لقيت طفلة
بعد خمس سنين من اختفاء بنتي، فتحت باب البيت ولقيت طفلة رضيعة ملفوفة في جاكت الجينز القديم بتاعها.
افتكرت إن الورقة اللي في جيب الجاكت أخيرًا هتفسرلي كل حاجة.
لكن بدل ما تجاوب على أسئلتي...
دخلتني جوه الحياة اللي بنتي كانت عايشاها بعيد عني، وكشفتلي الحقيقة اللي أبوها دفنها عني طول السنين دي.
لثانية واحدة، افتكرت إني بحلم.
كانت الساعة لسه معدية السادسة الصبح بشوية.
كنت لابسة روب البيت، وشعري مرفوع نص رفعة بسرعة، وفنجان القهوة في إيدي وبدأ يبرد.
كنت فتحت الباب لأن جرس البيت رن مرة واحدة بس.
رنة سريعة وحادة...
بالظبط زي ما حد يرن الجرس وهو مش عايز يستنى لحد ما صاحب البيت يفتح ويشوفه.
فتحت الباب...
واتجمدت.
كان فيه طفلة رضيعة قدام بيتي.
مش عروسة لعبة.
ومش خيالي بيتهيألي حاجات.
طفلة حقيقية.
صغيرة جدًا، بشرتها موردة، وعينيها مفتوحة وبتبصلي.
لكن الحاجة اللي خلت ركبي تقريبًا ما تشيلنيش...
إن الطفلة كانت ملفوفة في جاكت جينز باهت.
أنا عرفت الجاكت فورًا.
مستحيل أنساه.
أنا اللي كنت اشتريته لبنتي ملك لما كان عندها 15 سنة.
فاكرة يومها لما اديتهولها، بصتلي وهي بتقلب عينيها وقالت
يا ماما، الحاجة ما تبقاش فينتج وهي لسه فيها ريحة برفان الشخص اللي كان لابسها قبلك!
حطيت فنجان القهوة على الأرض بسرعة لدرجة إن القهوة اتكبت على خشب الأرضية.
وقلت وأنا مش مصدقة
يا نهار أبيض...
الطفلة طلعت إيد صغيرة من تحت الجاكت.
نزلت على ركبي قدامها، ولمست خدها بطرف صباعين.
وبعدين حطيت إيدي على صدرها...
كنت محتاجة أحس إنه بيطلع وينزل.
إنها بتتنفس فعلًا.
وإن اللي قدامي حقيقي.
كانت دافية.
وهادية بشكل غريب.
همست
خلاص... خلاص يا حبيبتي. أنا معاكي.
مع إني في الحقيقة ماكنتش عارفة إذا كنت بكلم الطفلة...
ولا بحاول أهدي نفسي.
شلت السلة اللي كانت الطفلة جواها، ودخلت بيها البيت.
من خمس سنين، بنتي ملك اختفت وهي عندها 16 سنة.
في لحظة كانت موجودة قدامنا، بتخبط ضلف المطبخ بعصبية لأن أبوها حسام منعها تشوف ولد اسمه أحمد...
وبعدها...
اختفت.
اختفت بشكل كامل لدرجة إني كنت حاسة إن الدنيا نفسها فتحت بوقها وبلعتها.
الشرطة دورت عليها.
الجيران ساعدونا.
صورة بنتي اتحطت في واجهة السوبر ماركت.
وفي محطة البنزين.
وعلى لوحات الإعلانات بتاعة كل الكنائس والجمعيات والأماكن العامة تقريبًا في المنطقة.
كلنا دورنا.
استنينا.
سألنا.
لكن...
ولا حاجة رجعتلنا.
ولا خيط حقيقي.
ولا معلومة.
ولا إجابة واحدة تقول بنتي راحت فين.
في الأول حسام كان بيلومني بيني وبينه.
وبعد فترة، بقى بيتكلم كأنه محتاج الناس كلها تسمعه وهو بيحملني المسؤولية.
بعد اختفاء ملك بأسبوع، وقف قدامي وقال
كان المفروض تعرفي.
