ولادى المجهولين

لمحة نيوز

سبتني
خرجت من حمام المطعم ورا ليلى وأنا حاسس إن رجلي مش شايلاني.
الخاتم لسه في جيبي.
الموبايل بيرن كل شوية.
مرة أمي.
مرة أبويا.
مرة سلمى.
الساعة قربت من سبعة، وبعد نص ساعة بس كان المفروض أكون واقف قدام أهلنا كلهم وأطلب إيدها.
لكن في اللحظة دي، الخطوبة كانت آخر حاجة في دماغي.
ليلى أخدت الولاد للترابيزة، نادت على ست كبيرة كانت قاعدة هناك وقالتلها
يا طنط أمينة، ممكن تخلي بالك منهم عشر دقايق؟
الست بصتلي.
وأول ما شافتني...
وشها اتغير.
فضلت باصة لي كأنها شافت شبح.
وده لوحده كان كفاية يخليني أتأكد إن اللي بيحصل مش صدفة.
ليلى أشارتلي ناحية ترابيزة فاضية في ركن بعيد.
قعدنا.
ثواني عدت محدش فينا اتكلم.
أنا كنت ببص للأربع ولاد من بعيد.
واحد بيضحك.
واحد بياكل.
واحد بيتخانق مع أخوه على كوباية العصير.
والرابع...
كان قاعد ساكت وباصصلي.
نفس النظرة اللي كنت بشوفها في صور طفولتي.
بصيت لليلى وقلت مباشرة
عندهم كام سنة؟
ردت
ست سنين.
قلبي وقع.
سألت
تاريخ ميلادهم؟
ليلى سكتت.
ليلى... تاريخ ميلادهم إمتى؟
قالت التاريخ.
حسبتها بسرعة في دماغي.
وبعدين رفعت عيني ليها.
يعني إنتِ كنتِ حامل لما اختفيتي؟
دموعها لمعت.
أيوه.
فضلت ساكت كام ثانية.
وبعدين سألت السؤال اللي كنت خايف من إجابته
ولادي؟
ليلى بصتلي مباشرة.
وقالت
ولادك يا مراد.
حسيت إن المطعم كله لف حواليا.
سندت ضهري على الكرسي.
أربع أطفال.
أربع ولاد.
وأنا أبوهم.
ست سنين من حياتهم راحت.
أول كلمة.
أول خطوة.
أول يوم حضانة.
أول يوم مدرسة.
أول عيد ميلاد.
كل ده حصل...
وأنا مكنتش موجود.
بصيت لها وأنا حاسس إن الغضب بيخنقني.
إزاي؟
ليلى مسحت دمعة بسرعة.
متبصليش كده.
أبصلك إزاي؟! إنتِ مخبية عني أربع ولاد ست سنين!
صوتي علي شوية.
هي وطت صوتها وقالت
وأنا كنت فاكرة إنك عارف ومش عايزهم.
اتجمدت.
إيه؟
فتحت شنطتها.
طلعت ظرف قديم.
محفوظ بعناية غريبة.
حطته قدامي.
افتحه.
فتحت الظرف.
لقيت جواب.
خطاب قصير مطبوع.
وفي آخره...
توقيعي.
قرأت أول سطر.
وبعدين التاني.
وشعرت إن معدتي اتقلبت.
الخطاب كان بيقول إن جوازنا كان غلطة، وإن علاقتنا انتهت، وإن لو فيه حمل فأنا مش مستعد أتحمل مسؤوليته، وإن المحامين هيتولوا باقي الإجراءات.
رفعت عيني لها.
أنا مكتبتش الكلام ده.
ليلى ابتسمت بمرارة.
عارفة دلوقتي.
والتوقيع ده مش توقيعي.
اكتشفت ده بعد سنين.
رجعت أبص للورقة.
وفجأة افتكرت حاجة.
من ست سنين...
أنا وليلى كنا اتجوزنا رسميًا في هدوء.
محدش كان يعرف غير اتنين من أصحابنا وخالتها أمينة.
كنا عارفين إن عيلتي هترفض.
ليلى كانت من عيلة بسيطة، وأنا كنت الابن الوحيد لعيلة شايفة إن الجواز تحالف اجتماعي قبل ما يكون اختيار شخصي.
قررنا نعلن جوازنا بعد ما أرجع من سفرية شغل قصيرة لأوروبا.
