يوم عيد ميلادى
المحتويات
حضرتك أصغر بكتير مما كنت متخيل!
وبعدها شاف محمود
يا عمو، واضح جدًا إن حضرتك راجل مثقف.
دخل الصالون، بدأ يبص حواليه
الله! الديكور تحفة يا طنط. ذوق حضرتك راقي جدًا.
شاف مكتبة محمود
المكتبة دي لوحدها تقول إن صاحب البيت أستاذ كبير.
داليا كانت قاعدة جنبه، وفرحانة بكل كلمة بيقولها.
لكن أنا ركزت في حاجة تانية.
عينيه.
شريف كان بيتكلم معانا، لكن عينه ماكانتش بتبطل تلف في البيت.
بص على طقم الصالون الخشب.
وبص على اللوحة المعلقة على الحيطة.
وبص على التحف الموجودة في النيش.
وبص على الساعة القديمة.
كانت نظراته مختلفة.
مش نظرة واحد داخل بيت لأول مرة وبيتفرج.
أنا تاجرة.
بقالي سنين بتعامل مع تجار وموردين وزباين.
عارفة كويس شكل عين الواحد وهو بيقيّم بضاعة.
وشريف كان بيبص على حاجات البيت بنفس الطريقة.
كأنه بيحط سعر لكل حاجة في دماغه.
الطقم ده بكام؟
اللوحة دي تسوى كام؟
الشقة نفسها بكام؟
العيلة دي معاها قد إيه؟
في اللحظة دي، قلبي اتقبض.
بعد ما مشي، سألت عنه.
عرفت إن أبوه وأمه ناس غلابة وطيبين عايشين في بلدهم.
وعنده أخ أصغر لسه ما اتجوزش.
شريف نفسه كان شغال في شركة صغيرة.
مرتبه عادي جدًا.
لكن مستوى صرفه ماكانش عادي.
العربية قسط.
الموبايل غالي.
هدومه ماركات.
مطاعم وخروجات.
وكان دائمًا حريص إنه يظهر بشكل أعلى من إمكانياته.
أنا ما اتهمتوش بحاجة.
قلت يمكن شاب وبيحب المظاهر.
لكن إحساسي ما راحش.
لما كلمت داليا، حسيت كأني بكلم واحدة مسحورة.
قالت
ماما، إنتِ ما تعرفيش شريف!
قلت
أنا بحاول أعرفه.
صرخت
شريف طموح جدًا! بس الفرصة المناسبة لسه ما جاتلوش!
وبدأت تعدد مميزاته.
لما تعبت، شالني ووداني المستشفى!
نص الليل خرج يجيب لي الدوا!
عمره ما سابني وأنا زعلانة!
كل ما أقول ملاحظة، كانت تعتبرها إهانة له.
وفي الآخر قالت الجملة اللي وجعتني
إنتِ وبابا رافضينه علشان فقير! إنتوا بتبصوا للفلوس وبس!
فضلت باصة لها ومش مصدقة.
أنا؟
أنا اللي بتعاير حد بالفقر؟
أنا اللي لما اتجوزت أبوها، كان مدرس على قد حاله، مرتبه ما يكفيش نص احتياجاتنا؟
أنا اللي بدأت حياتي وأنا بعدّ الفكة آخر الأسبوع؟
زعلت.
مش علشان شريف.
علشان بنتي نفسها قدرت تشوفني بالشكل ده.
أنا ماكنتش خايفة عليها من فقره.
كنت خايفة عليها من شخصيته.
لأني بعد نص عمر من التعامل مع البشر، بقيت أعرف إن في فرق كبير بين الإنسان اللي بيحبك...
والإنسان اللي بيعرف يخليك تصدق إنه بيحبك.
لكن داليا رفضت تسمع.
الخلاف استمر أكتر من 6 شهور.
وفي الشهور دي عملت كل حاجة ممكن بنت تعملها علشان تجبر أهلها يوافقوا.
بطلت أكل.
سابِت البيت.
قفلت موبايلها.
وقعدت عند صاحبتها أيام.
وفي مرة هددتنا إنها لو ما اتجوزتش شريف هتأذي نفسها.
محمود وقتها قعد على الكنبة طول الليل.
أنا دخلت الحمام وقفلت على نفسي وعيطت.
في الآخر استسلمنا.
مش لأننا اقتنعنا بشريف.
لكن لأننا خفنا نخسر بنتنا.
وافقنا.
ولما بدأنا نتكلم في الجواز، اكتشفنا إن أهل شريف تقريبًا مش قادرين يدفعوا حاجة.
