يوم خروجى على المعاش
تعرفي التفاصيل من الفرع.
سألته عن تاريخ العملية.
كان قبل يومين.
يعني...
حد حاول يسحب فلوس من حسابي من غير ما أعرف.
وقتها افتكرت الموبايل القديم اللي سيبته في البيت.
وفتحت شنطتي.
لقيت إن إشعارات البنك كانت مش شغالة على موبايلي الأساسي.
حد كان بيحاول يدخل على حسابي.
لكن مين؟
رجعت البيت في هدوء.
ولما دخلت، لقيت أحمد ومي قاعدين في الصالة.
أحمد أول ما شافني، اتوتر.
مي قالت
إنتِ كنتِ فين؟
رديت
البنك.
وش أحمد اتغير.
قلت
كنت براجع حساباتي.
مي بصت لأحمد بسرعة.
وبعدين قالت
ليه؟
ابتسمت.
عشان أتأكد إن كل حاجة تمام.
دخلت أوضتي.
قفلت الباب.
وقعدت على السرير.
وأول مرة...
بدأت أشك إنهم مش بس عايزين يعرفوا معايا كام.
ممكن يكونوا عايزين يوصلوا للفلوس فعلًا.
بعد يومين، جالي اتصال من رقم غريب.
رديت.
صوت رجل قال
مساء الخير يا مدام سعاد. أنا من البنك. في تحديث على بيانات حساب حضرتك، ومحتاجين نتأكد من بعض المعلومات.
سألته
اسم حضرتك إيه؟
سكت ثانية.
وبعدين قال اسمًا غير واضح.
قفلت المكالمة فورًا.
بعدها بدقائق، موبايل أحمد رن.
دخل أوضته وقفل الباب.
لكن هذه المرة أنا ما كنتش هتجاهل.
قربت من الباب.
وسمعت مي بتقول
عملت إيه؟
أحمد رد
ما عرفتش.
يعني إيه ما عرفتش؟
البنك رفض العملية.
سكتت مي.
وبعدين قالت بصوت مخنوق
إنت حاولت تعمل تحويل من حسابها؟!
أحمد قال
أنا كنت فاكر إنها مش هتحس!
وقتها حسيت إن الأرض بتتحرك من تحتي.
ابني...
ابني نفسه حاول يسحب فلوسي.
رجعت لأوضتي.
قفلت الباب.
وقعدت على السرير.
ما عيطتش.
ما صرختش.
بس طلعت صورة حسن من درج الكومودينو.
بصيت في عينيه وقلت
أنت كنت عارف.
وبعدين مسكت الصورة وابتسمت لأول مرة من أيام.
كنت عارف إن الفلوس هتكشفهم.
في اللحظة دي، اتخذت قراري.
أنا مش هواجههم.
مش دلوقتي.
لأني عرفت حاجة أهم
هما فاكرين إن معايا 200 ألف بس.
لكن الحقيقة إن معايا أكتر من 3 مليون.
والبيت القديم باسمي.
والبيت الجديد فيه جزء كبير من فلوسي.
والأهم...
أنا دلوقتي عرفت حقيقتهم.
واللي جاي مش هيكون خناقة عائلية.
هيكون حساب.
لكن قبل ما أبدأ الحساب...
كان لازم أخليهم يكشفوا نفسهم بنفسهم.
وأنا كنت مستعدة أديهم الفرصة.
الجزء الأخير
بعد اللي سمعته من أحمد ومي، قررت إني ما أواجههمش.
بالعكس...
قررت أسيبهم يفتكروا إنهم كسبوا.
لأن أسوأ حاجة ممكن تعملها مع شخص بيخطط ضدك، إنك تخليه يعرف إنك اكتشفت خطته.
أنا كنت عايزة أشوف هما مستعدين يوصلوا لفين.
وتاني يوم الصبح، دخلت المطبخ كأني ما حصلش أي حاجة.
مي كانت واقفة بتحضر الفطار.
بصت لي باستغراب وقالت
ماما، إنتِ مش هتروحي البنك النهارده؟
ابتسمت.
لا، مش النهارده.
وبعدين أضفت
على فكرة، أنا فكرت في موضوع ال ألف.
لفت ناحيتي بسرعة.
وفكرتي في إيه؟
قلت
ممكن أساعد محمود.
عينها لمعت.
بجد؟!
آه... بس بشرط.
قولي.
الفلوس تتحول باسمه، بعقد واضح، ويتكتب إنها سُلفة، ومحدش يطلب مني أي فلوس تاني بعد كده.
سكتت.
واضح إنها ما كانتش متوقعة إني أوافق.
وقالت
أكيد، طبعًا.
لكن اللي ما كانتش تعرفه إن ال ألف اللي بتتكلم عنهم كانوا بالفعل موجودين في حسابي العادي.