لكن وأنا مسافر...
ليلى اختفت.
رقمها اتغير.
شقتها اتقفلت.
والجواب الوحيد اللي وصلني كان منها.
أو ده اللي كنت فاكره.
جواب بتقول فيه
أنا ندمت على الجواز. متدورش عليا.
بصيت لها.
استني.
طلعت موبايلي.
دخلت على الملفات القديمة اللي كنت محتفظ بنسخ منها من سنين.
لقيت صورة الجواب.
وريتهولها.
أول ما قرأته...
إيديها بدأت تترعش.
أنا مكتبتش ده.
ساعتها الاتنين فهمنا في نفس اللحظة.
أنا وصلني جواب مزور منها.
وهي وصلها جواب مزور مني.
قلت
مين كان يعرف إننا متجوزين؟
قالت
إحنا... طنط أمينة... وصاحبك حسام.
سكتت لحظة.
وبعدين قالت
وفي شخص رابع.
مين؟
بصتلي.
أمك.
اتجمدت.
مستحيل.
قبل سفرك بيوم جتلي.
افتكرت ليلى اليوم كويس.
أمي دخلت شقتها لوحدها.
مزعقتش.
مهددتش.
بالعكس.
قعدت بمنتهى الهدوء وقالتلها
أنا عارفة إنكم اتجوزتوا.
ليلى وقتها خافت.
لكن أمي قالتلها إنها مستعدة تتقبل الأمر، بشرط نستنى لما أرجع من السفر ونتكلم كلنا.
بعدها بيومين...
وصل لليلى الخطاب.
وبعده محامي.
قال لها إن مراد مش عايز يشوفها تاني.
وفي نفس الأسبوع اكتشفت إنها حامل.
قالت ليلى
حاولت أكلمك.
وأنا حاولت أكلمك!
رقمك كان مقفول بالنسبة لي.
ورقمك كان بيديني غير متاح!
بصينا لبعض.
حد كان بيتحكم في كل حاجة.
قلت
ليه مسألتيش أهلي؟
ضحكت ضحكة مكسورة.
سألت.
قلبي بدأ يدق أسرع.
مين؟
أبوك.
سكت.
قالت
قابلته في مكتبه وأنا حامل في الشهر التاني.
وقالك إيه؟
ليلى مدت إيدها للشنطة تاني.
طلعت ورقة صغيرة مطوية.
إداني دي.
فتحتها.
كانت صورة تحويل بنكي قديم بمبلغ ضخم.
لكن التحويل مرفوض.
اسم المستفيد ليلى محمود عبدالسلام.
قلت
إيه ده؟
قالت
أبوك عرض عليا الفلوس دي عشان أمضي إقرار إني أتنازل عن أي حقوق تخصني أو تخص الأطفال.
بصيت لها مصدوم.
وإنتِ رفضتي؟
طبعًا.
سكتت.
ثم قالت
وقتها قاللي جملة عمري ما نسيتها.
قالك إيه؟
بصتلي ليلى وقالت
قاللي مراد هيعمل اللي العيلة عايزاه في الآخر... زي ما عمل طول عمره.
الكلمة ضربتني.
لأنها كانت حقيقية.
طول عمري كنت بعمل اللي العيلة عايزاه.
سألتها
طب ليه مختفيتيش بس؟ ليه مرفعتش قضية؟ ليه موصلتيليش بأي طريقة؟
قالت
عملت.
ومدت إيدها ناحية طنط أمينة.
الست قامت وجت عندنا.
وفي إيدها ملف.
حطته قدامي.
ليلى قالت
رفعت قضية إثبات نسب بعد الولادة.
فتحت الملف.
كانت فيه أوراق رسمية.
طلبات.
إخطارات.
خطابات.
لكن القضية اتقفلت بعد شهور لأسباب إجرائية.
وأنا...
لم يصلني أي شيء.
قلبت الورق بسرعة.
لحد ما وصلت لورقة معينة.
عنوان الاستلام.
كان عنوان بيت العيلة.
والشخص اللي ماضي باستلام الإخطار...
مدير مكتب أبويا.
هنا موبايلي رن.
أمي.
بصيت للشاشة.
ليلى قالت
رد.
فتحت المكالمة.
