعها من كل مربية جديدة.
كانوا ينتظرون أن تخاف.
أن تصرخ.
أن تبدأ في البكاء.
أو، في أفضل الأحوال بالنسبة لهم، أن تهرب من المنزل وهي تتعثر في طريقها إلى الخارج.
لكن سلمى فقط أخذت برتقالة أخرى، وبدأت تقطعها بهدوء إلى شرائح متساوية.
ثم رفعت عينيها نحو الأولاد وسألت بكل بساطة
ليه المفروض أزعق؟
ساد الصمت.
الأولاد الأربعة تبادلوا النظرات.
لم يكن هذا هو الرد الذي توقعوه.
قبل أقل من عشر دقائق، كانت المربية السابقة قد خرجت من الفيلا وهي تجري حافية القدمين وسط المطر.
كانت تبكي بشدة، وشعرها ملتصق بوجهها من شدة البلل.
وقبل أن تصعد إلى سيارتها، أمسكت بذراع سلمى وقالت لها بصوت مرتجف
ماتدخليش هناك.
سلمى عقدت حاجبيها.
ليه؟
نظرت المرأة إلى الفيلا وكأنها تتوقع أن يخرج منها شيء مرعب.
ثم همست
العيال دول عارفين كويس جدًا إزاي يدمروا أي حد يحاول يسيطر عليهم.
ابتلعت ريقها، وأضافت
كل واحدة حاولت تشتغل هنا مشيت وهي بتعيط.
ثم ركضت إلى سيارتها واختفت وسط المطر.
وللحظة...
كادت سلمى تصدقها.
لكنها عندما نظرت من خلال نافذة المطبخ، رأت المشهد أمامها.
عصير برتقال ينساب فوق الرخام الأبيض.
حبوب إفطار متناثرة في كل مكان.
أطباق مقلوبة.
وساندوتشات ملقاة على الأرض.
وأربعة أولاد يرتدون ملابس نوم حمراء متطابقة، يحتفلون بالفوضى وكأنهم انتصروا في معركة.
وفي وسط كل هذا...
كان يقف رجل واحد.
والدهم.
فيكتور رينالدي.
أو بالأحرى...
فارس الريان.
رجل أعمال ثري بشكل لا يصدق.
أرمل.
والد أربعة أولاد.
وبحسب كل القصص التي سمعتها سلمى عنه قبل أن تأتي إلى هنا...
كان واحدًا من أخطر الرجال في المدينة.
رجل لا يجرؤ أحد على معارضته.
رجل يكفي أن ينظر إليه شخص حتى يعرف أنه ارتكب خطأً كبيرًا.
لكن الغريب...
أن فارس نفسه كان يبدو وكأنه على وشك الاستسلام أمام أولاده.
كان يحمل كأسًا في يده، وينظر إلى المطبخ وكأنه لا يعرف هل يغضب من أبنائه أم يضحك على الكارثة التي تسببوا فيها.
وفجأة اهتز هاتف سلمى في جيبها.
أخرجته بسرعة.
نظرت إلى الشاشة.
وتجمدت ملامح وجهها.
تم تقديم موعد جلسة الحضانة. بقي أسبوعان فقط. كوني مستعدة.
شعرت سلمى بمعدتها تنقبض.
أسبوعان.
أسبوعان فقط.
أسبوعان لتثبت للمحكمة أنها قادرة على توفير حياة مستقرة لابنتها الوحيدة، ليان.
أسبوعان لتثبت أن لديها دخلًا ثابتًا.
ومكانًا آمنًا تعيش فيه.
وحياة يمكن لابنتها أن تعود إليها.
فتحت تطبيق البنك.
حدقت في الرقم الموجود أمامها.
36 دولارًا فقط.
لم تكن تعرف كيف ستدفع إيجار الشهر القادم.
ولا كيف ستشتري الطعام.
ولا كيف ستدفع مصاريف ابنتها.
وكانت تعرف جيدًا أن أي حكم قضائي ضدها قد يعني أنها لن تستطيع الاحتفاظ بابنتها.
أغلقت الهاتف ببطء.
ثم رن جرس الفيلا.
فتحت لها مدبرة المنزل، وهي امرأة في منتصف الستينيات، وكانت تبدو وكأنها لم تنم منذ أسابيع.
