ابنى سابنى فى البيت
المحتويات
بكرة الصبح ناس جايين ياخدوكي من دار رعاية... فافتكرت إنك مستنياهم.
الجملة دي كانت كفاية.
ما استنيتش أكتر.
ركبت التاكسي وقلت للسواق
على محطة القطر لو سمحت.
وصلت المحطة وحجزت تذكرة لقطر الليل المتجه للمنصورة.
ولأول مرة من سنين...
اخترت كرسي لنفسي أنا وبس.
قعدت جنب الشباك، حطيت الشنطة عند رجلي، وضميت الملف على صدري.
وأول ما القطر بدأ يتحرك ويبعد عن القاهرة، الموبايل بدأ يرن.
رسالة من نهى
إنتِ عملتي إيه في الكارت؟
وبعدها
إحنا في المطعم والكارت مش شغال.
وبعدين رسالة من أحمد
ماما، فين حطيتي دفاتر البنك بتاعتك؟
وبعدها بدقايق
ردي يا ماما. بكرة الناس جايين ياخدوكي.
فضلت باصة للشاشة.
ولا رسالة واحدة فيهم كانت
إنتِ فين؟
ولا
إنتِ كويسة؟
ولا حتى
خرجتي لوحدك ليه؟
كل اللي كانوا بيسألوا عنه...
فلوسي.
قفلت الموبايل.
وبصيت من شباك القطر على أنوار القاهرة وهي بتبعد واحدة واحدة.
ولما وصلت شقتي القديمة في المنصورة وفتحت الباب، ريحة المكان رجعتلي ذكريات سنين.
دخلت.
قفلت الباب ورايا.
حطيت الشنطة على الأرض.
وساعتها بس...
عيطت.
عيطت لأول مرة من ساعة ما بدأت أفهم هما كانوا بيعملوا فيا إيه.
وفي لحظة ضعف، فكرت أستسلم.
قلت لنفسي
ده ابني في الآخر.
يمكن أواجهه وخلاص.
يمكن أسيبله الشقة وأشتري راحة دماغي.
لكن بعد ما هديت شوية، طلعت الملف تاني.
وقعدت أراجع التقرير الطبي كلمة كلمة.
التقرير بيقول إني اتكشفت قبل أسبوعين في عيادة خاصة في المعادي.
وإن التشخيص كان
تدهور إدراكي شديد.
فضلت باصة للجملة.
أنا عمري ما رحت العيادة دي.
ولا أعرف الدكتور اللي ماضي على التقرير.
وفجأة افتكرت حاجة.
قبلها بفترة قصيرة، نهى كانت طلبت مني بطاقة التأمين وصورة من بطاقتي الشخصية.
وقالتلي
محتاجاهم يومين تلاتة بس عشان بنحدّث بيانات العيلة.
وفعلًا فضلت أوراقي معاها حوالي تلات أيام.
الصبح، أول ما الساعة بقت مناسبة، اتصلت بالمستشار شريف سالم.
محامي كنت بدأت أستشيره في السر من كام أسبوع، بعد ما حسيت إن فيه حاجات غريبة بتحصل حواليا.
أول ما شرحتله اللي اكتشفته، قاللي
قبل أي خطوة، لازم نثبت رسميًا إن التقرير اللي معاهم ما بيمثلش حالتك الصحية الحقيقية. النهارده، مش بكرة.
روحت للدكتور محمود حمدي، دكتوري اللي بيتابعني من سنين.
قعد معايا تقريبًا ساعة كاملة.
سألني عن التاريخ.
عن المكان.
عن حساباتي.
عن أدوية باخدها.
خلاني أعمل اختبارات للذاكرة والتركيز واتخاذ القرار.
وفي الآخر شال النظارة من على عينه وبصلي باستغراب.
مدام سعاد... أنا مش شايف عندك أي علامات تدل على تدهور إدراكي بالشكل المكتوب في التقرير ده.
سكت شوية، وبعدين كمل
إنتِ مدركة للزمان والمكان، ذاكرتك كويسة، بتديري حساباتك بنفسك، وفاهمة قراراتك المالية والقانونية بشكل طبيعي.
