قاعدة الذهب

لمحة نيوز

مرتين.
خلاص.
قلت
خلاص إيه؟
انتهى الموضوع.
وإيه حكاية المكالمة؟
رقم غلط.
والدم؟
مش دم.
والحاجة اللي شفتها عند باب المستشفى؟
لف ناحيتي بعصبية.
إنت عايز تخوف نفسك؟ براحتك.
وبعدين فتح درج مكتبه وطلع زجاجة مية.
أنا رايح البيت.
قلتله
والقفل؟
يبات هنا.
ليه ماتاخدوش معاك؟
بصلي.
عرفت إنه هو نفسه خايف.
لكنه قال
علشان الشغل يا محمود، مش علشان خرافاتك.
قفلنا المكتب.
ونزلنا.
حسام ركب عربيته.
وأنا ركبت عربيتي.
قبل ما يمشي، نزل الإزاز وقال
بكرة الصبح بدري نعرضه على عم شوقي.
عم شوقي كان أكبر تاجر مقتنيات دهب قديم أعرفه.
قلتله
تمام.
ومشي.
وأنا فضلت واقف شوية أبص على نور المكتب فوق.
مش عارف ليه.
بس كان عندي إحساس قوي إن القفل اللي جوه الخزنة...
مش لوحده.
4
الساعة 1147 بالليل...
موبايل رن.
صحيت من النوم مفزوع.
لقيت حسام.
رديت
ألو؟
ماجاش صوته الأول.
كان فيه صوت نفسه بس.
سريع.
متقطع.
قلت
حسام؟
قال بصوت واطي جدًا
محمود... تعالى لي.
قعدت في السرير.
فين؟
البيت.
مالك؟
سكت.
قلت
حسام، فيه إيه؟
قال
القفل هنا.
اتجمدت.
هنا فين؟
في بيتي.
قلتله
إنت أخدته من المكتب؟
صرخ فجأة
لأ!
وسكت ثانية.
وبعدين قال
أنا سيبته في الخزنة قدامك.
جسمي كله قشعر.
قلت
يمكن حد فتح المكتب.
الخزنة؟
مش عارف.
قال
محمود... القفل كان على مخدتي.
ما رديتش.
كمل
دخلت أوضتي لقيته فوق المخدة بتاعتي.
والشنطة؟
مفيش شنطة.
والخزنة؟
المفتاح معايا.
قلتله
اتصل بالشرطة.
قال
وأقول لهم إيه؟ قطعة دهب طلعت من خزنة مقفولة ووصلت بيتي؟
سكتنا.
وفجأة سمعت صوت من عنده.
تك...
صوت معدن خبط في حاجة.
قلت
حسام؟
ما ردش.
تك...
تاني.
تك...
تالت.
وبعدين حسام همس
محمود...
نعم؟
القفل بيتحرك.
قفلت المكالمة ولبست هدومي ونزلت جري.
5
بيت حسام كان في مدينة نصر.
وصلت في أقل من نص ساعة.
لقيت باب الشقة مفتوح.
دخلت.
حسام!
طلعلي من الصالة.
وشه أبيض.
فعلاً أبيض.
راجل طول عمره صوته عالي ومش بيخاف من حد، كان واقف قدامي وبيترعش.
وأشار ناحية أوضة النوم.
هناك.
دخلت.
القفل كان فوق السرير.
في النص بالظبط.
وحوالينه...
آثار حمراء صغيرة.
زي نقط دم.
لكن المرعب أكتر...
إن على الحيطة فوق السرير كان فيه أثر مكتوب.
مش بالقلم.
ولا بالدهان.
حروف متسحبة بسائل أحمر
الأمانة لا تُباع.
رجعت خطوتين.
قلت
إنت عملت ده؟
حسام بصلي كأني شتمته.
إنت اتجننت؟
قلت
طب مراتك؟
عند أهلها من امبارح.
ولادك؟
معاها.
قربت من القفل.
