لما تعبت جوزى طلقنى
المحتويات
عايزة أطلق.
سلمى رفعت راسها بسرعة.
كانت الصدمة واضحة على وشها.
إنتِ متأكدة يا ماما؟
مريم بصت لها.
ولأول مرة من سنين، ما كانش في صوتها تردد.
عمري ما كنت متأكدة من حاجة قد كده.
بعد يومين
ظهر أحمد لأول مرة في المستشفى.
لكن ما جاش ومعاه ورد.
ولا حتى سأل عن العلاج.
ولا سأل مريم عاملة إيه.
دخل الغرفة وهو لابس بدلة أنيقة جدًا، وشكله مرتب كأنه رايح اجتماع مهم.
حط ملف على السرير قدامها.
وبعدين ابتسم ابتسامة باردة، فيها قسوة مريم ما كانتش متخيلة إنها ممكن تشوفها في عينيه يومًا.
وقال
إمضي.
مريم بصت للملف.
إيه ده؟
رد بكل برود
أوراق الطلاق.
وبعدين أضاف
كده كل واحد فينا يقدر يبطل يضيع وقت التاني.
مريم فضلت ساكتة.
أحمد كان واقف قدامها، ولا كأنها قاعدة على سرير مستشفى وبتحارب مرض خطير.
ولا كأنها الست اللي عاشت معاه سنين.
ولا كأنها أم بنتُه.
وقبل ما يمشي، بص لها من فوق لتحت.
وبصوت مليان احتقار قال
بصي لنفسك يا مريم.
وسكت لحظة قبل ما يكمل
أنا محتاج واحدة عندها طاقة واحدة لسه عندها رغبة في الحياة.
وبعدين قال
فريدة صغيرة، وبتخلي بالها من نفسها، وشكلها حلو.
وبص لها تاني.
إنتِ خلاص، إنتِ عارفة.
الكلام وجعها.
وجعها أكتر من أي جلسة علاج.
لكن مريم ما ادتلوش اللحظة اللي كان مستنيها.
ما عيطتش.
ما صرختش.
ما ترجتهوش.
مدت إيدها بهدوء، أخدت القلم، ووقعت على أوراق الطلاق.
أحمد ضحك ضحكة قصيرة.
ضحكة مليانة غرور.
وقال
إنتِ دايمًا كنتِ سهلة أوي.
مريم رفعت عينيها وبصت له مباشرة.
وقالت بهدوء
وإنت دايمًا كنت بتخلط بين الصبر والضعف.
للحظة
اختفت الابتسامة من على وش أحمد.
واضح إن الجملة لمسته.
لكنه سرعان ما حاول يخفي ده.
هز كتفيه وكأنه مش مهتم.
وبعدين خرج من الغرفة.
الباب اتقفل وراه.
مريم فضلت بصاله ثواني.
وبعدين مسكت تليفونها واتصلت بسلمى.
أول ما سلمى ردت، قالت لها
أنا وقعت.
سلمى سكتت.
مريم كملت
وقعت على الطلاق.
ردت سلمى بسرعة
أنا جاية لك.
لكن مريم أوقفتها.
لأ.
سلمى سكتت.
مريم أخذت نفسًا عميقًا، وقالت
قبل ما تيجي، عايزاكي تعملي حاجة.
حاجة إيه يا ماما؟
مريم قالت
قولي لأبوكي إن لما أموت إنتِ هتاخدي التركة اللي أبويا سايبها.
سلمى عقدت حواجبها باستغراب.
تركة إيه؟
مريم فضلت ساكتة لحظة.
وبعدين قالت
إنتِ مش عارفة؟
سلمى هزت راسها.
مريم أخذت نفسًا ببطء.
والحقيقة إن والدها كان راجل قضى حياته كلها شغال محاسب، لكنه كان عنده عقلية استثمارية قوية جدًا.
على مدار عقود، كان بيستثمر فلوسه في الأراضي، والصناديق الاستثمارية، وحصص في شركات مختلفة.