ولا جنيه تقريبًا.
ما عملناش مشكلة.
قلت لمحمود
إحنا قادرين. المهم بنتنا تعيش كويس.
إحنا اللي اشترينا شقة الزوجية.
وإحنا اللي اشترينا العربية.
وما طلبناش منهم مهر ولا شبكة كبيرة ولا أي حاجة فوق طاقتهم.
وفوق كل ده، ادينا داليا نص مليون يوان هدية جواز علشان تبدأ حياتها وهي مطمنة.
ماكنش عندي غير شرط واحد.
شرط واحد بس.
قلت لهم
أول طفل ييجي، عايزاه يحمل اسم عيلة أبويا.
شريف رد قبل حتى ما داليا تتكلم.
ابتسم وقال بمنتهى الحماس
مفيش أي مشكلة يا ماما! ده مجرد اسم في الآخر. اسمه يبقى إيه مش فارقة، ما هو حفيد حضرتك برضه!
داليا كمان مسكت إيدي وقالت
اطمني يا ماما. أنا وشريف متفقين على الموضوع ده من زمان.
صدقتهم.
أو يمكن...
كنت عايزة أصدقهم.
دلوقتي، وأنا برجع بذاكرتي لليوم ده، بدأت أفهم حاجة ماكنتش شايفاها وقتها.
موافقتهم السريعة ماكنتش دليل إنهم محترمين طلبي.
بالعكس.
يمكن كانوا وافقوا بسهولة لأنهم من البداية...
ماكانوش ناويين ينفذوا وعدهم أصلًا.
3
تاني يوم الصبح صحيت على صوت محمود وهو بيتكلم في التليفون في الصالة.
كان صوته واطي، لكني سمعت اسمي.
أيوه يا دكتور... هي عارفة إن في نتيجة محتاجة إعادة، بس أنا ما حبيتش أقلقها قبل ما نتأكد.
فتحت باب الأوضة وخرجت.
أول ما شافني، سكت.
قلت
بتكلم الدكتور سامح؟
محمود قفل المكالمة.
أيوه.
قال إيه؟
بص لي شوية، وبعدين قال
عايزك تروحي له النهارده.
قلبي دق أسرع.
من حوالي أسبوعين كنت عملت فحوصات شاملة.
أنا طول عمري من النوع اللي بيكره المستشفيات، لكن الفترة الأخيرة بدأت أحس بتعب غريب.
دوخة.
إرهاق.
وفي كام مرة حسيت إن جسمي كله ملوش طاقة.
الدكتور طلب تحاليل زيادة، وقال إن في رقم مش عاجبه وعايز يتأكد منه.
من يومها وأنا بحاول ما أفكرش.
قلت لنفسي
كلنا بنكبر.
لكن بعد كلام محمود ليلة عيد الميلاد، الخوف بدأ يدخل قلبي.
لبست وخرجنا.
في العربية، محمود كان ساكت.
وأنا كمان.
لما وصلنا العيادة، الدكتور سامح قعد قدامنا، فتح الملف وقال
مدام نادية، قبل أي حاجة أنا عايزك ما تقلقيش.
وأنا من خبرتي في الحياة، عارفة إن مفيش دكتور بيبدأ جملة بما تقلقيش إلا وفي حاجة تقلق.
قلت
قول لي على طول يا دكتور.
بدأ يشرح لي النتائج.
في مؤشر طلع أعلى من الطبيعي، لكنه أكد إن النتيجة لوحدها ما تثبتش أي مرض خطير.
محتاجين فحوصات وتصوير وتحاليل إضافية.
يعني باختصار...
لسه مفيش تشخيص.
لكن في حاجة لازم نتأكد منها.
وأنا قاعدة قدامه، الغريب إن أول حاجة جت في بالي ماكنتش الموت.
ولا المصنع.
ولا الفلوس.
جت في بالي داليا.
لو حصل لي حاجة...
هل دي آخر صورة هتفضل في دماغي لبنتي؟
وهي واقفة قدامي بتصرخ
أنا وريثتك الشرعية!
خرجنا من عند الدكتور.
في طريق الرجوع، قلت لمحمود
ما تقولش لداليا حاجة دلوقتي.
بص لي باستغراب.
ليه؟
لما نتأكد الأول.
سكت شوية، وبعدها قال
براحتك.
لكن اللي ماكنتش أعرفه وقتها...
إن داليا هتعرف قبل ما أقول لها.
وإن الطريقة اللي هتعرف بيها هتكشف لي حاجة ما كنتش أتخيلها.
