هربت من جوازة
عايزاكي تكبري بعيد عن الخوف.
كنت عايزاكي تتجوزي لما تختاري.
وتشتغلي لما تختاري.
وتعيشي في المكان اللي تختاريه.
كنت عايزاكي تعرفي إن كلمة لا بتاعتك لها قيمة.
ولو اضطريت أكون أنا الشخص اللي يبعدك عني عشان توصلي للحياة دي، كنت مستعدة.
فضلت ماسكة الورقة وقت طويل.
وبكيت.
مش عشان الماضي.
لكن عشان فهمت أمي أخيرًا.
في اليوم التالي، قابلت حسن للمرة الأخيرة قبل ما أرجع أمريكا.
وقف بعيد عني وقال
أنا مش جاي أطلب منك أي حاجة.
قلت
أنا عارفة.
قال
كنت بس عايز أقولك حاجة قبل ما تمشي.
سكت.
وبعدين قال
أنا آسف يا سميرة. كان لازم أقول لأ من البداية. حتى لو كنت وقتها فاكر إن القرار مش بإيدي.
قلت
أنا قضيت سنين طويلة غاضبة منك.
قال
ومن حقك.
قلت
لكن دلوقتي عرفت إنك ساعدت أمي.
هز راسه.
أنا عملت اللي كان لازم يتعمل.
قلت
يمكن ده ما يمسحش الماضي، لكنه يغير الطريقة اللي هفتكره بيها.
ابتسم.
ده كل اللي كنت أتمنى أوصله.
ما كانش فيه بينا أي شيء غير الاحترام.
ولا رجوع للماضي.
ولا محاولة لإعادة شيء انتهى من 40 سنة.
كان مجرد شخصين عاشوا حياة مختلفة، وكل واحد منهم فهم أخيرًا الحقيقة كاملة.
قبل ما أروح المطار، وقفت قدام البيت.
بصيت للباب.
افتكرت البنت اللي خرجت منه وهي عندها 19 سنة.
كانت خايفة.
شايلة شنطة صغيرة.
ومعاها 240 دولار.
ما كانتش عارفة إذا كانت هتنجح.
ولا عارفة هتعيش فين.
ولا كانت تعرف إذا كانت هتشوف أمها تاني.
لكنها مشت.
ولو البنت دي كانت وقفت يومها وخافت، كان ممكن كل شيء يتغير.
لكنها مشت.
وأنا، بعد 40 سنة، كنت واقفة في نفس المكان.
لكن المرة دي، كنت ست عندها 60 سنة.
أم.
جدة.
ممرضة.
زوجة.
إنسانة عاشت حياة كاملة اختارتها بنفسها.
ركبت العربية إلى المطار.
وأثناء الطريق، فتحت رسالة أمي للمرة الأخيرة.
وكان آخر سطر فيها
ما ترجعيش عشان الماضي يا بنتي.
ارجعي بس لو محتاجة تعرفي الحقيقة.
وبعدها، ارجعي لحياتك.
لأن الحياة اللي اخترتيها بنفسك هي أكتر حاجة كنت أتمنى أشوفك تعيشيها.
وصلت المطار.
وقبل ما أركب الطيارة، بصيت للمغرب من بعيد.
المرة دي ما كنتش هاربة.
كنت ماشية بإرادتي.
كان فيه فرق كبير.
وأنا قاعدة في الطيارة، حطيت رسالة أمي في شنطتي جنب تذكرة الطيران القديمة.
تذكرت أول مرة ركبت فيها طيارة وأنا عندي 19 سنة.
وقتها كنت فاكرة إنني بهرب من حياتي.
لكن بعد 40 سنة فهمت الحقيقة.
أنا ما كنتش بهرب من حياتي.
أنا كنت رايحة أبدأها.
والسر اللي أمي خبته عني كل السنين دي ما كانش سرًا عن حسن.
ولا عن الجوازة.
ولا عن الماضي.
كان سرًا عن السبب الحقيقي اللي خلاها تضحّي بقرب بنتها منها.
كانت عايزة تمنحني حاجة ما قدرتش تاخدها لنفسها
الحق إني أختار.
اختار شغلي.
اختار بيتي.
اختار الشخص اللي أعيش معاه.
وأختار إمتى أرجع.
وأهم من كل ده
اختار حياتي بنفسي.
ولأول مرة من 40 سنة، حسيت إنني سامحت أمي.
مش لأنها أخفت الحقيقة.
لكن لأنها، رغم كل خوفها، اختارت تنقذني.
ومن يومها، كل ما حفيدتي تسألني
تيتا، إيه أهم حاجة اتعلمتيها في حياتك؟
ببصلها وأقول
إن محدش من حقه يختار حياتك بدالك.
وبعدين أضيف
ولو في يوم قلتي لا، خليكي متأكدة إن صوتك له قيمة.
لأنني عرفت ده متأخر.
لكنني عشته.
ويمكن ده كان أعظم شيء تركته لي أمي قبل ما تمشي.
مش فلوس.
مش بيت.
مش مجوهرات.
لكن حياة كاملة.
حياة كانت ملكي أنا.
و