وقبل سنين طويلة
وقبل حتى ما مريم تعرف أحمد
والدها كان حريص إنه يحافظ على جزء كبير من ثروة العيلة ويحطه في نظام ائتماني يحميه ويضمن مستقبل أولاده وأحفاده.
الثروة دي، مع مرور السنين والاستثمارات والأصول، وصلت قيمتها حاليًا لحوالي 90 مليون جنيه.
لكن مريم عمرها ما لمست الفلوس دي.
كانت عايشة من شغلها.
وكانت بتعتمد على نفسها.
وكانت شايفة إن الأموال دي مش للرفاهية.
كانت مخصصة لتأمين مستقبل العيلة.
ولذلك، طوال سنين زواجها من أحمد، ما قالتلوش عن المبلغ الحقيقي.
ولا مرة.
مريم قالت لسلمى
قولي له الرقم بالظبط.
سلمى سألتها
كام؟
مريم ردت
90 مليون.
سلمى فتحت عينيها بصدمة.
ماما
وسكتت لحظة، وبعدين قالت
ده هيجنن!
مريم فضلت هادية.
وقالت
أنا كمان عايزة أعرف.
سلمى فهمت قصد أمها.
كانت عايزة تعرف
هل أحمد فعلًا كان عايزها؟
ولا كان عايز حياتها، وراحتها، والفلوس اللي ممكن يحصل عليها منها؟
في نفس الليلة
بدأ تليفون مريم يهتز.
أول مكالمة.
وبعدين خمس مكالمات.
وبعدين عشرين.
مريم كانت بتبص للتليفون من غير ما ترد.
وفي الصبح، كان عندها 63 مكالمة فائتة.
وعدد كبير من الرسائل من أحمد.
رسالة ورا رسالة.
لازم نتكلم.
وبعدها
إنتِ متلخبطة ومش عارفة بتعملي إيه.
ثم
إحنا ممكن نصلح كل حاجة.
وبعدها
أنا لسه بحبك.
مريم قرأت الرسائل كلها.
ولأول مرة من أسابيع
ضحكت.
ضحكة حقيقية.
مش لأنها سعيدة.
لكن لأنها أخيرًا فهمت الحقيقة.
السرطان ما كانش بس كشف لها حقيقة مرضها.
المرض كشف لها حقيقة جوزها.
وفي الساعة 8 الصبح
الباب اتفتح بعنف.
ودخل أحمد الغرفة.
كان وشه متوتر ومشوه من القلق.
وفي إيده كيس مليان مخبوزات وحلويات.
كأنه كان فاكر إن كام قطعة حلويات ممكن تمسح سنين كاملة من الإهانة والإهمال.
قرب من السرير وقال بصوت حنون مصطنع
حبيبتي
مريم بصت له بهدوء.
أحمد حط الكيس جنبها.
وقال
أنا غلطت.
مريم ما ردتش.
قرب أكتر من السرير.
وقال بسرعة
أنا هسيب فريدة.
مريم فضلت ساكتة.
فكمل
نبدأ من جديد.
هكون معاكي في كل جلسات العلاج.
هفضل جنبك.
وهعتني بيكي.
وبعدين قال وهو بيحاول يمسك إيدها
أقسم لك.
مريم سحبت إيدها بهدوء.
وقالت
الحب رجع بسرعة أوي.
وش أحمد شحب.
ما عرفش يرد.
في اللحظة دي، مريم فهمت كل حاجة.
السرطان ما كشفش لها هي مين.
السرطان كشف لها هو مين.
أحمد ما رجعش لأنه اكتشف إنه بيحبها.
رجع لأنه عرف قيمة الشيء اللي كان فاكره سهل ومضمون.
ولأنه فجأة اكتشف إن الست اللي كان بيحتقرها
ممكن تكون صاحبة ثروة تساوي 90 مليون جنيه.
لكن أحمد كان لسه فاكر إنه يقدر يرجع يتحكم في كل حاجة.
