يوم رجوعى من السفر
علينا.
وأنا واقف جنب مريم، افتكرت اليوم اللي شفتها فيه في المطار لأول مرة بعد خمس سنين.
كنت وقتها شايف يونيفورم عاملة نظافة.
كنت شايف حياة أقل من الحياة اللي كنت فاكر إنها عايشاها.
لكن بعد كل اللي عرفته...
فهمت إن مريم كانت أقوى شخص في القصة كلها.
اشتغلت في المطار لأنها كانت محتاجة شغل ثابت يناسب مواعيد يوسف.
ما استنتش حد يصرف عليها.
ما خدتش الفلوس اللي اتعرضت عليها علشان تختفي.
وما استخدمتش ابني علشان تنتقم مني.
حتى لما رجعت...
ما قالتش له
ده أبوك اللي سابك.
قالت له الحقيقة بالتدريج.
من غير ما تحط كراهية في قلب طفل.
بصيت لها يومها وقلت
على فكرة...
إيه؟
أول مرة شوفتك في المطار، حسيت بالشفقة عليكي.
رفعت حاجبها.
بجد؟
للأسف.
ضحكت.
والنهاردة؟
بصيت ناحية باب المدرسة اللي يوسف دخل منه.
ثم قلت
النهاردة أنا اللي شايف إني كنت محتاج حد يشفق عليا.
ضحكت أكتر.
ومشينا.
بعد فترة، مريم سابت شغل المطار.
مش لأني طلبت منها.
لكن لأنها قدمت على وظيفة محاسبة في شركة جديدة واتقبلت.
كانت مترددة ترجع للمجال بعد خمس سنين.
وفي أول يوم ليها، يوسف وأنا وصلناها.
قبل ما تنزل من العربية، بصتلي وقالت
غريبة.
إيه؟
آخر مرة كنت راجعة من شغل محاسبة، كنت فاكرة إن حياتي بتنهار.
والنهاردة؟
بصت ليوسف في الكرسي الخلفي.
النهاردة حاسة إنها بتبدأ.
مرّت سنتين من يوم رجوعي مصر.
وفي عيد ميلاد يوسف السابع، كان البيت مليان ناس.
أمي موجودة، لكن للمرة الأولى ما كانتش هي اللي بتدير كل حاجة.
سألت مريم قبل ما تجيب هدية كبيرة.
وسألتنا قبل ما تعزم قرايب.
كانت بتحاول.
مش دايمًا بتنجح.
لكن بتحاول.
بعد ما الناس مشيت، فضلنا أنا ومريم ويوسف قاعدين في الصالة وسط البلالين وورق الهدايا.
يوسف نام على الكنبة.
مريم غطته.
وبعدين قعدت جنبي.
قالت
عندي سؤال.
قولي.
لسه شايف إن حياتك اتدمرت لما عرفت إن عندك ابن؟
بصيت لها باستغراب.
افتكرت الجملة اللي قلتها لأمي من سنين
لو عندي ابن عاش من غيري، يبقى حياتي اتدمرت.
ابتسمت.
لأ.
أمال؟
بصيت ليوسف.
قلت
اكتشفت إن اللي اتدمر كان النسخة القديمة مني.
سكتت.
ويمكن كان لازم تتدمر.
مريم ابتسمت.
وبعد لحظة قالت
اتغيرت يا أحمد.
متأكدة؟
شوية.
ضحكت.
شوية بس؟
ما نستعجلش.
مديت إيدي.
ما مسكتش إيدها فورًا.
لكن بعد ثواني...
حطت إيدها في إيدي.
ما كانش في موسيقى.
ولا اعتراف كبير.
ولا نهاية خيالية رجعنا فيها فجأة كأن الخمس سنين ما حصلوش.
كان في اتنين اتوجعوا.
واحد منهم اتعلم متأخر.
والتانية قررت ما تفتحش الباب كامل...
لكن ما قفلتوش.
وبعد شهور، بدأنا نحاول من جديد.
ببطء.
من غير وعود ضخمة.
ومن غير ما نخبي حاجة عن بعض.
ولما قررنا أخيرًا نرجع رسميًا، ما عملناش فرح كبير.
عملنا عزومة صغيرة.
يوسف كان واقف بينا.
وأمي كانت قاعدة بعيد، بتبكي في هدوء.
مش لأنها خسرت السيطرة.
لكن لأنها فهمت أخيرًا إن الحب مش سيطرة.
وفرح ما كانتش موجودة.
ولا كان لازم تكون موجودة.
القصة ما كانش فيها خيانة زوجية.
ولا علاقة سرية.
ولا طفل من راجل تاني.
يوسف كان ابني من أول يوم.
والمشكلة ما كانتش إن حد خان حد.
المشكلة كانت إن ناس كتير افتكروا إنهم يقدروا يقرروا مصير غيرهم باسم الحب والخوف والمصلحة.
وفي النهاية...
أكبر درس اتعلمته ما كانش عن الزواج.
ولا عن الطلاق.
ولا حتى عن الأبوة.
كان عن حاجة أبسط.
لما الشخص اللي بتحبه يقول إنه موجوع...
صدقه.
لما حاجة تخص حياتك...
اتأكد بنفسك.
ولما حد يحاول ياخد قرار مكانك بحجة إنه عارف مصلحتك...
افتكر إن أكتر القرارات اللي غيرت حياتي...
بدأت بالجملة دي بالذات.
أما الورقة اللي كان عليها اسم يوسف وهو عنده أربع سنين...
فالورقة دي هي اللي فتحت كل الأبواب المقفولة.
لكن الطفل نفسه...
هو اللي علمني أقفلها صح.
وأفتح حياة جديدة من غير أسرار.