نظرت إلى سلمى من رأسها حتى قدميها.
ثم سألت
إنتِ المربية الجديدة؟
ابتسمت سلمى ابتسامة صغيرة.
أيوه. أنا سلمى.
لم تقل المرأة شيئًا.
فقط نظرت خلف سلمى إلى الحديقة، ثم عادت لتنظر إليها بعينين مشفقتين.
ربنا يعينك.
دخلت سلمى.
وفي اللحظة نفسها...
سمعت صوت شيء يتحطم من داخل المطبخ.
ثم صرخ أحد الأطفال
كسبناااا!
رفعت سلمى حاجبها.
مدبرة المنزل أغلقت عينيها للحظة.
ثم قالت
الاختبار الحقيقي بيبدأ وقت العشا.
نظرت إليها سلمى.
اختبار؟
تنهدت المرأة.
معظم الستات مش بيكملوا لحد الغدا.
ابتسمت سلمى بهدوء.
أنا مش معظم الستات.
دخلت المطبخ.
وتوقفت للحظة.
المشهد كان أسوأ مما تخيلت.
كان أحد الأولاد واقفًا فوق الجزيرة الرخامية، ويمسك إبريق عصير فوق رأسه ويسكبه على نفسه وهو يضحك.
ولد آخر كان قد بنى حصنًا كاملًا من علب حبوب الإفطار أسفل الطاولة.
أما الثالث فكان ينزلق على الأرض، ثم يحاول تسلق الخزائن.
والرابع...
كان يجلس في زاوية بعيدة.
هادئًا تمامًا.
لا يشارك إخوته في الفوضى.
كان فقط يراقب سلمى.
راقبها بطريقة جعلتها تشعر أنه لا يراقبها كطفل.
بل كأنه يحاول أن يقرر إن كانت ستبقى أم سترحل مثل الآخرين.
استدار فارس نحوها.
وقال ببرود
إنتِ اتأخرتي.
نظرت إليه سلمى.
ثم قالت
كنت تقريبًا هتخبطني المربية اللي قبلي وهي خارجة بتجري.
تحرك طرف فم فارس في ابتسامة ساخرة.
وقال
واضح إنها كانت أسرع في الهروب من الشغل.
نظرت سلمى إلى الساعة.
ثم قال فارس
عندي عرض.
سكت لحظة.
وأشار إلى الأولاد الأربعة.
تقدري تخلي الأربعة يقعدوا على السفرة وياكلوا عشا حقيقي قبل الساعة تمانية، الشغلانة تبقى بتاعتك.
نظرت سلمى إلى الساعة مرة أخرى.
كانت السادسة وسبعة وأربعين دقيقة.
73 دقيقة فقط.
ثم أضاف فارس
مرتب كويس. تأمين ومميزات. ولو محتاجة، ليكي أوضة هنا.
رفعت سلمى عينيها إليه.
ولو فشلت؟
أخذ فارس رشفة من كأسه.
وقال
تمشي قبل ما العيال يبدأوا يحبوك.
نظرت سلمى إلى الأولاد.
ثم خلعت حقيبتها.
ووضعتها على الكرسي.
ورفعت أكمام بلوزتها.
فين السكاكين؟
ساد الصمت.
توقف الولد الذي كان يسكب العصير.
توقف الآخر عن الزحف تحت الطاولة.
حتى فارس رفع رأسه ونظر إليها.
نعم؟
قالت سلمى بكل هدوء
لو عايزين عشا، لازم أطبخ.
في اللحظة نفسها...
وقف أكبر الأولاد أمامها وسد طريقها.
إنتِ ممنوع تستخدمي البوتاجاز.
نظرت سلمى إليه.
مين قال؟
رفع الولد ذقنه بثقة.
أنا.
كان اسمه مازن.
أحد التوأم.
أما الولد الثاني، ياسين، فكان قد التقط تفاحة جديدة.
والثالث، آدم، كان يرتدي صندوق حبوب إفطار ممزقًا حول صدره مثل درع محارب.
أما الولد الرابع، سيف...
فكان لا يزال يجلس في الزاوية.
يراقب.
قال مازن
الأخيرة عيطت.
