قبل ما اولد بايام
قبل ما أولد بأيام، حماتي حبستني في أوضة سخنة وكتبت على الباب عشان تتعلمي تحترمي عيلتنا لكن اللي حصل بعدها وصلنا للنيابة والمحكمة
الجزء الأول
عشان تتعلمي ما ترفعيش صوتك على ابني تاني، هتفضلي هنا لحد ما تبطلي شغل العند ده.
في الأول افتكرت إن حماتي بتبالغ كالعادة.
لكن أول ما سمعت صوت التكة بتاعة الكالون من الناحية التانية للباب، عرفت إنها كانت بتتكلم بجد.
أنا اسمي مريم حسن، عندي تلاتين سنة، وكنت في آخر الشهر التاسع تقريبًا، يعني في الأسبوع ال من الحمل.
والأوضة اللي حبستني فيها كانت أوضة بخار موجودة في جنينة بيت عيلة جوزي، في أطراف الفيوم.
الأوضة كانت معمولة من خشب تقيل، وجواها وابور صغير بيشتغل بالحطب.
الصبح ده، كان جوزي أبويا، الحاج جلال، مجهزها من بدري قبل ما يسافر.
وأنا كنت واقفة قدامها ماسكة جردل وممسكة ضهري بإيدي.
قلت لحماتي
يا حماتي، والله مش قادرة أنضف الأوضة دي دلوقتي. الدكتور موصيني أبعد عن الحر والمجهود، وأنا خلاص هولد في أي وقت.
بصتلي حماتي، سعاد، وضحكت بسخرية.
يا بنتي إحنا زمان كنا بنشتغل لحد يوم الولادة. إنما أنتم جيل دلع.
قلت بهدوء
أنا مش بدلع، أنا بس خايفة على البيبي.
قالت
ادخلي نضفي وخلاص.
بصيت ناحية حمايا جلال.
كان راجل معدّي الستين، متقاعد من الحماية المدنية، وقضى سنين طويلة في شغله بيتعامل مع الحر والحرائق وحالات الاختناق.
كنت مستنية منه يقول لها
سيبيها، دي حامل.
لكنه بص في الأرض وقال
خلصي بسرعة يا مريم. مش هتطولي.
ساعتها دخلت.
مش عشان مقتنعة.
لكن عشان كنت بقالي تلات سنين متجوزة ابنهم وعرفت إن كل خناقة بتحصل بنفس الطريقة.
سعاد تصرخ.
جوزي كريم يقول
معلش يا مريم، بلاش تكبري الموضوع.
وجلال يسكت.
دخلت الأوضة.
وبعد ثواني سمعت الباب بيتقفل.
لفيت بسرعة.
إيه ده؟!
وش حماتي ظهر من الشباك الصغير.
كانت ماسكة ورقة وقلم.
إنتِ بتعملي إيه يا حماتي؟
قالت ببرود
يمكن التفكير لوحدك شوية يفيدك.
وبعدين علقت الورقة على الباب جنب الكالون.
مكتوب عليها بخط كبير
عشان تتعلمي تحترمي عيلتك.
جريت على الباب وخبطت عليه.
افتحي يا حماتي!
ردت
كريم راجع النهارده. وهو اللي يقرر هتخرجي ولا لأ.
بصيت ناحية حمايا.
كان واقف جنب الشنط.
قلت
يا حاج جلال! افتحلي!
بص للباب.
وبعدين بص لمراته.
وقال
يلا يا سعاد، هنلحق الأتوبيس بالعافية.
وسابني.
خرجوا.
وسمعت صوت العربية وهي بتبعد.
وقتها افتكرت كلام أبويا حسن، اللي كان شغال زمان مسعف في القوات المسلحة
في أي حالة طوارئ، ما تستهلكيش قوتك كلها في الصراخ. خلي عندك طاقة للحظة اللي هتحتاجي فيها تنقذي نفسك.
بللت رقبتي وإيديا بالمية.
وبصيت حواليا.
الجو كان خانق.
الحرارة بتزيد.
وفجأة جالي أول ألم قوي.
انقباضة.
مسكت بطني.
يا رب
طلعت موبايلي.
الإشارة كانت ضعيفة جدًا.
لقيت عندي شرطة واحدة.
كريم كان بعيد حوالي تلات ساعات ونص في شغله، بيصلح معدات زراعية.
