رجل المافيا

لمحة نيوز

بعد أقل من عشر دقايق، قصر الصاوي اتحول لسجن.
الأبواب الحديد اتقفلت.
البوابات الإلكترونية اتقفلت.
الحراس انتشروا في الممرات، واتسحبت موبايلات كل العاملين، من الطباخ لحد أفراد التمريض.
وكرم وقف في نص المكتبة وقال بصوت سمعه كل اللي في الدور
بأمر جابر بيه... محدش هيخرج من هنا. واللي يحاول يخرج، يبقى بيقول بنفسه إنه عنده حاجة يخبيها.
كنت واقفة جنب الحيطة، لسه آثار دم جابر على هدومي وإيدي.
كل اللي كنت عايزاه إني أغسل إيدي وأرجع أوضتي.
لكن جابر ما سمحليش.
بعد ما حرارته بدأت تنزل واستقرت حالته نسبيًا، فتح عينيه وبصلي.
مريم.
قربت منه بحذر.
نعم؟
أشار بعينه ناحية الطبق اللي فيه الغرز السودا.
إنتِ متأكدة إنك شوفتي الخيط ده قبل كده؟
شبهه، آه.
فين؟
المصنع اللي كانت أمي بتشتغل فيه.
سكت لحظة، وبعدين سأل
المصنع لسه موجود؟
اترددت.
أعتقد آه.
لف ناحية كرم.
بكرة الصبح... تروح معاها.
الدكتور هشام، اللي كان لسه واقف في آخر الأوضة تحت حراسة اتنين من رجالة جابر، قال بعصبية
حضرتك بتبني اتهام قتل على كلام عاملة نظافة؟
جابر بصله.
نظرة واحدة بس خلت الدكتور يسكت.
وبعدين جابر قال
لأ.
وأشار للغرز.
ببني اتهام قتل على ست قطع خيط كانوا بيموتوني.
الدكتور هشام شد فكه.
وأنا اللي أنقذت حياتك بعد الرصاصة.
عشان كده لسه عايش وواقف قدامي.
رد جابر بهدوء.
وبعدين كمل
لكن لحد ما أعرف مين حط الخيط ده... كل واحد لمس جرحي مشتبه فيه.
وش الدكتور هشام اتغير.
لأول مرة، شفت الخوف الحقيقي في عينيه.
لكن اللي حصل بعدها خلّى الموضوع كله يتقلب.
واحد من الحراس دخل بسرعة.
كرم بيه...
إيه؟
في حد حاول يخرج من باب المطبخ الخلفي.
كرم رفع رأسه.
مين؟
الحارس اتردد.
مدام نادية.
الصمت نزل على الأوضة.
أنا ما كنتش أعرف مين نادية.
لكن من تعبير وشوش الموجودين فهمت إنها مش واحدة من الخدم.
جابر نفسه حاول يرفع رأسه.
هاتوها.
بعد دقايق دخلت ست في أواخر الخمسينات.
لبسها شيك جدًا، شعرها مرتب، ووشها هادي بطريقة غريبة.
كانت نادية الصاوي...
أخت جابر الكبيرة.
وأقرب شخص ليه من عيلته.
وقفت قدام أخوها وقالت بعصبية
هو أنا بقيت سجينة في بيت أخويا؟
جابر رد
كنتِ رايحة فين؟
بيتي.
الساعة اتنين ونص بالليل؟
أيوه.
بعد ما قلت محدش يخرج؟
نادية ضحكت بسخرية.
أنا مش واحدة من رجالتك يا جابر.
كرم دخل في الكلام
والحارس بيقول إن حضرتك حاولتي تخرجي من باب الخدم، مش الباب الرئيسي.
نادية بصتله بحدة.
إنت بتستجوبني؟
جابر رفع إيده.
الكل سكت.
بص لأخته وقال
شنطتك.
إيه؟
هاتي شنطتك.
رفضت في الأول.
لكن واحد من الحراس كان شايلها أصلًا.
حطها على الترابيزة.