أما الملايين الحقيقية...
فهي في أماكن ما يقدروش يوصلوا لها.
في المساء، أحمد رجع من الشغل.
مي قالت له
ماما وافقت تساعد محمود.
أحمد بص لي.
بجد يا ماما؟
هزيت راسي.
آه.
ابتسم.
ابتسامة صغيرة، لكن أنا شفتها.
كانت نفس الابتسامة اللي شفتها أول يوم قلت لهم إن معايا 200 ألف.
وقتها عرفت إن اللي كانوا عايزينه مش أمي.
ولا وجودي.
ولا راحتي.
كانوا عايزين فلوسي.
بعد أسبوع، جه محمود ومعاه ورق المشروع.
وقّعته.
وحولت له ال ألف.
لكن قبل ما يحط القلم، قلت له
محمود، أنا بديك الفلوس دي عشان تساعد نفسك. مش عشان تعيش على حساب أختك.
قال
حاضر يا طنط.
ابتسمت.
وأنا مش طنط. أنا خالتك.
ضحك.
لكن مي ما ضحكتش.
لأنها كانت عارفة إن الفلوس خرجت فعلًا.
مر شهر.
المشروع بتاع محمود فشل.
وطبعًا ما رجعش جنيه.
وبدأت مي ترجع تلمح تاني.
ماما، هو إحنا مش أهل؟
قلت
أنا ساعدت أخوكي.
قالت
بس هو خسر.
دي مش مشكلتي.
اتعصبت
يعني ال ألف راحوا كده؟!
بصيت لها.
آه.
سكتت.
وبعدين قالت
إنتِ غريبة أوي.
رديت بهدوء
وأنتِ اكتشفتي ده متأخر.
بعدها بأسبوعين، حصلت الصدمة.
أحمد رجع البيت متوتر.
رمى مفاتيح العربية على الترابيزة وقال
الشركة قللت العمالة... وأنا اتنقلت لقسم تاني والمرتب اتخفض.
مي بدأت تنهار.
إحنا هنعمل إيه؟
وبعدين بصت لي.
أنا فهمت النظرة فورًا.
وقالت
ماما، محتاجين نقعد معاكي.
قلت
اتفضلي.
قعدوا قدامي.
أحمد قال
إحنا عندنا أقساط، وآدم مصاريف مدرسته، والعربية...
قاطعته
عايز إيه؟
سكت.
مي قالت
عايزين منك مساعدة مؤقتة.
قد إيه؟
ترددت.
وبعدين قالت
مليون.
بصيت لها.
ولا حتى رمشت.
مليون إيه؟
مليون جنيه.
ضحكت.
على أساس إن معاكي 200 ألف؟
وشها اتغير.
أحمد بص لي.
وقال
ماما...
وقتها قلت الجملة اللي كنت مستنية أقولها من أول يوم.
مين قال لكم إن معايا 200 ألف؟
سكتوا.
قلت
ومين قال لكم إني صرفت كل فلوس أبوكم؟
أحمد وشه شحب.
مي بدأت تتلعثم.
إنتِ... إنتِ بتقولي إيه؟
طلعت من شنطتي كشف الحساب.
وحطيته قدامهم.
أنا عندي 3 مليون و ألف.
الصمت نزل على المكان.
مي فتحت بوقها.
أحمد وقف من مكانه.
إيه؟!
قلت
3 مليون و ألف. غير البيت القديم.
مي قربت من الورق.
بس إنتِ قولتي...
كدبت.
بصيت لها في عينيها.
آه، كدبت عليكم.
أحمد قال
ليه يا ماما؟!
رديت
عشان أشوفكم على حقيقتكم.
وبعدين حطيت قدامه صورة التحويل اللي حاول يعمله من حسابي.
ودي إيه؟
وش أحمد وقع.
مي بصت له.
وبعدين بصت لي.
قلت
أنت حاولت تسحب فلوسي من غير علمي.
أحمد بدأ يقول
ماما، أنا...
رفعت إيدي.
ما تبررش.
وبعدين بصيت لمي.
وإنتِ كنتِ بتتكلمي مع أمك وبتقولي إنك لازم تعرفي الفلوس راحت فين.
وشها اصفر.
إنتِ سمعتي؟
آه.
وبعدين قلت
وسمعت كمان إنك كنتِ بتخططي تبيعوا البيت القديم.
أحمد بص لمراته.
كأنه بيسمع الكلام لأول مرة.
مي حاولت تدافع عن نفسها
أنا كنت بقول كده عشان مصلحتنا!
ضحكت.
مصلحتكم؟ ولا مصلحتك؟
وبعدين وقفت.
من النهارده، أنا مش هعيش هنا.