لكن أبويا كان عارف كلمة معينة.
كلمة اتفقنا عليها من سنين.
لو بعتها له، يبقى معناها
أنا في خطر ومش قادرة أشرح. تعالى فورًا.
كتبت كلمة واحدة
ياسمين.
ودوست إرسال.
في الوقت ده، كانت جارتي أم محمد واقفة في بلكونتها.
كانت شافت حماتي وهي بتقفل عليا.
في الأول قالت لنفسها
دي مشاكل عائلية، وأنا مالي.
لكن بعد شوية سمعت خبط شديد من جوه الجنينة.
وبعدين سمعت صوتي.
راحت ماسكة تليفونها واتصلت بالنجدة.
ألو؟ في ست حامل في آخر الشهر التاسع محبوسة بقفل في أوضة بخار، وأهل البيت مشيوا وسابوها.
جوا الأوضة، جالي ألم تاني.
حطيت إيدي على بطني.
وفجأة الموبايل اهتز.
الرسالة اتبعت.
وفي نفس الوقت، حماتي كانت بتبعت لكريم
مراتك راحت عند أبوها كام يوم. سيبها تفكر شوية ومتكلمهاش.
كريم رد
أحسن. كده ترتاحوا كلكم.
ما كنتش أعرف إن الشخص اللي كنت مستنياه ينقذني
صدق الكذبة من غير حتى ما يتصل بيا.
وما كنتش أعرف إن اللي هيحصل بعد كده هيغيّر حياتنا كلنا.
الجزء الثاني
أبويا حسن استلم الرسالة وهو كان بيدي محاضرة إسعافات أولية.
شاف كلمة
ياسمين.
ما سألش.
ما اتصلش بيا.
لأنه كان فاهم معناها.
طلع تليفونه واتصل بالنجدة فورًا.
عندي بنتي حامل في الأسبوع ال، ومحبوسة في أوضة بخار مقفولة من بره. العنوان كذا وكذا.
وبعدها خرج جري على عربيته.
الشرطة والإسعاف وصلوا تقريبًا في نفس الوقت.
الباب الخارجي كان مقفول.
رجالة الشرطة كسروا القفل ودخلوا الجنينة.
ولما قربوا من أوضة البخار، واحد منهم لمس الباب وسحب إيده بسرعة.
الباب سخن جدًا!
كسروا الكالون.
وأول ما الباب اتفتح، اندفعت موجة هوا سخنة كأنها خبطتهم في وشهم.
لقوا مريم مرمية على الأرض، هدومها مبلولة من العرق، وإيديها حوالين بطنها.
أبويا جري عليها.
مريم! يا بنتي أنا هنا.
قالت بصوت ضعيف
بابا البيبي.
متتكلميش. خدي نفسك بس.
حطوها على الترولي.
وقبل ما يخرجوها، مسكت إيد أبويا.
الورقة
أنهي ورقة؟
اللي على الباب متشيلوهاش. هي اللي كتبتها.
الضابط بص على الورقة.
عشان تتعلمي تحترمي عيلتك.
اتصورَت الورقة، واتحفظ القفل، واتسجل كل شيء.
في المستشفى، الدكتور قال إن مريم عندها جفاف شديد، والحرارة والإجهاد أثروا عليها وعلى الجنين.
وكانت بدأت بالفعل في الولادة.
أبويا اتصل بكريم.
مرة.
كريم مردش.
اتصل تاني.
مردش.
المرة التالتة، كريم بعت رسالة
أنا في الشغل. لو مشكلة تانية بين مريم وأمي، خلوهم يحلوها.
أبويا قرأ الرسالة.
وقفل الموبايل.
بعد ساعات طويلة، وفي وسط خوف ورعب، اتولد يوسف.
أول ما الطفل عيط، مريم عيطت معاه.
الممرضة سألت
جوزها عارف؟
أبويا رد
اتصلنا بيه. هو مردش.
مريم غمضت عينيها.
وقالت
خلاص عرفت كل اللي كنت محتاجة أعرفه.
تاني يوم، جت نهى منصور، المحامية اللي مريم كانت بتتكلم معاها من فترة.
كانت مريم بالفعل محتفظة برسائل وتحويلات وإثباتات عن مشاكلها مع أهل جوزها، وكانت بتجهز بهدوء إنها تستقل ببيتها مع طفلها.
نهى حطت الملف قدامها.
وقالت
اللي