كرم فتحها.
محفظة.
مفاتيح.
دواء ضغط.
مناديل.
وبعدين...
علبة معدنية صغيرة.
كرم فتحها.
وكان جواها بكر خيط أسود.
شهقت من غير ما أقصد.
نفس اللون.
نفس السمك تقريبًا.
نادية بصتلي.
وفي اللحظة اللي عينيها قابلت عيني...
حسيت إنها عرفت بالظبط أنا بفكر في إيه.
كرم رفع البكرة.
دي إيه؟
نادية ردت بسرعة
معرفش.
موجودة في شنطتك.
حد حطها.
الدكتور هشام ضحك بسخرية.
طبعًا.
نادية لفت ناحيته.
وإنت اخرس! إنت أول واحد المفروض يتسأل. إنت اللي عملت العملية.
الدكتور رد
وأنا أستخدم خيط صناعي ليه؟
عشان تقتله!
الصوت علي.
الاتهامات بدأت تتبادل.
لكن وسط كل ده...
أنا كنت ببص للبكرة.
وفي حاجة مضايقاني.
قربت خطوة.
ممكن أشوفها؟
كرم بص لجابر.
جابر هز رأسه.
لبست جوانتي، ومسكت طرف الخيط.
قربته من مناخيري.
مفيش ريحة لوز محروق.
ولا النحاس.
فركته بين صوابعي.
وبعدين قلت
ده مش هو.
الجميع سكت.
كرم قرب مني.
يعني إيه؟
رفعت البكرة.
شبهه في الشكل، لكن مش نفس الخيط.
نادية بصتلي بدهشة.
يمكن كانت متوقعة إني أتهمها.
قلت
الخيط اللي طلع من كتفه كان مجدول من أكتر من طبقة، وكان ناشف بطريقة مختلفة. ده خيط عادي.
جابر سأل
يعني حد حطه في شنطتها؟
غالبًا.
وهنا نادية اتغير وشها.
مش خوف.
غضب.
قالت
حد عايز يلبسني المصيبة.
جابر غمض عينيه ثواني.
وبعدين قال
يبقى اللي عملها عارف إننا بندور عليه.
وقتها حسيت ببرودة في ضهري.
لأن ده معناه إن الشخص اللي سمم جابر...
لسه جوه البيت.
ولسه بيتحرك.
تاني يوم الصبح، خرجت أنا وكرم ومعانا اتنين حراس للمصنع القديم.
المكان كان في منطقة صناعية بعيدة.
المصنع نفسه بقى أصغر من زمان، لكن جزء كبير من المعدات القديمة كان لسه موجود.
قابلنا راجل كبير اسمه عم صابر.
أول ما وريته واحدة من الغرز في كيس شفاف...
وشه اتغير.
جبتوا دي منين؟
كرم قال
تعرفها؟
عم صابر ما ردش.
بصلي.
إنتِ بنت مين؟
قلتله اسم أمي.
عينيه وسعت.
إنتِ بنت أمينة؟
اتصدمت.
حضرتك تعرف أمي؟
اشتغلنا مع بعض تلاتين سنة.
سكت شوية.
وبعدين بص للخيط.
أمك كانت بتكره النوع ده.
كرم قرب منه.
ليه؟
عم صابر دخل مخزن قديم، ورجع بملف ورق مترب.
فتحه قدامنا.
ده خيط صناعي كان بيتستخدم زمان في أقمشة مقاومة للحريق. الشركة اللي كانت بتورده استخدمت مادة معالجة فيها مركبات سامة. اتحظر من سنين بعد ما عمال كتير اتصابوا بمشاكل جلدية وتنفسية.
قلبي بدأ يدق.
سألته
ولو اتحط جوه جسم إنسان؟
بصلي باستغراب.
جوه جسم إنسان؟
كرم قال بحدة
جاوب.
عم صابر بلع ريقه.
الجسم هيرفضه طبعًا. ومع الحركة والسخونة والسوائل، المواد اللي فيه ممكن تبدأ تتسرب.
