يوم خروجى على المعاش
المحتويات
البنك.
وقفت قدام الباب فترة طويلة.
الهوا كان بيلمس وشي، وكنت حاسة بالبرد.
ولأول مرة من بعد وفاة حسن...
حسيت إني فعلًا لوحدي.
وإن البيت اللي أنا عشت فيه مع ابني، ما بقاش فيه حد ممكن أعتبره سند ليا غير نفسي.
لكن المشكلة الحقيقية انفجرت بسبب عربية.
قبلها بسنتين، أحمد كان اشترى عربية كهربا جديدة تمنها أكتر من 200 ألف، ولسه عليه أقساط.
أما أخو مي، محمود، فكان عنده أكتر من تلاتين سنة، ومن غير شغل ثابت.
يوم يقول عايز يعمل لايفات ويدخل مجال البث المباشر.
ويوم يقول هيعمل مشروع شقق سياحية.
ويوم يقول هيدخل شراكة مع واحد صاحبه ويفتح محل حلويات.
كل يوم مشروع جديد.
لكن الحقيقة إنه عمره ما كان معاه فلوس مستقرة.
في يوم جمعة، كنت بنشر الهدوم في البلكونة.
مي جت وحطت ورقة إعلان قدامي بعنف.
وقالت
ماما، محمود لقى محل كويس جدًا، بس ناقصه 150 ألف جنيه تمن التنازل. وإحنا أهل، يعني إنتِ معاكي 200 ألف، اديله المبلغ يدور بيه شوية. أول ما المشروع يفتح، هيرجعهملك.
فضلت أمسك الهدوم وأثبت المشابك واحدة واحدة.
وما بصتلهاش حتى.
وقلت
قولتلك، ال ألف دول فلوس علاج ومعاش. مش هقدر ألمسهم.
ردت بضيق
ده أخويا، مش واحد غريب!
لفيت وبصيت لها وقلت
لما أكبر وأمرض، المستشفى مش هتخصملي فلوس عشان ده أخوكي.
03
بصيت لها وقلت بهدوء
لما أكبر وأمرض، المستشفى مش هتخصملي فلوس عشان ده أخوكي.
وش مي اتغير فورًا.
وقالت بعصبية
ماما، طريقتك دي مستفزة أوي!
بصيت لها.
وقلت
ممكن تكون كلمتي تقيلة، لكن أحسن ما نيجي بعدين ونكره بعض. أنا مش هدي الفلوس.
فضلت باصة لي كام ثانية.
وبعدين ابتسمت ابتسامة غريبة وقالت
خلاص، براحتك. مش هتديهاله. بس بعد كده لما آدم يدخل المدرسة، ولما يبقى علينا أقساط ومصاريف، متقوليش إن إحنا مش قادرين نصرف عليكي.
الجملة دي ما كانتش تلميح.
دي كانت أول مرة تقولها بشكل واضح وصريح.
هي بتحسب مصاريفي المستقبلية من دلوقتي.
في اليوم ده، وقت الغدا، ما نادتنيش على الأكل.
خرجت من أوضتي بعد شوية.
لقيت السفرة اترفعت.
والأطباق اتشالت.
والحلة ما كانش فيها حتى معلقة شوربة دافية.
آدم جري عليا وهو ماسك عربية لعبة.
وبصوت واطي قال
تيتا... ماما قالتلي إنك مش جعانة.
حسيت بحاجة خنقتني من جوايا.
لكن نزلت لمستواه، وحطيت إيدي على شعره وابتسمت.
وقلت
تيتا تعمل لنفسها مكرونة، متقلقش.
بالليل، لما أحمد رجع من الشغل، قلت لنفسي
أكيد مي هتهدى قدامه.
أكيد مهما كان، مش هتفضل تتصرف معايا بالشكل ده قدام جوزها.
لكن اللي حصل كان العكس تمامًا.
أول ما أحمد دخل وقعد على الكنبة، بدأت مي تعيط.
وقالت
أنا كل اللي عملته إني طلبت من ماما تساعد أخويا بكلمة. ماما عاملاني كأني جاية أسرق فلوسها!
