لقيت طفلة

لمحة نيوز

عند باب المطبخ.
وقالت
حسام...
من غير حتى ما أبصلها، قلت
إنتِ مالكيش كلمة واحدة في اللي بيحصل هنا.
سكتت.
حسام فضل باصص لأمل كأن الطفلة ممكن بطريقة ما تنقذه من الموقف.
لكن أنا ما ادتلوش الفرصة.
مسكت شنطة البيبي ومفاتيحي.
وقلت
أنا هاخد أمل وأروح بيها العيادة.
وبصيتله مباشرة.
ولما أرجع، مش عايزة ألاقيك هنا.
قال
نهى...
قاطعته
أنا اتصلت بيك عشان أشوف إذا كان لسه عندك ذرة كسوف من اللي عملته.
حاول يتكلم.
قلت
وأنا بتكلم جد. لو رجعت ولقيتك لسه هنا، هقول للشرطة إنك كنت على تواصل مع طفلة مُبلغ عن اختفائها، وخبيت الاتصال ده عن أمها.
الجملة دي كانت كفاية.
حسام وسمر اتحركوا ومشيوا.
وصلت العيادة وأنا شايلة أمل في حضني.
الدكتورة داليا كشفت عليها كويس.
فحصتها من كل ناحية، وبعد ما خلصت قالتلي إن شكلها كويس وإنها بصحة جيدة بشكل عام...
بس وزنها أقل شوية من الطبيعي.
بدأت تسألني أسئلة بحذر.
وأنا كنت برد بحذر برضه.
وريتها الورقة اللي أحمد سابها.
ووريتها الحاجات اللي كانت موجودة في شنطة البيبي.
ووريتها جاكت ملك.
فضلت الدكتورة تسمعني لحد الآخر.
وبعدين بصتلي وسألتني
عندك حد من أهلك أو عيلتك يقدر يقف جنبك ويساعدك؟
وهنا...
بصيت للدكتورة داليا لما سألتني
عندك حد من أهلك أو عيلتك يقدر يقف جنبك ويساعدك؟
فتحت بوقي عشان أقول آه...
لكن الكلمة ماطلعتش.
مين؟
حسام؟
الراجل اللي عرف إن بنته عايشة وسابني خمس سنين أنام كل ليلة وأنا مش عارفة هي تحت التراب ولا فوقه؟
أختي مسافرة بره مصر من سنين.
وأبويا وأمي ماتوا قبل اختفاء ملك بمدة.
بصيت لأمل وهي نايمة في حضني وقلت
لأ... تقريبًا أنا لوحدي.
الدكتورة سكتت لحظة، وبعدها قالت بهدوء
نهى، لازم تعرفي إن وجود جواب بيقول إن دي حفيدتك مش كفاية لوحده. بما إن طفلة اتسابت قدام بيتك، لازم الموضوع يتبلغ رسميًا ويتوثق، خصوصًا إننا مانعرفش أمها فين.
قلبي اتقبض عند آخر جملة.
تقصدي إيه أمها فين؟ أحمد كاتب إنه هيرجع.
بصتلي الدكتورة وقالت
وأنا أتمنى يرجع بسرعة.
الإجراءات أخدت ساعات.
أسئلة.
مكالمات.
تفاصيل عن ملك.
تفاصيل عن اختفائها.
تفاصيل عن حسام.
وفي الآخر رجعت البيت قرب المغرب.
وأمل معايا.
أول حاجة عملتها لما دخلت...
بصيت ناحية الكنبة.
حسام كان مشي.
الحمد لله.
قفلت الباب بالمفتاح، وحطيت شنطة أمل، وبعدها وقفت في نص الصالة.
لأول مرة من خمس سنين...
البيت ماكانش ساكت.
كان فيه صوت نفس طفلة.
حركة صغيرة.
زجاجة لبن بتتحط على الترابيزة.
حفاضة بتتغير.
حياة.
فضلت أبص لأمل وأنا مش عارفة أفرح ولا أعيط.
دي بنت ملك.
يعني أنا بقيت جدة.
ملك اتجوزت ....
و حملت.
وولدت.
وشالت بنتها.
وضحت لها.
وسهرت جنبها.
وعاشت كل اللحظات دي...
وأنا ماكنتش موجودة في ولا لحظة منهم.
قربت من أمل وهمست
مامتك كانت بتتكلم عني؟
طبعًا ما ردتش.
لكنها مسكت صباعي.
وفي اللحظة دي جرس الباب رن.
