هربت من جوازة

لمحة نيوز

بستغرب السؤال.
لأن طول حياتي، ناس كتير كانت بتقولي إنتِ لازم تعملي إيه.
أما هو، فكان بيسألني أنا.
اتجوزنا.
وبدأنا حياتنا سوا.
خلفنا بنتين.
كبروا قدامي.
وبعدين شفتهم هما كمان بيبنوا حياتهم.
وفي النهاية، بقيت جدة.
كنت ببص على حفيدتي وأفكر
لو كنت فضلت في المغرب، هل كنت هعيش اللحظة دي؟
ما كنتش أعرف.
لكن كنت عارفة إني ممتنة لأمي.
مرت 40 سنة.
أربعين سنة كاملة وأنا بعيدة عن المغرب.
في البداية كنت بتكلم مع أمي على فترات.
لكن علاقتنا بقت أصعب مع مرور الوقت.
أبويا كان رافض رجوعي.
وبعد فترة، الأخبار عن البيت قلت.
وبعدين حصلت حاجة غيرت كل شيء.
أمي ماتت.
وصلني الخبر وأنا في أمريكا.
ما قدرتش أسافر وقتها.
فضلت شايلة جوايا إحساس بالذنب سنين.
كنت نفسي أقول لها شكرًا.
كنت نفسي أسألها ليه عملت كده.
كنت نفسي أعرف إذا كانت ندمت.
لكن ما لحقتش.
بعد فترة طويلة، اتصلت بيا أختي.
صوتها كان غريب.
قالت
سميرة، لازم ترجعي.
سألتها
ليه؟
قالت
ماما سابت لك حاجة.
سكت.
قلت
حاجة إيه؟
قالت
مش هينفع أقول لك في التليفون.
سألتها
هل الموضوع له علاقة بالبيت؟
قالت
تعالي الأول.
فضلت أيام أفكر.
وأنا عندي 60 سنة، قررت أرجع المغرب لأول مرة من 40 سنة.
ما كنتش عارفة إن رجوعي ده هيكشف سر أمي الأخير.
وصلت مطار الدار البيضاء.
أول ما خرجت من المطار، وقفت مكاني.
كان فيه 3 عربيات شرطة مستنياني.
قلبي بدأ يدق بسرعة.
واحد من الضباط قرب مني.
قال
سميرة؟
قلت
أيوه.
طلب جواز سفري.
اديتهوله.
فتح الجواز.
بص في البيانات.
وبعدين رفع عينه وبصلي.
وقال
إحنا كنا مستنيينك.
حسيت الدم انسحب من وشي.
قلت
مستنييني ليه؟
ما ردش.
فتح باب العربية.
وقال
اتفضلي.
قلت
أنا عملت حاجة؟
قال
هنتكلم لما نوصل.
ركبت العربية وأنا مش فاهمة.
طول الطريق كنت ببص من الشباك.
كل مكان كان فيه ذكرى.
لكن أنا كنت خايفة.
بعد حوالي 40 دقيقة، وقفنا قدام بيت قديم.
عرفته فورًا.
بيت أهلي.
نفس البيت اللي خرجت منه وأنا عندي 19 سنة.
الضابط نزل.
فتحلي الباب.
وبصلي وقال
قبل ما تدخلي، فيه حاجة لازم تعرفيها.
سألته
إيه؟
قال
الموضوع مش زي ما إنتِ فاكرة.
وبعدين فتح الباب.
دخلت.
ولقيت أختي.
لكنها ما كانتش لوحدها.
كان فيه راجل واقف في آخر الصالة.
بصيت له.
وقفت مكاني.
كان حسن.
الرجل اللي هربت من جوازه قبل 40 سنة.
ما كنتش متوقعة أشوفه.
قلت
إنت؟
ما قربش.
قال
أنا عارف إن وجودي هنا آخر حاجة كنتِ تتوقعيها.
قلت
أنا مش عايزة أشوفك.
قال
ومش هضغط عليكِ.
أختي قربت مني.
وقالت
سميرة، اقعدي الأول.
قلت
أنا عايزة أفهم.
أخرجت ظرفًا قديمًا.
كان عليه اسمي.
وقالت
ده من ماما.
إيدي بدأت ترتعش.
فتحت الظرف.
وكانت أول جملة
يا سميرة، لو إنتِ بتقري الرسالة دي، يبقى أخيرًا رجعتي البيت.
قعدت.
وبدأت أقرأ.
أنا عارفة إنك ممكن تكوني فاكرة إني أرسلتك بعيد لأنني كنت خايفة عليكِ من الفضيحة.
لكن الحقيقة غير كده.
