قاعدة الذهب
أنا شغال في شراء الدهب المستعمل.
وفي شغلتنا فيه قاعدة قديمة، كل اللي اشتغل في سوق الدهب فترة يعرفها ويحفظها كويس
أي دهب يتباع جوه مستشفى علشان علاج مريض... ممنوع تكسب فيه جنيه واحد فرق سعر.
يعني لو جرام الدهب النهارده ب جنيه، تشتريه من صاحبه ب جنيه.
ماتستغلش إن اللي قدامك محتاج فلوس بسرعة.
ماتضغطش عليه.
وماتفاصلش معاه.
حتى لو هتضيع وقتك وبنزينك ومش هتكسب حاجة، تعتبر المشوار ده لوجه الله.
أنا شخصيًا ماكنتش أعرف مين اللي حط القاعدة دي.
ولا ليه التجار القدام كانوا بيتعاملوا معاها كأنها قانون مقدس.
لكن اللي كنت أعرفه إن حتى أكتر التجار جشعًا في السوق، واللي ممكن يفاصلوا حد على خمسين جنيه، كانوا لما يسمعوا إن الدهب بيتباع من جوه مستشفى...
بيرجعوا خطوة لورا.
لكن في اليوم ده...
ابن عمي حسام الطمع غلبه.
وكسر القاعدة.
وماكانش يعرف إن قبل ما الليلة دي تخلص...
هيعرف بنفسه ليه محدش قبله كان بيجرؤ يعملها.
1
أيوه يا حاجة، مع حضرتك محمود.
أيوه، أنا بشتري دهب مستعمل وباجي لحد المكان.
ماتقلقيش، الفحص والوزن كله قدام حضرتك، والسعر بسعر السوق.
جالنا من الناحية التانية صوت ست كبيرة في السن.
صوتها كان متعب ومخنوق.
ربنا يكرمك يا ابني... أنا مش هقدر أجيلك.
قلت
ولا يهمك يا حاجة. حضرتك فين؟
قالت
مستشفى القصر العيني.
أول ما قالت كلمة مستشفى...
حسام اللي كان قاعد قدامي رفع راسه فجأة.
بصلي.
وأنا بصيتله.
وشه اتغير في ثانية.
مد إيده وقال
هات الموبايل.
ناولتهوله.
قال للست
حضرتك جوه المستشفى نفسها؟
أيوه يا ابني... عند الرعاية المركزة. حفيدتي تعبانة ومحتاجة عملية.
حسام غمض عينيه بضيق.
واضح إنه كان نفسه يقول لها مش جايين.
إحنا أنا وحسام بنشتغل في شراء الدهب من البيوت.
العميل يتصل، يقول عنده دهب عايز يبيعه، نروح له، نوزن القطعة، نفحص العيار بجهاز XRF، وبعدها نحدد السعر.
مكسبنا بييجي من فرق الشراء والبيع.
لكن حالات المستشفيات كانت استثناء.
في السوق عندنا جملة قديمة بيقولوها
دهب العلاج مافيهوش رزق.
يعني اللي بيبيع دبلة مراته علشان عملية ابنه...
والست اللي بتبيع غوايشها علشان علاج جوزها...
والأب اللي بيبيع دهب بنته علشان يدفع حساب الرعاية...
دول ماتكسبش منهم.
حسام سكت شوية، وبعدين قال
حاضر يا حاجة. استنينا، إحنا جايين.
قفل المكالمة ورمى الموبايل على المكتب.
يا نهار أسود!
قلت
مالك؟
قال بعصبية
من الصبح مافتحناش باب رزق، وأول مكالمة محترمة تطلع مستشفى!
قلت
خلاص يا حسام، نروح. اعتبرها عمل خير.
بصلي وضحك بسخرية.
عمل خير إيه يا عم الشيخ؟ ده إحنا هنروح ونرجع خسرانين بنزين.
وبعدين رمى مفتاح العربية ناحيتي.
يلا يا محمود... سوق.