قلبي وقع.
بصيت للساعة.
كانت 743 مساءً.
قربت من الباب من غير ما أفتحه.
مين؟
جالي صوت راجل من الناحية التانية
أنا أحمد.
اتجمدت.
نفس الاسم اللي على الورقة.
فتحت الباب بسرعة.
كان واقف قدامي شاب في أواخر العشرينات تقريبًا.
وشه مرهق.
دقنه طالعة.
هدومه متكرمشة كأنه ما نامش من يومين.
وأول حاجة عملها...
إنه بص ورايا.
أمل كويسة؟
قلت
فين ملك؟
رفع عينه ليا.
وسكت.
كررت
سألتك بنتي فين؟
دخل نفس طويل وقال
ممكن أدخل؟
لأ. تجاوبني الأول.
بصلي كام ثانية...
وبعدين قال
ملك في المستشفى.
حسيت إن الباب نفسه اتحرك في إيدي.
مستشفى إيه؟
مستشفى خاص في القاهرة.
حصلها إيه؟
نهى، الموضوع طويل.
صرخت
وأنا عندي خمس سنين فاضيين أسمعه!
سكت.
وبعدين طلع موبايله.
فتح صورة ومدهولي.
كانت ملك.
بنتي.
أكبر بخمس سنين.
ملامحها نضجت.
شعرها أطول.
وكانت قاعدة على كنبة وشايلة أمل وهي لسه مولودة تقريبًا.
حطيت إيدي على بوقي.
يا حبيبتي...
لمست الشاشة.
فضلت أمرر صباعي على وشها في الصورة كأني لو لمسته كفاية هتحس بيا.
قلت
وديني لها.
أحمد نزل عينه.
مش هينفع دلوقتي.
رفعت رأسي.
نعم؟
هي في العناية المركزة.
دخل أحمد البيت.
قعد قدامي، وأنا شايلة أمل.
وبدأ يحكي.
بعد ما ملك سابت البيت، راحت معاه.
سافروا عشان يتجوزوا مش زى ما حسام كان مصور الموضوع في دماغه.
أحمد خدها عند خالته في إسكندرية أول ليلة.
وتاني يوم قال لها لازم تكلم أهلها.
ملك رفضت تكلم أبوها.
لكن بعد كام شهر...
انهارت.
وحاولت ترجع.
هنا بصيت لأحمد.
حاولت ترجع؟
قال
آه.
إزاي؟
كلمت والدها.
الجملة خبطتني في صدري.
قلت
حسام قال إنها كلمته مرة.
أحمد هز رأسه.
كداب.
سكت.
قال
ملك كلمته أكتر من مرة.
حسيت إن الدم ساب وشي.
كام مرة؟
أنا أعرف عن أربع مكالمات على الأقل.
أربع؟!
وفي مرة أنا كنت قاعد جنبها.
قربت منه.
قال لها إيه؟
أحمد سكت شوية، وبعدين قال
قال لها إنك مش عايزة تشوفيها.
ماكنتش فاهمة الجملة.
فضلت باصة له.
مين؟
قال لملك إنك إنتِ اللي رافضة رجوعها.
ضحكت.
ضحكة قصيرة غريبة خرجت مني من الصدمة.
أنا؟
قال لها إنك حملتيها مسؤولية انهيار البيت... وإنك قلتي لو رجعت معايا ما تدخلش البيت.
قمت من مكاني.
كداب.
عارف.
كداب!
أمل اتخضت وبدأت تعيط.
خدتها في حضني وأنا بعيط معاها.
أنا كنت بموت كل يوم عشان ترجع.
أحمد قال
هي ماعرفتش ده.
وبعدين مد إيده في جيبه.
طلع موبايل قديم.
وحطه على الترابيزة.
ده موبايل ملك القديم. احتفظت بيه.
بصيتله.
قال
فيه حاجة لازم تسمعيها.
فتح تسجيل صوتي.
وبعد ثواني...
سمعت صوت بنتي.
صوت ملك.
بابا... أنا مش بطلب منك تسامح أحمد. أنا بس عايزة أكلم ماما.
وبعدين صوت حسام
مامتك مش عايزة تكلمك.
حطيت إيدي على صدري.
التسجيل كمل.
صوت ملك كان بيعيط
اديني الموبايل بس وأنا هفهمها.
وحسام رد
تفهميها إيه؟ بعد اللي عملتيه؟ أمك كل يوم بتدعي إنها تنساكي. لو عندك ذرة رحمة سيبيها تعيش.