خرجت من عنده وأنا ماسكة شهادة طبية موقعة ومختومة تثبت الكلام ده.
لكن لسه كان عندي سؤال أهم.
مين اللي راح العيادة باسمي؟
اتصلت بالعيادة.
في الأول رفضوا يقولولي أي تفاصيل.
لكن بعد ما أكدت بياناتي وشرحت إن فيه شبهة انتحال لشخصيتي، موظفة الاستقبال راجعت السجل.
وقالت
أيوه، عندنا زيارة باسم سعاد عبد الرحمن.
قلبي بدأ يدق أسرع.
سألتها
كنت لوحدي؟
قالت
لأ، حضرتك جيتي معاكي ست قدمت نفسها على إنها بنتك.
اتجمدت.
أنا أصلًا...
ما عنديش بنات.
قلت
ممكن تقوليلي أي وصف مكتوب للمريضة؟
سمعتها بتقلب في البيانات.
وبعدين قالت
فيه ملاحظة إن المريضة كانت لابسة بالطو أحمر غامق.
إيدي بردت.
لأني كنت أعرف البالطو ده.
والدة نهى، مدام عفاف.
كانت تقريبًا في سني.
جسمها قريب جدًا من جسمي.
وكان عندها بالطو أحمر غامق بتلبسه كل شتاء.
قفلت المكالمة وأنا مش مصدقة.
بدأت الصورة تكتمل.
نهى أخدت بطاقتي وأوراقي.
وبعدين أخدت أمها للعيادة.
وخلوها تدخل باسمي.
ويطلعوا تقرير طبي يقول إني مصابة بتدهور إدراكي شديد.
كانوا بيبنوا ملف كامل يثبت إني مش قادرة أدير أموري بنفسي.
لكن حتى دي...
ما كانتش أكبر صدمة.
المستشار شريف بدأ يراجع موضوع المليون و ألف جنيه اللي كنت حولتهم لأحمد من خمس سنين.
أنا طول الوقت كنت فاكرة إن الفلوس اتحطت في البيت.
أحمد بنفسه قالي وقتها
كده يا ماما هنقلل قيمة القرض جدًا، والبيت هيبقى أمان لينا كلنا.
لكن الأوراق قالت حاجة مختلفة تمامًا.
البيت اللي أحمد عايش فيه كان متشري بقرض عقاري بيغطي تقريبًا كامل ثمنه.
يعني فلوسي...
ما دخلتش في تمن البيت أصلًا.
المحامي تتبع التحويلات.
وبعد ثلاثة أيام فقط من اليوم اللي حولت فيه الفلوس لأحمد...
المبلغ بالكامل وصل لحساب شركة اسمها
الوادي للاستثمار العقاري.
وصاحب الشركة كان...
حسين، والد نهى.
والأغرب إن الشركة سجلت المليون و ألف جنيه في أوراقها تحت بند
أتعاب استشارات.
ضحكت وأنا بقرأ الجملة.
ضحكة من كتر الصدمة.
استشارات إيه؟ أنا عمري ما طلبت منهم أي استشارة!
لكن المستشار شريف قاللي
استني... فيه حاجة تانية.
ساعتها افتكرت ورقة كنت لقيتها مرمية في زبالة بيت أحمد قبل ما أمشي.
كنت خدت الورقة معايا من غير ما أعرف أهميتها.
طلعتها من الملف.
كانت تقييم سعر حديث لشقتي في المنصورة.
ومين اللي عامل التقييم؟
نفس الشركة.
شركة والد نهى.
ساعتها فهمت إن الموضوع أكبر بكتير من مجرد ابن طماع عايز شقة أمه.
هما استخدموا فلوسي من خمس سنين عشان يمولوا شغل أهل نهى.
وبعدها، لما فضل باسمي أصل عقاري ممكن يتباع...
بدأوا يجهزوا الناس لفكرة إني فقدت عقلي.
قالوا للقرايب إني مصابة بالخرف.
عملوا تقرير طبي باسمي.
جهزوا دار رعاية.
قيّموا شقتي.