ركبنا العربية واتحركنا.
بعد حوالي عشرين دقيقة وصلنا المستشفى.
ركنت ودخلنا.
طلعنا للدور اللي الست قالت عليه.
أول ما باب الأسانسير اتفتح، ريحة المطهرات خبطت في وشي.
قدام الرعاية كان فيه عالم من نوع تاني.
ست قاعدة على الأرض ماسكة مصحف.
راجل كبير واقف ناحية الشباك وبيعيط.
شاب نايم على كرسي بلاستيك وحاطط الجاكت تحت راسه.
ناس داخلة طالعة.
وكل ما باب الرعاية يفتح، كل الموجودين يرفعوا راسهم بخوف.
وصلنا عند سرير 301.
لقينا ست كبيرة جدًا واقفة مستنيانا.
يمكن في أواخر السبعينات.
شعرها أبيض بالكامل، ولابسة عباية سودا بسيطة.
أول ما شافتنا قالت
إنتوا بتوع الدهب؟
حسام قال
أيوه يا حاجة.
أخدتنا بعيد عن الناس شوية.
وبصت ناحية باب الرعاية.
حفيدتي جوه يا ولادي.
بلعت ريقها بصعوبة.
أبوها متوفي من سنين، وأمها ظروفها صعبة. من ساعة ما دخلت المستشفى وإحنا بنصرف اللي ورانا واللي قدامنا.
وبعدين فتحت شنطة قماش صغيرة كانت ماسكاها.
والله لولا إننا اتحاصرنا، ماكنت فكرت أبيع الحاجة دي.
طلعت صرة ملفوفة في قطعة قماش قديمة.
فكت القماش بهدوء.
وأول ما ظهرت الحاجة اللي جواه...
أنا وحسام سكتنا.
كان قفل دهب قديم.
مش ضخم بشكل مبالغ فيه، لكنه واضح إنه تقيل ومصنوع بإتقان رهيب.
دهب أصفر لونه غني، منقوش عليه فروع صغيرة وزهور لوتس متشابكة.
وفي منتصفه أحجار خضراء غامقة مرصعة بعناية.
قربت منه.
النقش كان دقيق جدًا.
التفاصيل صغيرة لدرجة إن كل ورقة وكل بتلة زهرة كانت باينة لوحدها.
قلت من غير ما أحس
دي تحفة.
الست قالت
القفل ده في عيلتنا من زمان قوي. أمي أخدته من أمها، وأمها كانت واخداه من اللي قبلها.
حسام مد إيده.
ممكن أشوفه؟
ادتهوله.
أول ما أخده، عينيه لمعت.
ناولني القفل وقال
محمود... الميزان.
طلعت الميزان الإلكتروني الصغير وحطيته فوق ترابيزة في آخر الطرقة.
حطينا القفل عليه.
ظهر الرقم
200 0 جرام.
قلت
ميتين جرام بالظبط.
حسام رفع حاجبه.
وزن محترم.
طلعت جهاز فحص المعادن.
ثبتنا القطعة.
وشغلت الجهاز.
بعد لحظات ظهرت القراءة.
بصيت للشاشة.
ذهب 999 9.
قلت
دهب نقي تقريبًا... عيار 24.
الست سألت
يعني كويس يا ابني؟
قلت
ممتاز يا حاجة.
وبدأت أحسب في دماغي.
جرام الدهب النهارده بحوالي
6000 جنيه.
200 جرام 6000 جنيه
1200000 جنيه.
يعني مليون وميتين ألف جنيه قيمة الدهب الخام لوحده.
لكن القفل ده ماينفعش يتحسب كده وبس.
الصنعة قديمة.
النقوش يدوية.
الأحجار نفسها ممكن تكون ليها قيمة.
والقطعة واضح إنها قديمة ونادرة.
لو اتعرضت على حد بيجمع مقتنيات أو تاجر متخصص، ممكن بسهولة تتباع بزيادة 30 على الأقل.