صوت أمي كان متوتر
مراد إنت فين؟ سلمى وأهلها وصلوا! إحنا مستنيينك من بدري.
بصيت للأولاد.
قلت
حصل ظرف.
ظرف إيه أهم من خطوبتك؟
سكت لحظة.
وبعدين قلت
قابلت ليلى.
الصمت اللي حصل على الناحية التانية كان كفاية.
أمي متنطقتش.
ولا سألت
ليلى مين؟
ولا قالت
إزاي؟
قالت كلمة واحدة
فين؟
جسمي كله برد.
قلت
ليه بتسألي؟
صوتها اتغير.
مراد... متتحركش من مكانك لحد ما أكلم أبوك.
قفلت.
بصيت لليلى.
وقلت
هي عارفة.
وقفت.
طلعت علبة الخاتم من جيبي.
بصيت لها ثواني.
وبعدين فتحت موبايلي واتصلت بسلمى.
ردت بسرعة
مراد؟ الناس كلها مستنياك.
قلت
سلمى... أنا آسف.
سكتت.
فيه حاجة حصلت النهارده خلتني أعرف إن دخولي الجوازة دي ظلم ليكي قبل ما يكون ظلم ليا.
مراد إنت بتقول إيه؟
أنا مش هاجي أطلب إيدك.
صوتها اتهز.
ليه؟
بصيت للأربع ولاد.
وقلت
لأني اكتشفت إن عندي عيلة... وأنا مكنتش أعرف إنها موجودة.
قفلت المكالمة.
وفي نفس اللحظة تقريبًا...
باب المطعم اتفتح.
دخل راجل لابس بدلة رمادي ومعاه اتنين.
عرفته فورًا.
حسام.
صاحبي القديم.
الشخص الوحيد غير عيلتي اللي كان يعرف إني اتجوزت ليلى.
أول ما شافنا قاعدين سوا...
وقف مكانه.
وبص للأولاد.
وبعدين بصلي.
قلت
غريبة إنك وصلت بسرعة.
حسام حاول يتكلم.
مراد أنا...
قاطعته
أمي لسه مكلماني من أقل من خمس دقايق.
وقفت قدامه.
إنت عرفت مكاني منين؟
حسام سكت.
ولأول مرة في حياتي...
شفت الخوف في عينه.
قال
مراد... فيه حاجات إنت متعرفهاش.
قربت منه.
يبقى عندك فرصة تقولها دلوقتي.
بص ناحية ليلى.
وبعدين قال
مش هنا.
ضحكت بمرارة.
الغريب إن كل الناس النهارده عندها أسرار مينفعش تتقال هنا.
مسكته من دراعه قبل ما يمشي.
سؤال واحد يا حسام.
بصلي.
قلت
مين اللي زور الخطابين؟
وشه اتغير.
وفي اللحظة دي...
عرفت الإجابة قبل ما ينطق.
لكن اللي قاله كان أسوأ بكتير.
همس
أبوك مكانش بيحاول يفرق بينكم يا مراد... أبوك كان بيحاول يخبي إن الأطفال دول لو ظهروا، هياخدوا منك حاجة أكبر بكتير من اسم العيلة.
وساعتها...
لأول مرة فهمت إن الموضوع مكنش مجرد جوازة رفضها أهلي.
كان فيه سبب تاني.
سبب مرتبط بولادي الأربعة.
وسبب خلّى عيلتي مستعدة تمحي ست سنين كاملة من حياتي عشان يفضل مدفون.
الجزء الثالث والأخير الأطفال دول مش المشكلة يا مراد... وجودهم هو اللي كشف الكذبة
قلت لحسام
يعني إيه هياخدوا مني حاجة؟
حسام بص حواليه.
لازم نروح مكان آمن.
قلت
مفيش مكان آمن. هتتكلم هنا.
ليلى قربت من الأولاد.
وأنا وقفت قدام حسام.
قال
جدك كتب وصية قبل ما يموت.
عارف.
لأ... إنت تعرف النسخة اللي عيلتك وريتهالك.
سكت.
حسام كمل
النسخة الأصلية فيها شرط.
شرط إيه؟
ملكية المجموعة الأساسية من شركات العيلة تنتقل لأول حفيد من نسل ابنك بعد ما يتم سن السادسة.
افتكرت التاريخ.
الولاد كملوا ست سنين
تم نسخ الرابط