وكان المطلوب بعد كده بسيط
يخرجوني من الصورة.
وبعدها يتصرفوا في ممتلكاتي، والناس كلها مقتنعة إنهم مجرد عيلة بتحاول تحمي أم مريضة.
مرت أيام وأنا بجمع كل حاجة.
كشوف الحساب.
التحويل البنكي.
التقرير الطبي المزور.
شهادة دكتوري.
تقييم الشقة.
صور الرسائل.
وملاحظات أحمد ونهى.
لحد يوم الأحد.
الموبايل رن.
رسالة من أحمد
إحنا جايين كلنا المنصورة.
وبعدها
خلي أوراقك جاهزة.
ثم
كفاية اللي حصل. جه الوقت نقرر مستقبلك.
قريت الرسالة مرتين.
نقرر مستقبلك.
كأن حياتي بقت ملكهم.
كأن شقتي ملكهم.
كأن فلوسي ملكهم.
كأن حتى عقلي محتاج موافقتهم عشان يفضل بتاعي.
فتحت المحادثة.
وكتبت كلمتين بس
مستنياكم.
وبعت الرسالة.
حطيت الموبايل على السفرة.
وبصيت قدامي.
كل الأدلة كانت مترتبة فوق الترابيزة.
ملف المليون و ألف.
ملف العيادة.
الشهادة الطبية.
تقييم الشقة.
والرسائل.
أحمد ونهى كانوا جايين المنصورة وهم فاكرين إنهم هيقابلوا ست عندها 68 سنة، لو ضغطوا عليها شوية هتخاف وتمضي.
كانوا فاكرين إنهم جايين ياخدوا أوراقي...
وبعدها ياخدوني أنا.
لكنهم ماكانوش يعرفوا إن المستشار شريف كان خلص قبلها بساعات إجراء قانوني مهم جدًا...
إجراء قفل قدامهم أول باب كانوا ناويين يهربوا منه.
ولما عربية أحمد وقفت تحت البيت يوم الأحد، ماكانش جاي لوحده.
نهى كانت معاه.
وأبوها حسين وأمها عفاف كانوا معاهم كمان.
طلعت من الشباك وبصيت عليهم وهما نازلين من العربية.
عفاف كانت لابسة بالطو أسود المرة دي.
لكن أنا كل اللي كنت شايفاه...
كان البالطو الأحمر.
قفلت الستارة ورجعت قعدت قدام الترابيزة.
وبعد أقل من دقيقتين...
جرس الباب رن.
لكن قبل ما أقوم أفتح، المستشار شريف بصلي وقال
افتحي يا مدام سعاد.
وبعدين حط إيده على الملف اللي قدامه وأضاف
دلوقتي نخليهم هما اللي يشرحوا.
يتبع الجزء الثالث والأخير.
الجزء الثالث والأخير
جرس الباب رن للمرة التانية.
بصيت للمستشار شريف.
هز راسه بهدوء وقال
افتحي يا مدام سعاد... وخليكي طبيعية.
قمت وفتحت الباب.
أحمد كان أول واحد واقف قدامي.
ورا منه نهى، وأبوها حسين، وأمها عفاف.
أحمد دخل من غير حتى ما يستأذن.
إيه اللي إنتِ عملتيه ده يا ماما؟!
بصيتله بهدوء.
صباح الخير يا أحمد.
صباح خير إيه؟ إنتِ هربتي من البيت، وقفتي الكارت، وقفتي الفواتير، ومحدش عارف يكلمك!
نهى دخلت وراه وهي متعصبة.
وإحنا اتفضحنا في المطعم بسبب الكارت اللي حضرتك وقفتيه فجأة!
بصيتلها.
اتفضحتوا عشان كارت باسمي مبقاش بيدفع حساب عشاكم؟
سكتت لحظة.
وبعدين قالت
مش ده الموضوع.
أمال إيه الموضوع؟
أحمد قرب مني وقال بنبرة كأنه بيكلم طفلة
ماما، إحنا مش جايين نتخانق. إحنا جايين ناخدك ونرجع القاهرة. المكان اللي اخترناه ليكي ممتاز،
متابعة القراءة