بصيتله وقلت
أعرف إيه يا حسام؟ أنا ماكنتش أعرف إنها هتمشي.
بصلي ببرود وقال
أيوه... إنتِ عمرك ما بتعرفي حاجة غير لما يبقى فات الأوان يا نهى.
وبعدها...
قال كلام أسوأ بكتير.
كلام اتكرر لحد ما، في وقت من الأوقات، بدأت أنا نفسي أصدقه.
بدأت أسأل نفسي
يمكن فعلًا كان المفروض آخد بالي؟
يمكن ملك كانت بتحاول تقوللي حاجة وأنا ما فهمتش؟
يمكن أنا قصرت؟
يمكن لو كنت ركزت أكتر، كانت بنتي لسه معايا؟
مع دخول السنة التالتة على اختفاء ملك...
حسام كان خلاص بدأ حياة تانية.
راح عاش مع واحدة اسمها سمر.
وسابني أنا في نفس البيت الهادي اللي كل ركن فيه بيفكرني ببنتي.
أوضة ملك فضلت مقفولة في آخر الطرقة.
ماكنتش بقدر أدخلها.
وفي نفس الوقت...
ماكنتش قادرة أغير فيها أي حاجة.
أنا وحسام فضلنا متجوزين رسميًا على الورق.
مش عشان كنت مستنياه يرجع.
ولا عشان كنت لسه متمسكة بيه.
أنا ببساطة ماكانش عندي طاقة أكمّل حاجة هو بدأ في تدميرها.
ودلوقتي...
بعد خمس سنين...
كان فيه طفلة رضيعة على ترابيزة مطبخي، ملفوفة في جاكت بنتي المختفية.
حطيت السلة على الترابيزة وأجبرت نفسي أتحرك وأفكر.
كان جنب الطفلة شنطة بيبي.
فتحتها.
لقيت حفاضات.
لبن أطفال.
طقمين هدوم للنوم.
ومناديل مبللة.
وقفت أبص للحاجات.
اللي جاب الطفلة هنا ما رماهاش قدام الباب وهرب بشكل عشوائي.
لأ.
الشخص ده كان مخطط لكل حاجة.
كان عارف إنه هيسيبها.
وكان مجهز احتياجاتها.
الطفلة فضلت باصة لي في صمت، بجدية غريبة كأنها قاضي صغير مستني مني أقول حاجة.
رجعت لمست الجاكت.
وبصيت للكُم الشمال.
قلبي اتقبض.
لسه مهري من نفس المكان.
ملك كان عندها عادة إنها تقضم طرف الكُم بأسنانها لما تتوتر.
دخلت إيدي في جيب الجاكت.
ولمست حاجة.
ورقة.
دقات قلبي بقت عالية جدًا في ودني لدرجة إني حسيت بدوخة.
طلعت الورقة.
فتحتها ببطء.
وفردتها بإيديا الاتنين.
وبدأت أقرأ
نهى،
أنا اسمي أحمد.
وعارف إن دي طريقة بشعة جدًا أعمل بيها حاجة زي دي، بس أنا فعلًا مش عارف أعمل إيه غير كده.
الطفلة دي اسمها أمل.
أمل بنت ملك.
وبنتي أنا كمان.
ملك كانت دايمًا بتقوللي إن لو حصل لها أي حاجة في يوم من الأيام، أمل لازم تبقى معاكي إنتِ.
هي احتفظت بالجاكت ده معاها طول السنين اللي فاتت.
وكانت بتقول إنه آخر حتة من بيتها عمرها ما قدرت تتخلى عنها.
أنا آسف.
في حاجات إنتِ ما تعرفيهاش.
حاجات حسام خبّاها عنك.
هرجع وأشرحلك كل حاجة.
أرجوكي خلي بالك من أمل.
أحمد.
إيديا بدأت تترعش.
بصيت للورقة.
وبعدين للطفلة.
وقلت بصوت مخنوق
لأ... يا ملك. لأ...
خمس سنين عدوا.
خمس سنين كنت بفقد فيهم بالتدريج أي أمل إن بنتي ممكن ترجعلي في يوم.
ودلوقتي...