ثم ابتسم بفخر.
عيطت جامد.
لم ترد سلمى.
نظر إليها مازن وكأنه يتحداها.
إنتِ كمان هتعيطي.
رفع ياسين التفاحة.
فقال فارس بصوت حاد
ياسين.
توقفت يد الطفل.
لكن سلمى لم تنظر إلى فارس.
بل كانت تنظر إلى التفاحة.
ثم قالت
حطها.
ضحك ياسين.
ولو ماحطتهاش؟
سلمى لم تجبه.
فجأة...
رمى التفاحة.
انطلقت في الهواء بسرعة.
واصطدمت بالحائط الرخامي بجوار رأس سلمى.
طاخ!
تناثرت قطع التفاحة على الأرض.
ساد الصمت.
حتى فارس تغيرت ملامحه.
ياسين.
هذه المرة كان صوته أكثر حدة.
لكن سلمى...
لم تتحرك.
انحنت فقط.
التقطت برتقالة من السلة.
ثم أمسكت السكين.
وبدأت تقطعها إلى شرائح دائرية متساوية.
كان الأولاد ينظرون إليها في حيرة.
قال آدم
إنتِ المفروض تزعقي.
توقفت سلمى للحظة.
ثم رفعت رأسها.
ليه؟
لم يرد أحد.
وضعت شرائح البرتقال على طبق.
ثم ملأت إناءً بالماء ووضعته على النار.
وقالت
ليه المفروض أزعق؟
تبادل الأولاد النظرات.
قال مازن
عشان إحنا وحشين.
رفعت سلمى عينيها إليه.
لأ.
سكت مازن.
قالت سلمى
إنتوا مش وحشين.
لم يتحرك أحد.
وضعت سلمى أربع شرائح برتقال على أربع أطباق.
ثم قالت
إنتوا بتختبروني.
تغيرت نظرات الأولاد.
حتى فارس رفع حاجبه.
تابعت سلمى
إنتوا بتكسروا الحاجات.
وضعت طبقًا على الطاولة.
وتعملوا دوشة.
وضعت الطبق الثاني.
وتخوفوا الناس.
ثم نظرت إلى مازن مباشرة.
وبعدين تستنوا تشوفوا... هل هتمشي ولا لأ.
لم يقل أحد كلمة.
نظر سيف، الطفل الهادئ، إلى الأرض.
وهنا...
فهمت سلمى شيئًا.
الموضوع لم يكن مجرد شقاوة.
ولم يكن الأولاد مجرد أطفال مدللين يحاولون إفساد حياة كل مربية جديدة.
كان هناك شيء آخر.
شيء أعمق.
هؤلاء الأطفال كانوا ينتظرون دائمًا أن يرحل الجميع.
ربما لأنهم اعتادوا أن يرحل الناس.
وربما لأنهم تعلموا أن الشخص الذي يقول إنه سيبقى...
يرحل في النهاية.
وفجأة شعرت سلمى أن قلبها انقبض.
لأنها عرفت هذا الشعور.
أن تنتظر رحيل شخص تحبه.
أن تعيش وأنت مقتنع أن كل شيء جميل مؤقت.
أن تتوقع الخذلان قبل أن يحدث.
وضعت سلمى السكين جانبًا.
ثم قالت
أنا هعمل مكرونة.
رفع ياسين رأسه.
مكرونة؟
أيوه.
ثم أشارت إلى المطبخ.
واللي عايز ياكل، ممكن يساعدني.
قال مازن بسرعة
إحنا مش هنساعد.
هزت سلمى كتفيها.
تمام.
ثم عادت إلى عملها.
اللي مش عايز يساعد، يقدر يكمل تكسير المطبخ.
توقفت.
ثم أضافت بلا مبالاة
أنا بس هخصم تمن الحاجات اللي اتكسرت من مصاريفهم.
فتح مازن فمه.
ثم أغلقه.
كان واضحًا أنه لم يتوقع هذه الإجابة.
مرّت عشر ثوانٍ.
ثم عشر أخرى.
لم تتحرك سلمى.
كانت منشغلة بتحضير الطعام.
وفجأة...
سمعت صوتًا خافتًا.
طقطقة.
نظرت خلفها.
كان آدم قد خلع صندوق