أحمد قال بسرعة
ماما، استني!
قلت
أنا مش زعلانة إنكم محتاجين فلوس. أنا زعلانة إنكم لما افتكرتوا إني فقيرة، طردتوني من حياتكم. ولما اكتشفتوا إني غنية، رجعتوا تقولوا أنا أمكم.
مي بدأت تعيط.
لكن المرة دي ما رقّتش لها.
في اليوم التالي، جه محامي.
كان معاه ملف كامل.
قدامهم، وقعت على أوراق نقل ملكية الجزء اللي أنا دفعته في البيت الجديد باسمي، بعد ما اتأكدت من حقي القانوني.
أما البيت القديم، فقررت أحتفظ بيه.
وبعدين قلت لأحمد
أنا مش هاخد منك حاجة زيادة عن حقي، ومش هطردك من البيت.
بص لي باستغراب.
قلت
لكن أنا مش هصرف عليكم تاني.
ماما...
أنت راجل كبير. ومراتك ست كبيرة. وابنك مسؤوليتكم. أنا عملت اللي عليا وزيادة.
سكت.
وبعدين قلت
لو احتجتني كأم، هتلاقيني. لكن لو محتاجني كخزنة فلوس... دور على بنك.
بعد أسبوع، نقلت حاجتي للبيت القديم.
لكن المرة دي ما رجعتش له مكسورة.
البيت كان صغير.
قديم.
لكن كان ملكي.
دخلت، فتحت الشبابيك، وخليت الشمس تدخل.
وبعدها جبت نجار وغيرت الأثاث.
عملت أوضة صغيرة لنفسي.
وحطيت صورة حسن فوق السرير.
وقلت
أهو يا حسن... طلعت فاهمهم صح.
وبعد شهر، بدأت أعيش حياتي بشكل مختلف.
اشتركت في نادي قريب.
بدأت أخرج مع أمينة.
سافرت كام يوم.
وخصصت جزء من فلوسي لعلاج كبار السن غير القادرين.
أما الباقي...
قسمته بطريقة تضمن إني أعيش مرتاحة لآخر عمري.
ما بقيتش أخاف من بكرة.
لأن الفلوس اللي معايا ما بقتش وسيلة أشتري بيها حب حد.
بقت مجرد أمان ليا.
بعد حوالي ست شهور، أحمد جه لوحده.
من غير مي.
وقف على الباب.
كان شكله مرهق.
قلت
اتفضل.
دخل وقعد.
فضل ساكت وقت طويل.
وبعدين قال
ماما... أنا غلطت.
ما رديتش.
قال
أنا كنت فاكر إنك هتفضلي أمي مهما عملت.
بصيت له.
وده صحيح.
دموعه نزلت.
يعني لسه بتحبيني؟
قلت
أنا عمري ما بطلت أحبك.
ابتسم وسط دموعه.
لكن كملت
بس الحب مش معناه إني أسمح لك تظلمني.
هز راسه.
وقال
أنا فاهم.
قبل ما يمشي، حطيت في إيده ظرف.
فتح عينه.
إيه ده؟
قلت
فلوس.
اتوتر.
ماما، أنا مش عايز...
قاطعته
دي مش ليك.
فتح الظرف.
كان فيه مبلغ صغير.
قلت
ده لآدم. مصاريف دراسته الشهر ده.
وبعدين بصيت له
ابنك ملوش ذنب في اللي حصل.
سكت.
وفهم.
أخد الظرف.
وقبل ما يمشي، وقف عند الباب وقال
ماما... ممكن أجيلك كل جمعة؟
ابتسمت.
لو جاي عشان تشوف أمك، تعالى.
وبعدين أضفت
بس لو جاي تعرف الفلوس اتحطت فين... الباب هيكون مقفول.
ضحك لأول مرة من قلبه.
ومشي.
قفلت الباب.
ورجعت قعدت قدام صورة حسن.
وقلت
كنت بتقول إن
الفلوس مراية...
بصيت للصورة وابتسمت.
بس أنا اكتشفت حاجة أهم.
مش الفلوس هي اللي بتغير الناس...
الفلوس بس بتخليهم يبطلوا يمثلوا.
ومن يومها، بقيت أفتكر إن أكبر غلطة ممكن يعملها الإنسان وهو كبير في السن، إنه يدي كل ما يملك لأولاده خوفًا من الوحدة.
لأن اللي بيحبك بجد...
هيحبك وإنت معاك ملايين، وهيحبك حتى لو معاكش جنيه.
أما اللي بيحب فلوسك...
فأول ما يصدق إنك فقير، هتعرف مكانتك الحقيقية عنده.
وأنا؟
أنا أخيرًا بطلت أحسب حساب الناس.
وبدأت أحسب حساب نفسي.