ولادى المجهولين
قبل ما أطلب إيد واحدة تانية بساعات... دخلت حمام مطعم ولقيت 4 أطفال عندهم 6 سنين شبهّي لدرجة إني اتجمدت مكاني! وبعدها ظهرت أمهم... الست اللي كنت بحبها من 6 سنين، والكلام اللي قالتهولي خلاني ألغي خطوبتي وأشك في كل حاجة أهلي قالوهالي طول السنين اللي فاتت!
الساعة كانت ستة مساءً...
وفي الوقت ده، كل تفصيلة تقريبًا في مستقبلي كانت مترتبة ومتخططلها.
البدلة الكحلي اللي كنت لابسها كانت متفصلة مخصوص عند واحد من أشهر الترزية.
وفي إيدي كنت لابس زراير الأكمام الأنتيك اللي ورثتها عن جدي.
أما في الجيب الداخلي للجاكيت...
فكان فيه خاتم ألماس.
الخاتم اللي المفروض بعد ساعة ونص بالظبط أطلعه من جيبي، وأنزل على ركبة واحدة، وأطلب إيد سلمى البرعي للجواز.
الساعة سبعة ونص، كان المفروض أكون واقف قدام سلمى تحت السقف الزجاجي للحديقة الشتوية الخاصة بعيلتنا، واللي بتطل على النيل.
أهلي وأهلها كانوا مجهزين العشا.
المصور كان مستنينا.
زجاجات الشمبانيا كانت وصلت.
حتى الورد...
كان متختار حسب ذوق والدة سلمى شخصيًا.
كل حاجة كانت محسوبة.
كل تفصيلة مترتبة.
وكل الناس تقريبًا كانوا عارفين إيه اللي هيحصل الليلة دي.
كان فيه مشكلة واحدة بس...
أنا مكنتش بحب سلمى.
سلمى كانت بنت كويسة.
ذكية.
محترمة.
ومن وجهة نظر أهلي، كانت مناسبة جدًا للعالم اللي أنا اتولدت واتربيت فيه.
عيلتنا وعيلتها بينهم شغل ومصالح من عشرات السنين، والكل كان مقتنع إن جوازنا هيبقى آخر قطعة ناقصة في صورة مثالية جدًا.
تحالف بين عيلتين.
شغل مشترك.
اسمين كبار يبقوا اسم واحد.
وكل حاجة تكمل زي ما الكبار خططوا.
وأنا...
طول ال سنة اللي عشتهم، تقريبًا كنت بسيب الناس التانية ترتبلي حياتي.
أهلي اختاروا مدارسي.
جامعتي.
شغلي.
الناس اللي أصاحبهم.
والدوائر اللي أتحرك فيها.
ومع الوقت، بقيت بتعامل مع ده كأنه شيء طبيعي.
والليلة دي...
كان المفروض متكونش مختلفة.
كنت هروح.
أطلب إيد سلمى.
هي توافق.
الصور تتاخد.
أهلنا يفرحوا.
وبعد كام شهر نتجوز.
حياة كاملة كانت مترتبة قدامي بالفعل.
لكن كل حاجة اتغيرت...
لما دخلت حمام مطعم وشفت قدامي أربع ولاد صغيرين شكلهم كأنهم طالعين من صور طفولتي.
قبل معاد طلب الجواز بحوالي ساعة، كنت وقفت في مطعم صغير وراقي.
السواق بتاعي كان اتأخر، وكان لسه قدامي وقت قبل ما أروح لعيلتي، فقلت أدخل أشرب حاجة وأظبط نفسي قبل الليلة الكبيرة.
دخلت حمام الرجالة وأنا متوقع إن أكتر حاجة ممكن تحصل هي إني أغسل إيدي وأبص في المراية أتأكد إن الكرافتة مظبوطة.
لكن أول ما فتحت الباب...
وقفت.
كان فيه أربع ولاد واقفين جنب بعض قدام الأحواض.
كلهم لابسين بلوفرات مدرسة كحلي شبه بعض، وبناطيل بيج.