كرم سأل
ممكن تعمل تسمم؟
على حسب المادة والكمية... ممكن تعمل مصيبة.
وبعدين قال جملة خلتني أبصله فورًا.
بس النوع ده اختفى من السوق من أكتر من عشر سنين.
سألته
يعني مستحيل حد يشتريه دلوقتي؟
هز رأسه.
جديد؟ آه.
وبعدين سكت.
لكن...
كرم قرب.
لكن إيه؟
عم صابر أشار ناحية آخر المخزن.
من حوالي شهر، حد جه هنا وسأل عن مخزون قديم كان المفروض يتعدم.
بصينا لبعض.
كرم سأله
مين؟
معرفش اسمه.
راجل ولا ست؟
راجل.
شكله؟
في الأربعينات تقريبًا. لابس نضارة. شيك. وقال إنه بيشتغل في تصميم ملابس مسرحية وعايز خامات قديمة.
كرم طلع موبايله وبدأ يوريه صور.
حراس.
موظفين.
السواقين.
الدكتور هشام.
عم صابر كان بيهز رأسه.
لحد ما وصل لصورة معينة.
إصبعه وقف.
وشه شحب.
هو ده.
بصيت للصورة.
وعرفت الشخص فورًا.
سامح.
الممرض الخاص بجابر.
الراجل اللي كان موجود معاه ليل ونهار من يوم إطلاق النار.
رجعنا القصر بسرعة.
لكن أول ما العربية دخلت البوابة...
عرفنا إن فيه حاجة حصلت.
الحراس كانوا بيجروا.
كرم نزل قبل ما العربية تقف.
سامح فين؟!
واحد من الرجالة رد
بندور عليه.
يعني إيه بندور عليه؟!
اختفى.
دخلنا البيت.
أوضته كانت فاضية.
دولابه مفتوح.
هدومه موجودة.
موبايله موجود.
حتى محفظته كانت على الترابيزة.
كأنه اختفى في ثانية.
كرم كان هيجن.
اقفلوا البيت كله! السطح، البدروم، الجراج... كل حتة!
وأنا واقفة عند باب أوضته...
لاحظت حاجة صغيرة.
طرف ورقة طالع من تحت السرير.
انحنيت وسحبتها.
كانت فاتورة.
فاتورة شراء من محل أدوات خياطة قديمة.
التاريخ؟
قبل إصابة جابر بأربعة أيام.
لكن فيه حاجة أهم.
اسم المشتري المكتوب على الفاتورة ما كانش سامح.
كان
الدكتور هشام كامل.
جريت ناحية المكتبة.
دخلت وأنا ماسكة الورقة.
لكن أول ما دخلت...
لقيت الدكتور هشام مش موجود.
وجابر واقف حواليه الحراس.
صرخت
الدكتور فين؟!
كرم لف ناحيتي.
ليه؟
ناولته الفاتورة.
قرأ الاسم.
وفي اللحظة دي...
صوت طلقة نار جه من الدور السفلي.
جرينا كلنا.
لقينا سامح واقع عند باب المخزن، والدم نازل من كتفه.
لسه عايش.
واحد من الحراس كان واقف فوقه بمسدسه.
لقيته مستخبي جوه.
كرم مسكه من هدومه.
مين اللي أمرك؟!
سامح كان بيتنفس بصعوبة.
بص ناحية جابر.
وبعدين ناحية الدكتور هشام اللي وصل وراينا.
وفجأة...
سامح قال
أنا ما حطتش الغرز.
الدكتور هشام صرخ
كداب!
لكن سامح رفع إيده المرتعشة وأشار ناحيته.
هو اللي إداني الخيط.
كل العيون راحت للدكتور.
هشام اتجمد.
جابر قال بصوت هادي
كمل.
سامح قال
الدكتور قال إن دي خيوط طبية جديدة... وقال لازم أستخدمها في تغيير غرزة داخلية فتحت بعد العملية.
الدكتور هشام صرخ

تم نسخ الرابط