الغجرية والسر

لمحة نيوز

الغجرية وقفتني في الشارع وقالتلي بكرة جوزك هيسافر ولما يخرج، رتّبي البيت كويس، بس دوري تحت الحاجة اللي محدش بيدور تحتها. ضحكت واعتبرتها واحدة بتستغل الناس لحد ما لقيت ظرف تقيل مستخبي في درج جوزي عمره ما كان بيسمحلي أفتحه. ولما قريت أول سطر فيه، حسيت إن الأرض اتسحبت من تحت رجلي لأن الورقة كانت بتاريخ اليوم اللي ولدت فيه بنتي اللي قالولي إنها ماتت!
كانت حماتي، سهير، قاعدة قدامي وبتتكلم بمنتهى البرود، كأنها بتتكلم عن تغيير فرح أو إلغاء سفر، مش عن حياة حفيدتها.
لو البنت دي اتولدت بالحالة دي، هتبقى فضيحة على العيلة كلها. ولسه قدامنا فرصة ننهي الموضوع.
بصيت لجوزي، كريم، مستنية منه يقول لها تسكت.
لكنه فضل ساكت.
كنت في آخر الشهر التامن من الحمل، وقبلها بحوالي تلات أسابيع كنا عملنا فحوصات وتحاليل، والدكاترة قالوا إن فيه احتمال كبير إن بنتنا تتولد بمتلازمة داون.
قعدت وقتها بالليل أعيط.
مش عشان كنت رافضاها.
كنت خايفة.
خايفة من المجهول، من المسؤولية، من نظرة الناس، ومن إني أكون مش قد اللي بنتي محتاجاه.
لكن تاني يوم الصبح، مسكت إيد كريم وقلت له
دي بنتنا يا كريم. لو محتاجة حب عشر مرات، هنديها حب عشرين مرة.
هز راسه وقال
طبعًا يا حبيبتي. دي بنتنا مهما حصل.
كنت مصدقاه.
لحد ما حكَى لأمه.
سهير كانت ست قوية وبتحب تتحكم في كل حاجة. اشتغلت سنين في جهة حكومية في القاهرة، وعندها علاقات كتير، وكانت شايفة إن اسم العيلة وسمعتها أهم من أي حاجة.
قالت لكريم
إنت فاكر إن الموضوع مجرد طفل؟ فكر في اللي جاي. دكاترة، جلسات، مصاريف، متابعة طول العمر.
رد عليها
وإحنا مستعدين.
ضحكت بسخرية.
مستعدين؟ إنت بتقول كده دلوقتي عشان لسه مش شايف اللي مستنيكم.
ماما، إحنا قررنا.
إنتوا قررتوا بعاطفتكم. وأنا بفكر بعقلي.
بعدها بكام يوم، أخدت كريم لمركز متخصص، وخلته يشوف حالات صعبة جدًا.
رجع البيت متوتر ووشه متغير.
وأمه استغلت خوفه.
قالت له
محدش بيقولك اقتلها. فيه مؤسسات متخصصة، ناس ترعاها، دكاترة يهتموا بيها. وإنت تقدر تكمل حياتك عادي.
كريم بص لها مصدوم.
يعني أسيب بنتي؟
ومين قالك إنها بنتك لازم تعيش معاك؟ ممكن تقول لمريم إن البنت ماتت وقت الولادة.
سكت كريم.
ومن اللحظة دي بدأ الكابوس.
سهير استخدمت معارفها عشان ترتب كل حاجة مع دكتورة اسمها داليا، كانت مسؤولة في مستشفى خاص.
الخطة كانت بسيطة ومرعبة في نفس الوقت.
يدخلوني المستشفى قبل معاد الولادة.
يقولوا لي إن الولادة لازم تحصل بسرعة.
بعد الولادة، يدوني مهدئ.
وبعدين يقولوا لي إن بنتي حصلت لها مضاعفات وماتت.
وفي الحقيقة؟
البنت هتتسلم لمؤسسة رعاية، بأوراق متلاعب فيها.
كريم عاش أيام كاملة مش عارف ينام.
كل ما يشوفني وأنا بجهز هدوم بنتنا، أو أطوي البطانية الصغيرة، أو أحط إيدي على بطني وأكلمها، كان بيحس بالذنب.