بصيت لهم للحظة...
وبعدين واحد منهم، وكان أطولهم شوية، رفع إيده وزق شعره الغامق لورا.
مال راسه ناحية واحدة...
وبعدين مد إيده الشمال وحطها ورا رقبته.
بعدها بثواني...
التلاتة التانيين عملوا نفس الحركة تقريبًا.
أنا بطلت أتحرك.
فضلت واقف عند الباب.
إيدي لسه ماسكة المقبض النحاسي البارد.
وعيني متعلقة بالولد.
لأن الحركة دي...
أنا بعملها طول عمري.
أمي كانت دايمًا تتريق عليا بسببها.
كانت بتسميها
وقفة التفكير بتاعة مراد.
وكانت بتحكيلي إني بعمل الحركة دي من قبل حتى ما أتعلم الكلام.
كل ما أتوتر...
أفكر...
أحتار...
أو أحاول أفهم حاجة...
إيدي الشمال بتروح تلقائي ورا رقبتي، وراسي تميل بنفس الطريقة.
والنهارده...
قدامي...
أربع أطفال صغيرين بيعملوا نفس الحركة.
في نفس اللحظة تقريبًا.
حسيت إن نفسي اتقطع.
فضلت أبص لهم من غير ما أتكلم.
لحد ما أطول ولد فيهم لاحظني.
بصلي.
وبعدين خبط الولد اللي واقف جنبه بكوعه.
واحد ورا التاني...
الأربعة لفوا ناحيتي.
وساعتها حسيت إن الدم اتسحب من جسمي.
أربع وشوش شبه بعض.
وأربع وشوش...
شبهّي أنا.
مش مجرد شبه عادي يخليك تقول يمكن صدفة.
لأ.
ملامحهم خلتني أفتكر الصور القديمة اللي أمي محتفظة بيها ليا وأنا طفل.
نفس شكل العينين تقريبًا.
نفس الشعر الغامق.
نفس طريقة الوقفة.
وخصوصًا عينيهم...
أربع أزواج من العيون لونهم رمادي مائل للأزرق.
نفس لون عيني بالظبط.
اللون اللي أمي طول عمرها بتقول إنه موجود عندي من يوم ما اتولدت.
الولد الأطول بصلي باستغراب.
وبعدين مال راسه بنفس طريقتي وقال
حضرتك تايه يا عمو؟
فتحت بقي عشان أرد.
لكن مفيش صوت خرج.
حلقي كان ناشف تمامًا.
بصيت للأول.
وبعدين للتاني.
وبعدين للتالت.
والرابع.
كنت بحاول أقنع نفسي إن عقلي بيبالغ.
إن الشبه مجرد صدفة.
إن أكيد فيه تفسير منطقي.
لكن كل ما كنت أبص أكتر...
الإحساس اللي جوايا كان بيكبر.
إحساس مرعب.
إحساس بيقولي إن الأطفال دول مش مجرد أربع ولاد قابلتهم بالصدفة في حمام مطعم.
وفي اللحظة دي...
باب الحمام اتفتح ورايا.
سمعت خطوات ست داخلة بسرعة، وواضح من صوتها إنها كانت بتدور على الولاد.
وقالت
يا ولاد، يلا بقى، الترابيزة بتاعتنا...
وسكتت.
الكلمة ماتت في نص بوقها.
أنا مكنتش محتاج ألف أصلًا.
بطريقة غريبة...
كنت عارف.
قبل حتى ما أشوف وشها.
لفيت ببطء.
وفي ثانية واحدة...
ست سنين كاملين اختفوا.
بصيت في وشها.
وقلت بصوت بالعافية طلع مني
ليلى؟
وشها شحب.
اللون اختفى منه فجأة.
وشفت نفس النظرة اللي كنت فاكر إني نسيتها.
نفس النظرة اللي كانت على وشها في أسوأ ليلة عدت علينا وإحنا مع بعض.
الليلة اللي بعدها اختفت من حياتي تمامًا...
من غير تفسير.
من غير وداع.