أنا أرسلتك بعيد لأنني كنت عايزاكي تعيشي.
دموعي نزلت.
كملت.
قبل سفرك بأيام، كنت عارفة إن أبوكي مش هيتراجع.
لكن فيه شخص تاني عرف إنك مش عايزة الجوازة.
الشخص ده كان حسن.
رفعت عيني.
بصيت له.
هو فضل ساكت.
كملت القراءة.
حسن عرف إنك رافضة.
وكان يقدر يسكت ويكمل الجوازة.
لكنه ما عملش كده.
قاللي إنه مش عايز يتجوز بنت مجبرة عليه.
وساعدني أشتري تذكرة السفر.
أنا كنت خايفة أبوكي يعرف، فطلبت منه ما يقولش لأي حد.
وقفت عن القراءة.
قلت لحسن
إنت كنت عارف؟
قال
أيوه.
وساعدت أمي؟
أيوه.
ليه؟
قال
لأنك قلتي لأ.
كانت إجابته بسيطة.
لكنها كانت تقيلة جدًا.
كمل
وقتها كنت أكبر منك بسبعتاشر سنة، وعرفت إنك مش عايزاني. كان ممكن أقول لنفسي إن دي مش مشكلتي. لكن الحقيقة إني ما كنتش عايز أبدأ حياة مع واحدة بتبكي قبل فرحها.
سكت.
وبعدين قال
أنا آسف إني كنت جزء من الموضوع أصلًا.
رجعت أقرأ.
لكن الرسالة كان فيها سر أكبر.
أمي كتبت
بعد ما سافرتي، أبوكي غضب جدًا.
وقال إنك سرقتي فلوس ومجوهرات من البيت.
قدم بلاغ ضدك.
لكن الحقيقة إنك ما سرقتيش أي حاجة.
أنا اللي كنت ادّيتك الفلوس.
والحاجات اللي أخدتيها كانت حاجاتك الشخصية.
شهقت.
يعني طول السنين دي، كان فيه بلاغ باسمي.
وده كان سبب وجود الشرطة في المطار.
كملت
حاولت أخليه يسحب البلاغ.
رفض.
ومع الوقت، الموضوع فضل مفتوح من غير ما يتم حسمه.
حسن عرف بالموضوع.
وحاول يساعدني في إنهاء كل شيء.
بصيت لحسن.
إنت كنت بتعمل ده طول السنين؟
قال
كنت بحاول أصلح اللي أقدر عليه.
سألته
طب ليه ما اتصلتش بيا؟
قال
لأنك كنتِ بدأتي حياة جديدة. وما كنتش شايف إن من حقي أقتحم حياتك بعد كل السنين دي.
كانت أول مرة أشوف الموقف بالشكل ده.
أنا كنت فاكرة إن الماضي كله كان ضدي.
لكن الحقيقة إن أمي كانت بتحاول تنقذني.
وحسن كان بيحاول يساعدها.
والشخص الوحيد اللي ما كانش عايز يتراجع كان أبويا.
الضابط دخل الصالة وقال
إحنا محتاجين منك بس بعض الإجراءات الرسمية.
سألته
أنا متهمة بحاجة؟
قال
لا. البلاغ قديم جدًا، والموضوع كان محتاج مراجعة وإثباتات. بعد التحقيق في المستندات، اتضح إن الاتهامات القديمة ما كانش عليها دليل كافي، وتم اتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة لإغلاق الملف.
حسيت إني أخيرًا قدرت أتنفس.
بعدها خرجت من البيت مع أختي.
فضلنا ساكتين فترة.
وبعدين سألتها
ليه ماما ما قالتليش الحقيقة قبل ما تموت؟
قالت
كانت خايفة إنك ما تسامحيهاش.
قلت
أنا طول عمري كنت فاكرة إنها خدتني من حياتي.
أختي مسكت إيدي.
هي كانت بتديكي حياتك.
في الليلة دي، نمت في أوضة طفولتي.
نفس الحيطان.
نفس الشباك.
نفس المكان اللي كنت فيه قبل 40 سنة.
لكن أنا ما كنتش نفس البنت.
طلعت الصندوق اللي أختي كانت محتفظة بيه.
كان جواه تذكرة الطيران القديمة.
وصورة ليا وأنا طفلة.
وورقة صغيرة.
فتحتها.
كان مكتوب
يا سميرة،
لو رجعتي يومًا، ما تبصيش للبيت ده باعتباره المكان اللي خسرتي فيه حياتك.
افتكري إنه المكان اللي بدأت منه حياتك.
أنا آسفة إني اضطررت أخبي عنك حاجات كتير.
لكن كنت
تم نسخ الرابط