وكان فاكر إن مريم، زي كل مرة، هتسامحه.
هتتنازل.
وهتخاف من الوحدة.
لكن المرة دي كانت مختلفة.
تمامًا.
ولما أحمد اعتقد إنه لسه قادر يستعيد السيطرة
مريم مدت إيدها بهدوء، وأخرجت مستندًا من الملف الموجود بجانبها.
وحطته قدامه.
أحمد أخد الورقة.
وبدأ يقرأ.
وفي خلال ثواني
ملامح وشه اتغيرت بالكامل.
اختفت الثقة.
واختفى الغرور.
واختفت ابتسامة الرجل اللي كان داخل الغرفة وهو متأكد إن مريم هترجع له.
لأن الاسم الموجود في المستند
كان اسم الوريثة الحقيقية.
والحقيقة اللي شافها أحمد في الملف
كانت هتغير كل حاجة.
الجزء الثالث والأخير
فضل أحمد ماسك الورقة بإيده، وعينيه بتتحرك بين السطور كأنه مش قادر يستوعب اللي قدامه.
قرأ الاسم مرة
واتنين
وثلاثة.
وبعدين رفع عينيه لمريم.
وشه كان شاحب.
إيه ده؟
مريم ما ردتش.
أحمد رجع يبص للورقة.
كان المستند يوضح إن الثروة اللي تركها والد مريم لم تكن ملكًا شخصيًا لها بالشكل اللي كان أحمد يتخيله.
والأهم من كده
إن مريم كانت قد نقلت حق الانتفاع بالمبلغ إلى ابنتها سلمى ضمن ترتيبات قانونية أُعدت منذ سنوات، بحيث تظل الثروة محمية من أي زوج أو دائن أو مطالبة ناتجة عن زواجها.
أحمد بدأ يتنفس بسرعة.
يعني ال مليون مش بتوعك؟
مريم ابتسمت لأول مرة.
لأ.
سكتت لحظة، ثم قالت
وخصوصًا مش بتوعك.
أحمد رمى الورقة على السرير.
بس إنتِ قلتي إن سلمى هتاخدهم لما تموتي!
وهتاخدهم.
يعني إنتِ مديالها كل حاجة؟
دي فلوس أبويا يا أحمد. وهو كان أذكى من إنه يسيب مستقبل بنته تحت رحمة راجل ممكن يتغير في يوم وليلة.
أحمد قرب منها.
مريم، إحنا ممكن نحل الموضوع ده.
ضحكت بسخرية.
موضوع إيه؟
الطلاق.
إيه اللي حصل للطلاق؟
أنا كنت متسرع.
مريم بصت له باستغراب.
من يومين كنت واقف هنا وبتقولي إنك محتاج واحدة أصغر، واحدة عندها طاقة، وإن فريدة أحسن مني.
كنت غضبان.
وإنت لما كنت بتخوني كنت غضبان؟
سكت.
ولما كنت بتقول لبنتك إني خلاص خرجت من حياتك، كنت غضبان؟
أحمد ما ردش.
ولما سبتني لوحدي وأنا داخلة جلسات العلاج كنت غضبان برضه؟
خفض عينيه.
مريم قالت بهدوء
لأ يا أحمد. إنت ما كنتش غضبان.
ثم أشارت للورقة.
إنت بس كنت فاكر إنك خلاص لقيت البديل.
أحمد حاول يتمالك نفسه.
أنا غلطت.
عارف.
وأنا مستعد أصلح كل حاجة.
مش كل حاجة بتتصلح.
مريم، أنا لسه جوزك.
هزت رأسها.
لأ.
وسكتت لحظة قبل ما تكمل
إنت بقيت طليقي من اللحظة اللي وقعت فيها على الورقة.
أحمد نظر إليها وكأنه يسمع الكلام لأول مرة.
يعني إنتِ فعلًا هتسيبيني؟
ابتسمت مريم
متابعة القراءة