كنت دايمًا أقوله
أول ما تولد، نفسي أشوف عينيها الأول. وبعدها نختار اسمها.
ماكنتش أعرف إن جوزي كان بالفعل بيخطط للحظة اللي هيقولي فيها إنها ماتت.
بعد أسبوع دخلت المستشفى.
قالولي إن العملية لازم تتعمل.
وقبل العملية ادوني دوا قالوا إنه مهدئ للتحضير.
آخر حاجة فاكرها إني سمعت صوت طفلة بتعيط.
وبعدها الدنيا اسودت.
لما فتحت عيني، لقيت كريم قاعد جنبي.
وشه كان أحمر وعينه مليانة دموع.
قال بصوت مكسور
مريم بنتنا ماتت.
بصيت له ومخي رفض يستوعب.
لأ.
مريم
لأ! أنا سمعتها بتعيط.
دخلت الدكتورة بسرعة.
ده ممكن يكون تأثير التخدير يا مدام مريم.
طلبت أشوف بنتي.
رفضوا.
قلت عايزة أشوف جثتها.
رفضوا.
سألت هتتدفن فين.
حماتي قالت
المستشفى هتخلص كل حاجة.
ماعرفتش إن بنتي في نفس اللحظة كانت عايشة.
بتتنفس.
وفي حضانة على بُعد أمتار مني.
وقبل ما أخرج من المستشفى، بصت سهير لكريم وقالت
من النهارده، البنت دي بالنسبالها ماجتش الدنيا أصلًا.
مرت شهور.
حوالي سبع شهور كاملة.
تعلمت أعيش مع وجع ساكت.
الأوضة اللي كنت مجهزاها لبنتي اتقفلت.
السرير الصغير اتحط في المخزن.
الهدوم اتحطت في كراتين.
وكريم كان كل ما أجيب سيرة بنتنا يغير الموضوع.
الغريب إن حماتي بعد موت بنتي بقت حنينة معايا بشكل مبالغ فيه.
كنت فاكرة إنها بتحاول تعوضني.
ماكنتش أعرف إنها بتحاول تخليني أنسى.
رجعت شغلي.
وبقيت كل يوم أعدي من ميدان صغير وأنا راجعة البيت.
وفي يوم، وأنا ماشية، شفت ست حوالي التلاتين سنة قاعدة بتبيع أساور وشموع وحاجات بسيطة.
وأنا بعدي من قدامها، مسكت إيدي.
قالت
إنتِ عايشة جوا كذبة.
سحبت إيدي منها.
لو سمحتي، أنا مش عايزة حد يقرأ لي كوتشينة ولا أي حاجة.
ابتسمت.
أنا مش ببيعلك حاجة.
وسابتني ومشيت.
نسيت الموضوع.
لحد ما شوفتها تاني بعد كام أسبوع.
المرة دي بصتلي وقالت
فيه حاجة اتاخدت منك ولسه قريبة منك.
قلبي دق بسرعة.
إنتِ مين؟
قالت
اسمي سلمى.
وبصوت واطي قالت
بكرة جوزك هيسافر. لما يخرج، رتبي البيت. بس مش ترتيب عادي. دوري تحت الحاجة اللي محدش بيدور تحتها.
بصيت لها بخوف.
قبل ما تمشي، قالت
ولو قدرتي سمي البنت سلمى.
اتجمدت مكاني.
بنت إيه؟
لكنها كانت مشت.
رجعت البيت وأنا بفكر في كلامها.
والأغرب إن كريم فعلًا كان مسافر تاني يوم للإسكندرية في شغل.
طول الليل افتكرت حاجات كنت بدفنها جوا دماغي.
صوت العياط.
إنهم رفضوا يوروني بنتي.
السرعة الغريبة في إجراءات الدفن.
إصرار حماتي إني مااتكلمش عن الموضوع.
ولأول مرة، سؤال مرعب جه في دماغي
هو أنا متأكدة أصلًا إن بنتي ماتت؟
الصبح، استنيت كريم لما خرج.
وبدأت أفتش البيت.
دولاب.
أدراج.
شنط.
ملفات.
جيوب.
مفيش حاجة.
لحد المغرب كنت خلاص فقدت الأمل.
وأنا بنقل كتاب من فوق ترابيزة في الصالة، وقع الكتاب على الأرض.
سمعت صوت غريب.
بصيت ناحية الترابيزة.
لقيت درج صغير

تم نسخ الرابط