يعني قيمتها ممكن توصل لحوالي
1560000 جنيه.
ويمكن أكتر.
وبحسب قاعدة شغلتنا...
إحنا المفروض مانكسبش فيها جنيه.
بصيت لحسام.
كنت مستنيه يقول للست السعر العادل.
لكنه كان ساكت.
بيبص للقفل.
ويبص للست.
وبعدين يرجع للقفل.
عرفت النظرة دي.
نظرة الطمع.
قربت منه وقلت بهدوء
حسام...
رفع عينه ناحيتي.
قلت
فاكر إحنا فين؟
بص حوالينا.
مستشفى.
قلت
يبقى عارف القاعدة.
ما ردش.
فضل ثواني باصص للقفل.
وبعدين أخد نفس عميق.
ورسم ابتسامة على وشه.
وقتها قلبي اتقبض.
2
قرب حسام من الست وقال
بصي يا حاجة، القفل الحمد لله مافيهوش مشكلة، والدهب نضيف جدًا.
تنفست براحة.
الحمد لله. يعمل كام يا ابني؟
حسام قال
سعر الجرام في السوق حوالي ستة آلاف جنيه.
وش الست نور شوية.
لكن حسام كمل
إنما طبعًا ده سعر بيع، مش سعر شراء.
أنا بصيتله فورًا.
الست سألت
يعني إيه؟
قال
يعني أنا ممكن آخده منك على خمسة آلاف جنيه للجرام.
الست اتفاجئت.
خمسة آلاف؟ ما إنت لسه قايل الجرام بستة!
حسام هز راسه.
صح، لكن حضرتك القفل بتاعك قديم.
مسكه وبدأ يقلبه بين إيديه.
وأنا لما أشتريه مش مضمون ألاقي حد عايزه بالشكل ده. ممكن أضطر أصهره، وفيه فاقد ومصاريف شغل وتحليل ونقل...
كنت سامعه ومش مصدق.
قطعة كان من شوية بيقول لي بعنيه إنها كنز...
دلوقتي بيقنع الست إنها محتاجة تتصهر!
الست قالت
يعني هتديني كام؟
فتح الآلة الحاسبة.
200 جرام في 5000.
وبعدين قال
مليون جنيه.
سكتت.
وأنا مسكت حسام من دراعه.
تعالى ثانية.
أخدته بعيد عنها.
قلت بصوت واطي
إنت بتعمل إيه؟
بشتري.
إنت عارف إن القفل خام بس بمليون وميتين!
قال
عارف.
قلت
وعارف إنه ممكن يعدي مليون ونص!
ابتسم.
عارف برضه.
بصيتله بعدم تصديق.
أمال بتعرض عليها مليون ليه؟
قرب مني.
علشان أشتريه رخيص.
قلت
إحنا في مستشفى يا حسام!
ملامحه نشفت.
وبعدين؟
وبعدين إيه؟ قاعدة السوق!
ضحك.
يا محمود، فوق بقى.
ده مش وقت مبادئ.
وأشار للقفل.
القطعة دي لو اتصرفت صح، ممكن نعمل منها نص مليون مكسب وإحنا قاعدين.
قلت
الست بتبيع علشان حفيدتها!
قال
وأنا مالي؟
سكت لحظة.
وبعدين قال
اسمع، الصفقة دي لو تمت ليك نصيبك زي كل مرة.
قلت
وأنا مش عايز فلوسها.
ملامحه اتغيرت.
ماتعملش فيها شيخ عليا.
قرب أكتر.
إنت فاكر مين اللي دخلك السوق؟
ما رديتش.
مين اللي عرفك التجار؟
سكت.
قال
مين اللي وقف جنبك لما أمك مرضت وكنت محتاج فلوس؟
نزّلت عيني.
قال
يبقى ماتقفليش رزقي.
عارف إنه لو زعل مني، يقدر يقطع عني شغل كتير.
والحقيقة إن أمي فعلًا علاجها الشهري كان بيستنزف