يوم خروجى على المعاش

لمحة نيوز

01
أنا اسمي سعاد عبد الرحمن، عندي اتنين وستين سنة، وكنت محاسبة في مصنع نسيج قبل ما أطلع معاش.
طول عمري وأنا بمسك الحسابات، عمري ما لخبطت في رقم ولا غلطت في دفتر.
لكن في موضوع واحد بس...
موضوع العيلة والمشاعر، أنا تقريبًا حسبتها غلط.
لما جوزي حسن كان لسه عايش، كان دايمًا بيقول لي
يا سعاد، الفلوس مش مجرد فلوس.
كنت ببص له وأضحك
يعني إيه؟ الفلوس فلوس يا حسن.
وكان يرد عليا
في فلوس بتبقى سند ليكي عشان تعيشي بيها باقي عمرك. وفي فلوس تانية بتبقى زي المراية... بتوريكي الناس على حقيقتها.
وقتها كنت بعتبر كلامه فلسفة زيادة عن اللزوم.
لكن بعد ما مات فعلًا، فهمت.
في كلام كتير الراجل بيقوله وهو عايش، وإحنا بنفتكره كلام عابر ملوش لازمة.
لكن بعد ما يموت...
بنكتشف إن بعض الكلام ده كان تحذير أخير منه.
زوجي حسن مات بقاله تلات سنين.
وطول التلات سنين دول، كنت عايشة مع ابني أحمد ومراته مي في منطقة حدائق النصر شرق المدينة.
البيت الكبير، اللي مساحته حوالي مية وأربعين متر، كان ال ألف جنيه بتوع مقدم الشقة فيه من فلوسي أنا.
ولما احتاجوا 200 ألف زيادة عشان يخلصوا التشطيبات، أنا اللي دفعتهم برضه.
وبعد كده لما مي خلفت ابني حفيدي آدم، أنا اللي قعدت جنبها في فترة النفاس.
ولما الطفل كبر وفطم، برضه أنا اللي اهتميت بيه.
الصبح، أحمد ومي كانوا بيخرجوا بسرعة على شغلهم.
وكان لازم أنا أصحى بدري، أحضر اللبن والبيض والفطار، وأجهز كل حاجة.
وبالليل، لما كانوا يرجعوا متأخر، كنت أنا اللي أكون مجهزة الأكل.
وفي أيام كتير كنت بنام وأنا ضهري بيوجعني لدرجة إني ما كنتش قادرة أقف عدل.
ومع ذلك، كنت بصحى الساعة ستة الصبح عشان أعمل البيض لآدم وأجهزه للمدرسة.
مش معنى كده إني عمري ما اتضايقت.
أكيد كنت بتعب.
وأكيد في أوقات كنت بزعل.
لكن كنت دايمًا بقول لنفسي
ابني عنده شغل وضغوط، والشباب اليومين دول عليهم مسؤوليات كتير... لما أساعد وأعمل أكتر، البيت يفضل هادي ومترابط.
لحد ما وصلت لسن المعاش.
والفلوس فعلًا دخلت حسابي.
ساعتها، ولأول مرة في حياتي، قعدت مع نفسي وسألت بجد
يا ترى أقول لهم على كل اللي معايا؟
ولا أخبي؟
الفكرة دي بدأت تراودني وأنا قاعدة في جنينة العمارة.
في اليوم ده قابلت زميلة قديمة ليا من الشغل اسمها أمينة.
كانت قاعدة على كرسي في الجنينة بتمسح دموعها.
ولما سألتها مالها، بدأت تحكيلي.
قالت إن ابنها ومراته فضلوا يقنعوها تحول لهم فلوس التعويض اللي خدتها.
وقالوا لها إنهم هيشغلوها في مشروع استثماري مربح جدًا.
لكن في الحقيقة، الفلوس راحت لمحل تصليح عربيات بتاع أخو مرات ابنها.
المشروع خسر.
والفلوس كلها ضاعت.
ولا فضِل منها جنيه واحد.
ومن يومها، كل ما كانت تحاول تفتح الموضوع مع ابنها، كان يتجنبها.
ومرات ابنها كانت بتقلب عليها وتتعامل معاها كأنها هي الغلطانة.
وبصت لي أمينة وقالت
يا سعاد، عايزة تعرفي ابنك ومراته بيحبوكي بجد ولا لأ؟ حطي الفلوس قدامهم... الفلوس هي اللي بتكشف معدن الناس.
قلبي اتقبض.
الكلمة دي فضلت ترن في دماغي.
وفي نفس الليلة، لما رجعت البيت، كنا قاعدين على السفرة بنتعشى.
مي كانت بتحط الجمبري في طبق آدم، وفجأة بصت لي بابتسامة وسألتني
ماما، إجراءات المعاش خلصت كلها؟ المصنع أكيد صرفلك مبلغ كويس، صح؟
إيدي اللي كانت بتمسك طبق الشوربة وقفت مكانها.
أحمد رفع عينه وبص لي، لكنه ما قالش حاجة.
ابتسمت بهدوء وقلت
آه، خدّت مبلغ كويس... بس يعني على مدار السنين الفلوس اتصرف منها كتير. وفترة مرض أبوكم كلفتنا كتير. حسبتها لقيت إن اللي فضل دلوقتي حوالي ميتين ألف بس... وهخليهم للعلاج ومصاريف آخر العمر.
عيدان الأكل اللي في إيد مي وقفت في الهوا.
وبصت لي باستغراب
بس ميتين ألف؟
آه.