بعد يومين، كنت في المصنع.
حوالي الساعة 11 الصبح، السكرتيرة دخلت مكتبي وقالت
مدام نادية، في أستاذ بره بيقول إنه محامي وعايز يقابل حضرتك.
استغربت.
اسمه إيه؟
قالت الاسم.
ماعرفتوش.
قلت
خليه يدخل.
دخل راجل في أواخر الأربعينات، لابس بدلة رمادي، ومعاه شنطة أوراق.
سلّم عليا وقعد.
مدام نادية، أنا آسف لو جيت من غير ميعاد، لكن في موضوع يخص حضرتك بشكل مباشر، وحسيت إن لازم تعرفيه.
حط قدامي كارت.
بصيت فيه.
محامي.
قلت
اتفضل.
فتح الشنطة وطلع صورة مستند.
حطه قدامي.
أول ما بصيت عليه، حسيت إن الدم وقف في عروقي.
كان صورة من عقد ملكية واحدة من شققي.
الشقة اللي في التجمع.
اسمي مكتوب فيها بالكامل.
رفعت عيني له.
الورقة دي معاك ليه؟
قال
لأن في شخص حاول يستعلم عن إمكانية التصرف في العقار ده بتوكيل.
ما فهمتش.
توكيل إيه؟
طلع ورقة تانية.
التوكيل ده.
مسكتها.
بصيت على الاسم.
اسمي.
رقمي.
بياناتي.
وفي آخر الورقة...
توقيع منسوب ليا.
لكن التوقيع مش توقيعي.
بصيت للمحامي.
الورقة دي مزورة.
قال
أنا عارف.
اتجمدت.
عرفت منين؟
قال
لأن الشخص اللي جالي كان عايز يعرف هل التوكيل بالشكل ده يسمح ببيع العقار ولا لأ. لما راجعت البيانات، شكيت في بعض التفاصيل، وبعد البحث اكتشفت إن التوكيل مش موجود أصلًا في السجلات الرسمية.
إيدي بدأت تبرد.
سألته
مين الشخص؟
سكت.
قلت
مين اللي جالك؟
بص في عيني وقال
الأستاذ شريف... جوز بنت حضرتك.
ما رديتش.
فضلت باصة له.
يمكن عشر ثواني.
يمكن دقيقة.
مش عارفة.
كل اللي فاكره إني كنت سامعة صوت التكييف.
قلت
متأكد؟
قابلته بنفسي.
قال لك الشقة بتاعة مين؟
قال إنها بتاعة حماته، وإن حضرتك كنتِ عاملة له توكيل قديم، وإنكم عايزين تبيعوها علشان تدخلوا في استثمار جديد.
ضحكت.
ضحكة صغيرة جدًا.
المحامي نفسه استغربها.
قلت
استثمار جديد؟
أيوه.
وأنا أول مرة أسمع عنه.
المحامي سكت.
سألته
حضرتك تعرفني منين؟
قال
أنا كنت بتعامل من سنين مع الأستاذ محمود في موضوع خاص بالمصنع. لما شفت الاسم افتكرت حضرتك، فقلت أتأكد قبل ما أدخل نفسي في حاجة غلط.
شكرته.
وطلبت منه يسيب لي صورة من كل حاجة.
بعد ما خرج، قفلت باب المكتب.
وقعدت.
ما عيطتش.
الغريب إني ما عيطتش.
مسكت التليفون وكلمت محمود.
تعالى المصنع.
قال بقلق
حصل حاجة؟
تعالى بس.
بعد نص ساعة كان قدامي.
حطيت الورق على المكتب.
قرأه.
وشه اتغير.
قال
ده شريف؟
هزيت راسي.
قعد على الكرسي.
فضل ساكت فترة طويلة.
وبعدين قال
نكلم داليا.
قلت فورًا
لأ.
ليه؟
علشان عايزة أعرف إحنا بنتعامل مع إيه الأول.
محمود بص لي.
قلت
لو واجهناه دلوقتي، هيقول سوء تفاهم. أو هيقول المحامي فهم غلط. أو داليا هتدافع عنه كالعادة.
قربت الورق مني.
أنا عايزة أعرف هو وصل لفين.
في نفس اليوم كلمت المحاسب القانوني للشركة.
وبعدها المحامي بتاعي.
طلبت منهم يراجعوا كل حاجة.
كل توكيل.
كل استعلام.
كل محاولة تعامل على ممتلكاتي خلال آخر سنة.
وقلت لهم حاجة واحدة
محدش يعرف.