من غير حتى ما تديني فرصة أفهم أنا عملت إيه.
بصتلي ليلى...
وهمست
مراد؟
ولا أنا اتحركت.
ولا هي اتحركت.
فضلنا واقفين قصاد بعض.
وبيننا أربع أطفال عندهم ست سنين.
الحنفية كانت لسه مفتوحة ووراهم صوت الميه مستمر...
لكن بالنسبة لي، كل الأصوات التانية اختفت.
كنت شايف ليلى بس.
وبعدين أبص للأولاد.
وبعدين أرجع أبصلها.
عقلي كان بيحسب التواريخ لوحده.
ست سنين.
ليلى اختفت من حياتي من ست سنين.
والولاد دول...
عندهم تقريبًا ست سنين.
حسيت بقلبي بيخبط بعنف.
الأطفال نفسهم بدأوا يحسوا إن فيه حاجة غلط.
أطول واحد فيهم بص لأمه باستغراب وقال
ماما... إنتِ وشك اتغير ليه؟
ليلى مرفعتش عينها من عليا.
فضلت باصة لي.
وفي نظرتها كان فيه شيء ضخم مستخبي.
سر.
خوف.
ووجع قديم.
وحاجة أنا لسه مش قادر أفهمها.
بعد لحظات من الصمت، قالت بصوت مهزوز
يا ولاد... ده... ده شخص كنت أعرفه زمان.
بصيت لها.
شخص كنت أعرفه؟
ده كل اللي قدرت تقوله؟
بعد ست سنين؟
بعد ما اختفت فجأة؟
وبعد ما لقيتها واقفة قدامي ومعاها أربع أطفال شكلهم كأن حد أخد صورتي وأنا عندي ست سنين وعمل منها أربع نسخ؟
بصيت للولاد مرة تانية.
واحد فيهم كان بيعض شفته وهو متوتر.
كنت بعمل الحركة دي وأنا صغير.
واحد تاني حط إيده في جيبه وبدأ يهز رجله.
نفس عادتي.
أما الولد الأطول...
فرفع إيده الشمال تاني وحطها ورا رقبته.
حسيت إن صدري اتقفل.
رفعت عيني ناحية ليلى.
وقلت
ليلى...
صوتي المرة دي كان أوطى.
أهدى.
لكن السؤال اللي جوايا كان مرعب لدرجة إني كنت خايف أنطقه.
بصيت للأربعة.
وبعدين بصيت لها.
وقلت
الولاد دول...
وسكت لحظة.
هما...
لكن ليلى قاطعتني بسرعة قبل ما أكمل السؤال.
ملامحها اتغيرت.
وبصت ناحية باب الحمام، وبعدين رجعت بصتلي.
وقالت
لازم نتكلم.
بصيت لها من غير ما أرد.
فقالت
بس مش هنا.
في اللحظة دي، إيدي اتحركت تلقائي ناحية جيب الجاكيت الداخلي.
حسيت بعلبة خاتم الخطوبة تحت صوابعي.
الخاتم اللي بعد أقل من ساعة المفروض أقدمه لست تانية.
وفي الناحية التانية...
كان واقف قدامي أربع أطفال عندهم ست سنين، كل واحد فيهم شايل جزء من وشي.
وأمهم...
هي الست الوحيدة اللي كنت حبيتها فعلًا في حياتي.
الست اللي اختفت من ست سنين من غير ما أعرف السبب.
وساعتها، لأول مرة، جه في دماغي سؤال أخطر بكتير من
هل الأطفال دول ولادي؟
السؤال الحقيقي كان
لو كانوا ولادي فعلًا... مين اللي خلاني أعيش ست سنين كاملة وأنا معرفش إنهم موجودين؟
لأن النظرة اللي كانت في عين ليلى وهي بتبصلي...
مكنتش نظرة ست هربت مني.
كانت نظرة ست...
مقتنعة إني أنا اللي سبتها.
الجزء الثاني إنت عمرك ما سبتني يا مراد... هما اللي خلّوني أصدق إنك