وبدأت تمسح دموعها.
أنا اتجوزت أحمد بقالى سنين، وشايلة البيت، وبربي ابنه، وبخدم الكبير والصغير، وفي الآخر حتى أبسط حاجة من ناحية العِشرة مش موجودة.
أحمد كان قاعد على طرف الكنبة.
وشه مرهق.
بص ناحيتي.
وبعدين بص لمراته.
واضح جدًا إنه كان عايز يقول حاجة.
فتح بقه...
لكن الكلمات لسه ما خرجتش.
وأنا وقتها كنت ببص له ومستنية.
مستنية أعرف
هيختار مين؟
هيختار أمه اللي ضحت بكل اللي معاها عشان يبني حياته؟
ولا هيختار مراته اللي بدأت تحسب فلوس أمه قبل ما تحسب عمرها؟
وفي اللحظة دي، فهمت إن اللي جاي...
لسه أصعب بكتير.
04
أحمد فضل ساكت شوية، وبعدين أخد نفس طويل وقال
ماما... هو الموضوع يستاهل كل ده؟
بصيت له باستغراب.
موضوع إيه يا أحمد؟
قال
يعني لو معاكي ال ألف، وإحنا محتاجينهم دلوقتي، مش ممكن تساعدي؟ محمود أخو مي، وفي الآخر الفلوس هترجعلك.
ابتسمت بسخرية.
إنت متأكد إنها هترجع؟
مي ردت بسرعة
طبعًا هترجع! هو أنا ههرب بيها يعني؟
بصيت لها.
أنا ما قولتش إنك هتهربي بيها. أنا بس بقول إن الفلوس اللي هتخرج من إيدي، ممكن ما ترجعش تاني.
أحمد اتضايق وقال
ماما، إحنا أهلك برضه.
الجملة دي وجعتني أكتر مما توقعت.
أهلي؟
ضحكت ضحكة صغيرة.
طب لما كنت بدفع مقدم شقتك، كنت أهلك؟ ولما دفعت فلوس التشطيب؟ ولما كنت بصحى كل يوم قبل الكل عشان أجهزلك الفطار؟ ولما كنت بسهر مع ابنك وإنت ومراتك نايمين؟ كنت أهلك وقتها؟
أحمد وطى عينه.
مي بدأت تعيط بصوت أعلى.
شايف يا أحمد؟ هي كل حاجة بتعملها لينا بتفضل تعايرنا بيها!
رديت بهدوء
أنا مش بعايركم. أنا بفكركم بس إن العيلة مش دفتر حسابات من طرف واحد.
سكت الجميع.
وبعد لحظات، أحمد قام ودخل أوضته.
أما مي، فبصت لي نظرة طويلة، وقالت
تمام يا ماما. كل واحد يشيل نفسه.
ومشيت.
افتكرت وقتها كلام حسن.
الفلوس مرآة.
والمرآة بدأت توري.
لكن أنا ما كنتش عارفة إن اللي هيظهر فيها لسه أكتر بكتير.
تاني يوم، صحيت بدري كعادتي.
دخلت المطبخ عشان أحضر الفطار.
لقيت التلاجة فاضية تقريبًا.
مافيش غير شوية خضار وبيضة واحدة.
فتحت الدولاب.
حتى الشاي اللي بحبه ما لقيتوش.
استغربت.
دخلت مي المطبخ، وبصت لي وقالت
إنتِ عايزة إيه؟
قلت
هعمل الفطار.
ردت ببرود
من النهارده كل واحد مسؤول عن أكله.
بصيت لها.
يعني إيه؟
يعني أنا مش هقدر أفضل أصرف على البيت كله، خصوصًا إن ماما تعبانة ومصاريفها كتير.
ضحكت.
هو أنا اللي كنت بطلب منك فلوس؟
قالت
مش قصدي كده.
وبعدين فتحت التلاجة، وأخدت البيضة الوحيدة.
أنا هعملها لآدم.
وقفت مكانى.
ما كنتش مصدقة إننا وصلنا للمرحلة دي.
بعد سنين من خدمتي للبيت، بقيت البيضة نفسها محسوبة عليا.