بعد 3 أيام، المحامي كلمني.
قال
مدام نادية، محتاج أقابلك.
صوته ما عجبنيش.
قلت
قول لي في التليفون.
قال
الأفضل وش لوش.
قابلته في مكتبه.
أول ما قعدت، حط قدامي ملف.
موضوع الشقة مش أول مرة.
بصيت له.
فتح الملف.
خلال آخر 8 شهور، حصلت استعلامات عن 3 عقارات باسم حضرتك.
قلبي نزل.
الثلاث شقق.
كلهم.
قلت
مين عمل الاستعلامات؟
مش كلها بنفس الاسم. لكن في خيط مشترك.
إيه؟
طلع صورة بطاقة.
كانت بطاقة شريف.
وبعدين ورقة فيها اسم شخص تاني.
ده مين؟
سمسار عقارات.
قال إن شريف تواصل معاه من حوالي 5 شهور، وسأله عن سعر بيع الشقة الموجودة في مدينة نصر.
سكت.
طلع ورقة تانية.
وفي استعلام عن أسهم حضرتك في الشركة.
رفعت راسي بسرعة.
أسهم الشركة كمان؟
أيوه.
في اللحظة دي، الموضوع خرج من كونه طمع عادي.
شريف ماكانش مستني ميراث.
شريف كان بيعمل جرد.
بيحسب أنا أملك إيه.
وكل حاجة تساوي كام.
افتكرت أول يوم دخل فيه بيتي.
نفس العينين.
وهو بيبص على الأثاث والتحف واللوحات.
أنا وقتها قلت إن الراجل بيقيّم البيت.
ماكنتش أعرف إنه بعد سنين...
هيقيّم حياتي كلها.
رجعت البيت وأنا ساكتة.
محمود كان مستنيني.
حكيت له.
فضل ماشي في الصالة رايح جاي.
وفجأة وقف.
أنا هروح له.
قلت
تقعد.
نادية، ده بيحاول يسرقك!
عارفة.
وعايزاني أسكت؟
قلت
عايزاك تستنى.
بص لي بعصبية.
مستنية إيه؟
قلت
غلطة.
غلطة؟
أيوه. هو لحد دلوقتي بيسأل وبيستعلم وبيجرب. أنا عايزة أعرف هو ناوي يعمل إيه بالضبط.
سكت محمود.
بعدها بيوم، حصل شيء أغرب.
داليا كلمتني.
من يوم عيد الميلاد ما كانتش اتصلت.
رديت.
صوتها كان هادي بشكل مصطنع.
ماما، إنتِ عاملة إيه؟
قلت
كويسة.
زعلانة مني؟
وإنتِ؟
سكتت.
وبعدين قالت
أنا كنت متعصبة يومها. حقك عليا.
استغربت.
داليا لما بتكون مقتنعة إنها مظلومة، ممكن تقعد شهر ما تعتذرش.
قلت
حصل خير.
قالت
أنا فكرت في كلامك... وإنتِ عندك حق في حاجات كتير.
بدأ الشك يدخل قلبي.
كملت
وبعدين مهما حصل، إنتِ أمي.
قلت
طبعًا.
سكتت لحظة.
ثم سألت
إنتِ صحتك كويسة يا ماما؟
إيدي شدت على التليفون.
الحمد لله.
أصل...
سكتت.
أصل إيه؟
مفيش. حسيتك يوم عيد الميلاد تعبانة شوية.
أنا؟
تعبانة؟
يوم عيد الميلاد كنت كويسة جدًا.
ماكانش في أي حاجة ظاهرة عليا.
قلت
أنا كويسة.
طب عملتي تحاليل قريب؟
ساعتها قلبي دق.
ما رديتش فورًا.
قالت بسرعة
بسأل عادي يعني.
قلت
ليه السؤال؟
مفيش يا ماما. خلاص.
قفلت معاها.
وبصيت لمحمود.
كان قاعد قدامي.
قلت
داليا عرفت.
عرفت إيه؟
موضوع التحاليل.
اتصدم.
إزاي؟ أنا ما قلتش لحد.
وأنا كمان.
قعدنا نفكر.
الدكتور؟
المعمل؟
المستشفى؟
بعد ساعات، افتكرت حاجة.
قبل عيد ميلادي بأسبوع، داليا كانت عندنا.
وأنا كنت سايبة ملف التحاليل في درج الكومودينو.
قلت لمحمود.
قال
معقول تكون فتشت؟
ما جاوبتش.
في اليوم التالي، اتصلت بداليا.
قلت
متابعة القراءة