أمل نفسها كانت قاعدة قدامي وبتبصلي.
قربت الورقة من شفايفي وضغطت عليها وأنا بعيط.
وبعدين أجبرت نفسي أتحرك.
اتصلت بعيادة أطفال، وقلتلهم إن فيه طفلة رضيعة اتسابت عندي وإن لازم أكشف عليها فورًا.
وبعدها...
مسكت التليفون واتصلت بحسام.
رد عليا بصوت متضايق
عايزة إيه تاني يا نهى؟
قلتله
تعالى هنا.
نهى، أنا عندي شغل. وعندي حياة.
بصيت ناحية أمل.
وقلت
وأنا عندي حفيدة ليك قاعدة على ترابيزة المطبخ.
سكت.
وبعدين قال
إيه؟!
قلت بحدة
تعالى حالًا يا حسام.
بعد حوالي عشرين دقيقة، حسام وصل.
سمر فضلت قاعدة مستنياه في العربية.
دخل حسام المطبخ وهو متضايق وبيشتكي.
لكن أول ما عينه وقعت على الجاكت...
لون وشه اختفى.
وقف مكانه.
وبص للجاكت كأنه شاف شبح.
وقال
جبتي ده منين؟
شلت أمل في حضني قبل ما أرد.
وقلت
ده نفس السؤال اللي أنا عايزة أسألهولك.
بص ناحية الورقة اللي في إيدي...
وبسرعة بعد عينيه عنها.
الحركة الصغيرة دي كانت كفاية.
بصيتله وقلت
إنت كنت عارف حاجات أكتر بكتير من اللي قلتها يا حسام.
رد بسرعة
بلاش تعملي كده.
أعمل إيه؟! إنت كنت عارف إن ملك عايشة؟ كنت عارف إنها سابت البيت عشان تعيش حياتها؟ كنت عارف إنها راحت تعيش مع الشخص اللي بتحبه؟
قال
نهى...
صرخت
كنت عارف يا حسام؟!
أمل اتحركت في حضني.
بدأت أهزها بهدوء على كتفي.
حسام رفع إيده وفرك فكه.
وبعدين قال
هي اتصلت بيا مرة.
فضلت باصة له.
ثواني...
مش قادرة حتى أستوعب معنى الجملة.
وبعدين قلت
هي عملت إيه؟!
ملامحه اتحولت للغضب.
وأنا كنت عارفة حسام كويس.
لما يتحاصر...
بيتعصب.
قال
بعد ما مشيت بكام شهر. اتصلت بيا وقالت إنها مع أحمد. وقالت إنها كويسة.
حسيت إن الأرض بتتحرك من تحتي.
قلت
وإنت سبتني خمس سنين فاكرة إنها ممكن تكون ماتت؟!
ماكنش بيرد.
صرخت
إنت بنفسك قلتلي أنعاها! قلتلي أبطل أستناها لأنها مش راجعة!
رد
هي اللي اختارت يا نهى. ماتعاقبينيش أنا على قرار هي خدته.
في اللحظة دي، أمل طلعت صوت بكاء خفيف.
والغريب إن بكاء الطفلة خلّى كل حاجة جوايا توجع أكتر.
بدأت أهزها تلقائيًا وأمرر إيدي على ضهرها بحركات دائرية.
وقلت لحسام
خمس سنين... خمس سنين وإنت بتقوللي إننا ماعندناش أي إجابة.
انفجر وقال
أنا قلتلها لو هترجع البيت، ترجع لوحدها!
بصيتله.
كمّل
كانت عندها 16 سنة، وكانت قربت تكمل 17. ماكنتش فاهمة هي بتعمل إيه. كانت عايزة ترمي مستقبلها كله عشان واحد ساب الجامعة ومالوش مستقبل!
كنتِ عايزاني أعمل إيه؟ أشجعها؟!
قلتله
لأ.
وسكت لحظة.
وبعدين كملت
إنت كنت تفضل تثبت إنك صح بدل ما بنتك ترجع بيتها... حتى لو تمن إنك تبقى صح هو إننا نخسر بنتنا.
في اللحظة دي ظهرت سمر