قال
ماتلمسوش.
بصيتله.
أول مرة تقول ماتلمسوش.
قعد على طرف السرير.
محمود... أنا غلطت.
ما رديتش.
قال
لازم نرجعه.
قلت
دلوقتي؟
أيوه.
بصيت للساعة.
1231 بعد منتصف الليل.
قلت
المستشفى دلوقتي؟
قال
حتى لو نقعد على الباب لحد الصبح.
مسك القفل بقطعة قماش.
أول ما رفعه...
نور الشقة قطع.
الظلام نزل مرة واحدة.
وسمعنا صوت ست عجوز.
مش من موبايل.
من جوه الأوضة نفسها.
قالت
اتأخرت.
حسام صرخ ورمى القفل.
النور رجع.
القفل كان على الأرض.
والحائط...
بقى عليه سطر تاني.
كل دقيقة ليها تمن.
حسام بصلي.
وقال
نروح حالًا.
6
وصلنا المستشفى حوالي واحدة ونص.
دخلنا من الاستقبال.
حسام كان شايل الشنطة بإيده الاتنين.
طلعنا للدور.
الطرقة كانت أهدى من الصبح.
المقاعد فاضية تقريبًا.
وصلنا عند الرعاية.
دورنا على الست.
مش موجودة.
سألنا ممرضة.
معلش، الحاجة الكبيرة اللي حفيدتها في سرير 301؟
الممرضة بصت لنا باستغراب.
مين؟
قلت
ست كبيرة، شعرها أبيض، كانت موجودة الصبح.
الممرضة قالت
آه... تقصدوا جدة سارة؟
حسام قرب منها.
أيوه، فين هي؟
الممرضة سكتت.
وبصت لنا.
حضرتكوا مين؟
حسام قال
ناس نعرفها.
قالت
توفت.
حسام ما استوعبش.
مين؟
الجدة.
حسيت الأرض بتتحرك.
قلت
إمتى؟
قالت
من حوالي ساعتين.
حسام قال بسرعة
إزاي؟ كانت كويسة!
الممرضة قالت
جالها هبوط حاد بعد ما دفعت الحسابات. حاولنا نلحقها، لكن...
ماكملتش.
حسام مسك الكرسي جنبه.
قلت
وحفيدتها؟
الممرضة ابتسمت ابتسامة بسيطة.
العملية نجحت الحمد لله. لسه تحت الملاحظة، لكن حالتها مستقرة.
أنا وحسام بصينا لبعض.
هو بلع ريقه وقال
إحنا محتاجين أهلها.
بعد حوالي عشر دقايق جت بنت في أواخر الأربعينات.
كانت أم المريضة.
ملامحها منهارة.
حسام قرب منها.
حضرتك بنت الحاجة؟
قالت
أيوه.
طلع القفل من الشنطة.
أول ما شافته...
اتغير وشها.
إنت جبت ده منين؟
حسام قال
والدتك باعتهولنا.
البنت سكتت.
بعدين قالت
مستحيل.
قلت
ليه؟
قالت
أمي ماكانش معاها القفل ده من الأصل.
أنا وحسام اتجمدنا.
قالت
القفل ده اتحط مع أختي في الكفن من خمس سنين.
حسام وقع القفل من إيده.
صوته رن في الطرقة.
قلت
أختك؟
قالت
أختي الكبيرة ماتت هنا في نفس المستشفى.
وكانت بتحب القفل ده جدًا.
أمي قالت وقتها إنه أمانة معاها، وإنها وعدت أختي إنه يفضل معاها حتى بعد الموت.
سكتت.
وبعدين بصت للقفل على الأرض.
أنا حضرت الدفن بنفسي.
القفل كان في رقبتها.
حسام رجع لورا.
وقال بصوت مبحوح
لا...
البنت كملت
وأمي من يومها كل ما حد يذكره تقول جملة واحدة
الأمانة ما تتباعش.
أنا حسيت شعري وقف.