خرجت من المطبخ من غير ما أقول كلمة.
لبست هدومي ونزلت.
اشتريت لنفسي فطار من بره.
ولأول مرة من سنين، قعدت لوحدي على ترابيزة في كافيه صغير.
وأنا بشرب الشاي، حسيت براحة غريبة.
يمكن لأن محدش كان بيطلب مني حاجة.
محدش بيقول
اعملي.
هاتِ.
خدي بالك.
استحملي.
كنت أنا وبس.
بعد أسبوع تقريبًا، حصل شيء أغرب.
كنت قاعدة في الصالة، ولقيت أحمد داخل ومعاه أوراق.
حطها قدامي وقال
ماما، محتاج منك تمضي هنا.
بصيت للورق.
إيه ده؟
قال
إجراء بسيط خاص بالبيت.
رفعت عيني له.
أي بيت؟
اتردد.
وبعدين قال
البيت القديم.
قلبي دق بسرعة.
ماله؟
قال
إحنا بنفكر نبيعه ونجيب مكان أحسن.
بصيت له طويلًا.
إنتوا؟
قال
يعني البيت فاضي ومش مستفادين منه.
ابتسمت.
البيت باسمي.
رد بسرعة
ما أنا عارف.
يبقى ليه بتمضيني على ورق وأنا ما طلبتش أبيع؟
سكت.
دخلت مي من وراها.
وقالت
ماما، ما تكبريش الموضوع. إحنا بس بنرتب المستقبل.
مستقبل مين؟
سكتت.
قلت
مستقبلي أنا؟ ولا مستقبلكم إنتوا؟
مي اتعصبت
هو إنتِ مش واثقة في ابنك؟!
بصيت لأحمد.
وقلت
أنا واثقة في ابني. لكن مش واثقة في الورقة اللي عايزينّي أمضي عليها.
أحمد مد إيده وأخد الأوراق.
وقال
خلاص يا ماما.
لكن قبل ما يدخل أوضته، لمحته بيبص لمي.
والنظرة دي قالت لي إن الموضوع ما كانش مجرد فكرة عابرة.
كانوا مخططين.
في الليلة نفسها، وأنا في أوضتي، سمعت صوت مي وهي بتتكلم مع أحمد.
قالت بعصبية
إنت هتفضل ساكت لحد إمتى؟
رد أحمد
نعمل إيه يعني؟ هي مش موافقة.
إنت ابنها! يعني لو فضلت ساكت، هنفضل محبوسين في نفس الوضع؟
هي عندها فلوس تانية؟
سكتت مي.
وبعدين قالت
أنا متأكدة إن معاها أكتر من اللي بتقوله.
أحمد قال
إزاي؟
ردت
الست دي محاسبة. عمرها ما كانت غبية في الفلوس.
سكت أحمد.
ثم قالت مي
أنا مش مصدقة إنها باعت البيت القديم، وخدت كل الفلوس، وبعدين صرفتها كلها.
قلبي وقف لحظة.
لكن اللي سمعته بعدها كان أخطر.
قالت
لازم نعرف الفلوس راحت فين.
في اليوم التالي، خرجت بدري.
روحت البنك.
وقلت لموظف خدمة العملاء
عايزة أفتح صندوق أمانات.
وبعد ما خلصت الإجراءات، حطيت فيه كل المستندات المهمة.
شهادات الاستثمار.
أوراق الحساب المشترك.
عقد البيت القديم.
وثائق التأمين.
وكل ورقة تخص فلوسي.
وقبل ما أمشي، طلبت كشف حساب كامل لكل حركة تمت على حسابي في الفترة الأخيرة.
الموظف سلمني الكشف.
وأنا بقلب فيه، اتجمدت إيدي.
كان فيه تحويل واحد غريب.
خمسة آلاف جنيه.
المبلغ صغير.
لكن التحويل كان باسم شخص ما أعرفوش.
بصيت للموظف.
مين الشخص ده؟
قال
الاسم موجود في بيانات التحويل، لكن حضرتك صاحبة الحساب تقدري
متابعة القراءة