صرخت
اقفله!
أحمد قفل التسجيل فورًا.
ماقدرتش أتنفس.
خمس سنين.
خمس سنين حسام كان واقف بيني وبين بنتي.
بيقوللي إنها اختارت تمشي.
وبيقول لها إني اخترت أنساها.
سألت أحمد
ليه ملك ما حاولتش تكلمني أنا مباشرة؟
قال
حاولت.
رفعت رأسي.
إيه؟
رقمك اتغير بعد حوالي سنة، صح؟
افتكرت.
حسام هو اللي أصر نغير أرقامنا بعد اختفاء ملك.
قال وقتها إننا بنتعرض لمكالمات ناس بتستغل مصيبتنا وتدّعي إنها شافتها.
أحمد كمل
وبعدها حاولت تبعتلك على حساباتك، لكن حساباتها كانت بتتقفل أو الرسائل ما كانتش بتوصل. وفي الآخر اقتنعت إن كلام أبوها صح.
سألته
طب ليه دلوقتي؟ ليه بعد خمس سنين أمل تظهر على بابي؟
ملامحه اتغيرت.
لأن ملك عرفت الحقيقة من أسبوع.
سكت.
قال
قابلت بالصدفة واحدة من أصحابها القدام. البنت قالتلها إنك لحد السنة اللي فاتت كنتِ لسه بتنزلي صورتها في ذكرى اختفائها وبتطلبي من أي حد يعرف عنها حاجة يكلمك.
دموعي نزلت.
أحمد كمل
رجعت البيت منهارة. فضلت تقول يبقى بابا كان بيكدب.
قلت
وبعدها حصل إيه؟
أحمد بص ناحية أمل.
اتخانقنا.
ليه؟
أنا قلتلها نجيلك فورًا. هي قالت لأ. قالت مش عايزة تظهر قدامك فجأة بعد خمس سنين ومعاها طفلة، قبل ما تعرف إنتِ هتستقبليها إزاي.
وأنا كنت هستقبلها ؟!
هي ماكنتش عارفة يا نهى.
الجملة دي كسرتني.
بنتي كانت خايفة ترجعلي.
بسبب كذبة.
قلت
والمستشفى؟
أحمد شبك إيديه.
بعدها بيومين كانت راجعة من شغلها وحصلت لها حادثة عربية.
شهقت.
حالتها؟
إصابة في الرأس ونزيف داخلي. عملت عمليتين.
وأمل؟
كنت معاها. لكن لما حالة ملك ساءت امبارح، افتكرت كلامها. هي كانت دايمًا بتقول لو حصل لها حاجة، أمل تروحلك إنتِ.
فسيبت طفلة رضيعة على باب البيت ومشيت؟!
كنت لازم أرجع
المستشفى. وخفت لو خبطت ووقفت أشرحلك، ترفضي تاخديها أو تتصلي بوالدها قبل ما تعرفي الحقيقة.
كنت لسه هرد...
لما موبايلي رن.
رقم غريب.
رديت.
ألو؟
مدام نهى؟
أيوه.
حضرتك والدة ملك حسام عبد الرحمن؟
رجلي بردت.
أيوه.
إحنا بنتصل بحضرتك من المستشفى...
ما سمعتش باقي الجملة كويس.
كل اللي عرفته إني بعد أقل من عشر دقايق كنت في العربية مع أحمد، وأمل مربوطة في كرسي الأطفال ورا.
وصلنا المستشفى بعد منتصف الليل.
جريت في الطرقة.
أحمد كان ورايا.
الممرضة وقفتنا قدام العناية.
الزيارة دقيقة واحدة بس.
لبست الغطاء ودخلت.
وأول ما شوفتها...
وقفت.
ملك.
بنتي.
كانت نايمة وسط الأجهزة والأسلاك.
وشها شاحب.
وفيه ضمادة كبيرة على جانب رأسها.
قربت منها ببطء.
مسكت إيدها.
كانت دافية.
قلت
ملك؟
مفيش رد.
قربت أكتر.
أنا ماما يا حبيبتي.
صوتي اتكسر.
أنا هنا.
حركت صباعها.
تجمدت.
بصيت للممرضة.
هي سمعتني؟
الممرضة قالت
ممكن.
رجعت بصيت لملك.
أنا عمري ما رفضتك.
دموعي وقعت على إيدها.
والله العظيم يا بنتي ما حصل. أنا استنيتك كل يوم. كل يوم
تم نسخ الرابط