حسام بصلي.
نفس الجملة المكتوبة على الحيطة.
البنت قالت
إنتوا جبتوه منين بجد؟
حسام ماعرفش يرد.
وفجأة...
باب الرعاية اتفتح.
طلع دكتور.
قال
أهل سارة؟
البنت جريت عليه.
أنا أمها.
ابتسم.
الحمد لله، بنتك فاقت.
انهارت من العياط.
أما أنا...
فكنت باصص للقفل.
وكان عندي إحساس إن الحكاية لسه مخلصتش.
7
حسام أخدني ناحية آخر الطرقة.
قال
نسيبه هنا ونمشي.
قلت
لمين؟
لأي حد.
وإنت فاكر الموضوع كده هيخلص؟
زعق بصوت واطي
أمال نعمل إيه؟
قلت
نرجع الفلوس.
سكت.
قلت
كل الفرق.
مليون ومتين على الأقل.
وشه اتشد.
أنا دفعت 600.
تدي الباقي.
يعني 600 ألف زيادة؟
قلت
أيوه.
قال
طب والقيمة الفنية؟
قلت
لو عايز تريح ضميرك بجد، تدفع حقه كامل.
بصلي كأنه بيكرهني.
وبعدين بص للقفل.
في اللحظة دي...
الموبايل بتاعه رن.
نفس الرقم الغريب.
فتح السماعة قدامي.
صوت الست العجوز قال
لسه الحساب ناقص.
الخط اتقفل.
حسام قعد على أقرب كرسي.
حط وشه بين إيديه.
وبعد دقيقة...
طلع موبايله.
قال للبنت
حضرتك عندك حساب بنكي؟
بصتله باستغراب.
ليه؟
قال
والدتك باعتلنا حاجة بأقل من تمنها.
سكت.
وأنا غلطت.
بعت لها 960 ألف جنيه زيادة.
600 ألف علشان يكمل قيمة الدهب الخام لمليون وميتين.
و ألف زيادة باعتبار قيمة القطعة وصنعتها.
إجمالي اللي وصل للأسرة
1560000 جنيه.
أول ما التحويل تم...
موبايل حسام رن للمرة التالتة.
نفس الرقم.
رد.
الصوت قال
باقي الأمانة.
حسام بص للقفل.
وفهمنا.
الفلوس رجعت.
لكن القفل نفسه...
لازم يرجع مكانه.
8
البنت أخدتنا تاني يوم الصبح على المقابر.
قبر أختها كان في مدافن العيلة.
طبعًا ماكانش ينفع نفتح قبر من دماغنا.
فالعيلة اتفقت مع المسؤولين وتمت الإجراءات بحضورهم.
حسام طول الوقت ساكت.
وأول ما اتفتح المكان...
البنت انهارت.
أما أنا ففضلت واقف بعيد.
القفل اتحط جوه تاني مع صاحبة الأمانة.
حسام بنفسه لفه في قطعة قماش بيضا.
وقال بصوت واضح
أنا آسف.
وأول ما ساب القفل...
الموبايل بتاعه رن.
فتح الشاشة.
مفيش رقم.
ولا مكالمة.
بس رسالة واحدة ظهرت واختفت قدامنا
الحساب اتقفل.
ومن اليوم ده...
حسام اتغير.
بطل يستهين بقاعدة المستشفى.
بل بقى أكتر واحد يشدد عليها.
ولو حد من التجار الشباب قال
يا عم دي مجرد حكايات قديمة.
حسام كان يبصله ويقول
اسمع الكلام وخلاص.
ولو سألوه ليه...
عمره ما حكى.
أما أنا...
ففهمت أخيرًا إن بعض القواعد بتبدأ كأخلاق.
وبعد سنين...
الناس تنسى السبب.
وتفتكر بس الجملة.
لكن فيه قواعد لو كسرتها...
مش كل الحسابات فيها بتتدفع بالفلوس.

تم نسخ الرابط