قبل ما اولد بايام

لمحة نيوز

أساعدك.
ردت
أقدر لوحدي.
مريم، أنا مش عايزك تفتكري إني واقف مع أهلي.
بصتله.
ودي المشكلة.
سكت.
إنت طول السنين دي مكنتش واقف مع حد. ولما حد بيتظلم، إنك تفضل واقف في النص مش حياد.
من بعيد، سعاد حاولت تقرب.
موظفة الشرطة منعتها.
قالت سعاد
أنا كنت عايزة مصلحتك.
مريم بصتلها.
أنا كنت بشتغل، وبطبخ، وبنضف، وبسكت.
ثم حملت شنطتها.
الحاجة الوحيدة اللي بطلت أعملها هي إني أطيع من غير ما أسأل.
سعاد بصت لكريم، مستنية منه يدافع عنها.
كريم سكت.
مريم ابتسمت بحزن.
شايفة؟
ثم قالت
لسه بتعمل نفس الحاجة.
خرجت.
الجملة دي فضلت تطارد كريم فترة طويلة.
بدأ يراجع كل حاجة حصلت في السنين اللي فاتت.
الرسائل.
الخناقات.
المواقف اللي أمه كانت بتقلل فيها من مريم.
وكل مرة هو كان يقول
سيبيها.
ماتكبريش الموضوع.
دي أمي.
لأول مرة فهم إن اللي حصل في أوضة البخار ماكانش حادثة منفصلة.
كان مجرد آخر حلقة في سلسلة طويلة من السكوت والتنازلات.
راح لمعالج نفسي.
وحكى له كل حاجة.
وقال
أنا كنت بحاول أحافظ على السلام.
المعالج سأله
السلام كان لمين؟
كريم سكت.
ومعرفش يجاوب.
أما سعاد، ففضلت تقول إن مريم بتبالغ.
لكن التقارير الطبية أثبتت إن مريم كانت مصابة بجفاف شديد وإجهاد حراري، وإن حرارة جسمها أثرت على الجنين.
وشهادة الإسعاف أكدت إن المكان كان خطر وقت إنقاذها.
والورقة كانت بخط سعاد.
والرسائل كانت واضحة.
أما جلال، فخبرته في الحماية المدنية خلت موقفه أصعب، لأنه ماقدرش يقول إنه مكنش فاهم خطورة اللي بيحصل.
وبعد شهور من التحقيق والمحاكمة، صدر الحكم.
سعاد اتحكم عليها بالسجن وإلزامها بالتعويض.
وجلال أخد عقوبة أقل، وغرامة ومنع من بعض الأنشطة، وخسر شغله وتعاقداته القديمة.
واضطروا يبيعوا البيت عشان يسددوا المصاريف والتعويضات.
وفي يوم، كريم قال لأمه
مش هسمحلك تقربي من يوسف.
صرخت
أنا جدته!
رد
كونك من العيلة مش بيديكي الحق تحبسي حد أو تأذيه.
كل اللي عملته كان عشانك!
لأ يا أمي.
سكت لحظة.
إنتِ عملتيه عشان كنتِ عايزة تتحكمي في كل الناس.
كانت دي أول مرة كريم يقف قدام أمه.
لكنها كانت متأخرة جدًا.
مريم ما رجعتش له.
في جلسة الطلاق، وصلت وهي بتدفع عربية يوسف.
كريم لحقها بعد الجلسة.
قال
مريم أنا اتغيرت.
كويس.
بطلت أكلم أمي. نقلت لوحدي. بدأت علاج نفسي. عايز أصلح اللي عملته.
سكت لحظة.
لسه ممكن نرجع؟
مريم بصتله.
لأ.
بس عندنا طفل.
وعشان عندنا طفل، مش هرجعه لمكان كنت أنا فيه بخاف أطلب حقي.
أنا مصدقك دلوقتي.
ابتسمت بحزن.
دلوقتي، بعد الشرطة والإسعاف والمحضر والقاضي.
وسكتت.
لما كانت كلمتي هي الدليل الوحيد، إنت اخترت راحتك.
كريم نزل عينه.
كنت خايف أخسر عيلتي.
مريم قالت
ومن كتر ما خفت تختار، خسرتنا.

بعد شهور، مريم رجعت تستخدم اسم عيلتها.
قعدت فترة عند أبوها حسن لحد ما قدرت تأجر شقة صغيرة.
فلوسها اللي كانت محوشاها راحت في المحامي، والنقل، ومصاريف الطفل.
لكنها عمرها ما ندمت.
وفي صباح من صباحات مايو، كان أبوها بيحاول يركب عربية يوسف.
بص في الكتالوج وقال
العربية دي فيها أربعين قطعة! هو أنا بركب عربية ولا ببني عمارة؟
ضحكت مريم.
يا بابا، إنت مركب العجل الأمامي مكان الخلفي.
رد
ده تصميم جديد يا بنتي.
ضحكت.
يوسف كان نايم على بطانية صغيرة في الجنينة.
ومريم رفعت عينيها.
كانت شجرة الياسمين مليانة زهور بيضا.
وقفت تتأملها.
كلمة واحدة كانت كفاية يومها عشان أبوها يفهم إنها في خطر.
كلمة واحدة
ياسمين.
حسن قرب منها.
ساعات بفكر إزاي قدرتي تفضلي هادية جوه الأوضة دي.
مريم هزت راسها.
أنا مكنتش شجاعة طول الوقت يا بابا.
كنتِ شجاعة بالقدر الكفاية.
بصت ليوسف.
وبعدين قالت
أكتر حاجة وجعتني مش القفل.
أبوها سكت.
اللي وجعني إن كان فيه تلاتة كبار يقدروا يمنعوا اللي حصل.
رفعت عينيها.
حماتي هي اللي قفلت.
حمايا كان فاهم الخطر وسكت.
وكريم كان بقاله سنين بيسمعني، وكل مرة يقرر إنه مايتدخلش.
دمعة نزلت على خدها.
القفل كان حديد بس اللي حبسني بجد كان سكوتهم.
أبوها مسك إيدها.
ومريم أخدت نفس عميق.
المرة دي الهوا دخل صدرها من غير خوف.
مفيش أوضة مقفولة.
مفيش حرارة خانقة.
مفيش حد بيقول لها إنها بتبالغ.
قدامها ابنها.
وجنبها أبوها.
وقدامها حياة جديدة.
وعرفت وقتها إن أوقات الأذى مش بييجي بس من الشخص اللي بيقفل الباب.
الأذى الأكبر ممكن ييجي من الناس اللي شافوا القفل، وعرفوا إنك في خطر، واختاروا يبصوا الناحية التانية

تم نسخ الرابط