ابتسامتها بدأت تختفي واحدة واحدة.
وقالت
أنا كنت فاكرة إن معاكي مبلغ أكبر. أصل آدم السنة الجاية داخل مدرسة إنترناشونال، والمصاريف عالية شوية. لو معاكي فلوس زيادة وتقدري تساعدي، يبقى تخففي شوية عن أحمد، لأنه بيتعب أوي.
وطيت عيني وشربت شوية شوربة.
وقلت
ال ألف دول ما ينفعش ألمسهم. أنا كبرت في السن، ومحدش عارف بكرة مخبي إيه. ممكن أصحى ألاقي نفسي محتاجة مستشفى.
سكتت السفرة كام ثانية.
مي حطت قطعة الجمبري اللي كانت في إيدها في طبقها، وقالت بصوت هادي جدًا
آه... ماشي.
02
الكلمة كانت بسيطة.
ماشي.
لكن أنا سمعتها كويس أوي.
ومن اليوم ده، الجو في البيت اتغير بشكل ما حدش كان ممكن يلاحظه بسهولة.
أول حاجة اتغيرت كانت طريقة كلام مي معايا.
قبل كده، قدام الناس، كانت بتناديني
ماما.
وكان صوتها ناعم وحلو.
وفي المناسبات كانت أوقات بتجيبلي طرحة أو شال وتديني إياه وهي بتضحك، كأنها بتحاول تفرحني.
لكن بعدها بدأت تناديني
يا طنط، كباية آدم اتغسلت؟
وبعدين
يا طنط، رخامة المطبخ كلها دهون... لو سمحتي امسحيها.
وبعد فترة حتى كلمة لو سمحتي اختفت.
بقت تدخل المطبخ وتقول
البيت اتمسح؟
الهدوم اتطبقت؟
إنتِ قاعدة طول النهار في البيت، ليه لما الطلب يوصل ما تنزليش تستلميه؟
صوتها ما كانش عالي.
ولا كانت بتزعق.
لكن كل كلمة كانت بتدخل جوايا زي السكينة.
أما أحمد...
ابني كان بيسكت أكتر وأكتر.
في أوقات كنت أبص له مستنية إنه يتكلم، ألاقيه بيطاطي راسه ويكمل أكل.
أو يطلع موبايله ويقول إن جروب الشغل مليان رسايل.
وفي مرة ما قدرتش أستحمل.
استنيت لحد ما مي خرجت بآدم تحت يلعب.
وبصيت لأحمد وقلت له
يا أحمد، هو مراتك زعلانة مني في حاجة؟
أحمد فرك جبهته بين عينيه وقال
ماما، مي مضغوطة اليومين دول. والدتها تعبانة وفي المستشفى، وأخوها عايز يفتح مشروع، والبيت عندهم فيه مشاكل كتير. متخديش الكلام على صدرك.
ضحكت ضحكة قصيرة.
وقلت
والدتها في المستشفى، مال ده بيا؟
فتح بقه كأنه عايز يرد.
لكن في الآخر قال جملة واحدة
ماما، استحملي شوية.
استحملي شوية.
الجملة دي كانت أكتر جملة سمعتها في حياتي.
وأنا صغيرة، كنت بستحمل حماتي عشان ما أوقعش جوزي في مشاكل.
ولما كبرت، كنت بستحمل في الشغل عشان ما أخسرش مصدر رزقي.
ولما كبرت أكتر، بقيت بستحمل وش مرات ابني، وأنا قاعدة في بيت أنا اللي دفعت تمن جزء كبير منه.
في الليلة دي، فضلت قاعدة على السرير ومش عارفة أنام.
ومن ورا الحيطة، سمعت مي بتتكلم في التليفون في الصالة.
كانت بتتكلم بصوت واطي، لكن باب أوضتي ما كانش مقفول كويس.
والهوا كان بيحرك الباب، فكل كلمة كانت بتوصل لي.
سمعتها بتقول
ماما، استني عليا، أنا بحاول.
هي مقفلة على نفسها أوي، وكل اللي قالت عليه إن معاها ميتين ألف بس.
لو فعلًا معاها أكتر من تلاتة مليون، معقول هتكون مخبية كل ده؟
سكتت لحظة، وبعدها قالت
وبعدين البيت القديم لسه باسمها. عاجلًا أو آجلًا لازم ناخده، وإلا بعد كده مش هيبقى لينا فيه حاجة... وممكن يروح لحد تاني.
إيدي بدأت تترعش.
النظارة اللي كانت على الكومودينو وقعت على الأرض.
الصوت كان واضح.
فجأة سمعت مي تسأل
مين هناك؟
كتمت نفسي، وبعدها عملت نفسي بعطس.
ونزلت على الأرض بهدوء، أخدت النظارة.
لكن من اللحظة دي...
الستارة اللي كانت مخبية حقيقة الناس عن عيني اتقطعت تمامًا.
تاني يوم الصبح، روحت البنك.
قسمت ال مليون و ألف على تلات حسابات.
مليونين حطيتهم في شهادة ادخار كبيرة.
ومليون حولتهم لحساب مشترك كان أنا وحسن فاتحينه من سنين.
وال ألف اللي قلت لهم عليهم، سبتهم في الحساب العادي اللي بستخدمه.
وبعد ما خلصت كل الإجراءات، طلبت من موظف البنك يحول خدمة الرسائل والتنبيهات على موبايل صغير اشتريته مخصوص، موبايل بسيط لكبار السن.
خرجت من

تم نسخ الرابط