يوم عيد ميلادى

لمحة نيوز

في عيد ميلادي ال، بنتي وجوزها جم عندي ومعاهم حفيدي، وكنت فاكرة إنهم جايين يحتفلوا بيا.
لكن قبل حتى ما أطفي شموع التورتة، جوز بنتي بصلي وقال بابتسامة
يا ماما، إنتِ وبابا كبرتوا في السن... مش أحسن تعملوا الوصية من دلوقتي؟
والأغرب إن بنتي أيدته فورًا
عنده حق يا ماما، علشان بعد عمر طويل كل واحد يبقى عارف نصيبه ومتحصلش مشاكل.
ساعتها فهمت إنهم ماجوش علشان عيد ميلادي...
هما جم علشان يعرفوا هياخدوا إيه بعد ما أموت.
فحطيت المعلقة من إيدي وقلت بهدوء
فعلًا، أنا قررت أعمل وصية... الشقق التلاتة وأسهم الشركة وكل الممتلكات اللي باسمي هتبرع بيهم للأعمال الخيرية.
في ثانية واحدة، الابتسامة اختفت من وش جوز بنتي...
أما بنتي، فوشها بقى أبيض وهي بتصرخ
إنتِ اتجننتي يا ماما؟! طب وأنا؟!
بصيت لها وابتسمت.
لأنها ماكنتش تعرف إن موضوع الميراث ماكانش غير البداية...
وإن اللي اكتشفته عن جوزها كان كفيل يخليها تتمنى إننا ما فتحناش موضوع الوصية من الأساس.
رجعت بنتي وجوزها ومعاهم حفيدي علشان يحتفلوا بعيد ميلادي الخامس والخمسين.
وإحنا قاعدين على السفرة، جوز بنتي ابتسم وقال بمنتهى الهدوء
يا ماما، إنتِ وبابا كبرتوا في السن شوية، وربنا يديكم الصحة طبعًا... بس طالما لسه صحتكم كويسة وعقلكم حاضر، إيه رأيكوا تعملوا وصية من دلوقتي؟
الإيد اللي كنت ماسكة بيها المعلقة وقفت في نص الطريق.
بصيت له من غير ما أتكلم.
لقيت بنتي، داليا، قاعدة جنبه وبتأيد كلامه
عنده حق يا ماما. الوصية لما تتعمل بدري الواحد بيبقى مرتاح، وبعد عمر طويل ليكم ما تحصلش مشاكل ولا خلافات.
لفيت وشي ناحية حفيدي آدم، اللي عنده 3 سنين.
كان قاعد منزل راسه وماسك الموبايل، مركز في اللعبة لدرجة إنه من ساعة ما دخل البيت ما قالش حتى
كل سنة وإنتِ طيبة يا تيتة.
حطيت المعلقة على السفرة بهدوء وقلت
الوصية ممكن أعملها فعلًا.
وش جوز بنتي نور للحظة.
لكنني كملت
بس الشقق التلاتة وأسهم الشركة اللي باسمي... أنا ناوية أتبرع بيهم كلهم لمؤسسة خيرية.
في ثانية واحدة، وش داليا بقى أبيض زي الورق.
1
شموع تورتة عيد الميلاد ماكنتش لسه اتطفت، لكن الجو حوالين السفرة بقى ساقع بشكل يخوف.
داليا رمت المعلقة من إيدها وقالت بصوت عالي
ماما! إنتِ بتقولي إيه؟! تتبرعي بكل حاجة لمؤسسة خيرية؟ إنتِ عارفة أصلًا الممتلكات دي تساوي كام؟!
بصيت لها بهدوء.
عارفة. الممتلكات باسمي، وأعتقد إني أعرف قيمتها أحسن من أي حد.
طب وإنتِ عارفة وعايزة تعملي كده؟!
أخدت نفس طويل وهي بتحاول تتحكم في أعصابها.
ماما... إنتِ بتهزري معانا، صح؟
ابتسمت ابتسامة صغيرة وما رديتش.
جوزي، محمود، كان قاعد جنبي.
محمود طول عمره قليل الكلام. من ساعة ما اتجوزنا وهو من النوع اللي ممكن يقعد ساعة كاملة وما يقولش غير كلمتين.
لكن وقت الجد، عمره ما احتاج يتكلم كتير علشان أعرف موقفه.
مد إيده بهدوء وحط في طبقي قطعة لحمة وقال
كلي قبل ما الأكل يبرد.
فهمت.
وفهموا هما كمان.
جوز بنتي، شريف، وشه اتغير هو كمان.
عدل نضارته وحاول يطلع ابتسامة بالعافية
يا ماما، داليا مش قصدها حاجة وحشة. هي بس شايفة إن تعبك إنتِ وبابا طول السنين دي كلها حرام في الآخر يروح لناس غريبة. وبعدين... إحنا مش عيلة واحدة؟
ضحكت.
عيلة واحدة؟
كررت الكلمة وأنا ببص له.
طيب. طالما إحنا عيلة واحدة، يبقى هسألكم كام سؤال.
داليا بصت لي فورًا بحذر.
قلت
لما آدم اتولد، كان اتفاقنا إنه يحمل اسم عيلة أبويا، وإنتوا الاتنين وافقتوا من غير أي اعتراض. بعد كده حصل إيه؟
داليا فتحت بقها، لكن ماطلعش منها صوت.
جاوبت أنا بدلها
اللي حصل إنكم روحتوا سجلتوا الطفل باسم عيلة شريف من ورايا، ومن غير حتى ما تقولوا لي.
قالت داليا بصوت واطي
أصل أهل شريف ضغطوا علينا... وشريف ابنهم الكبير، وباباه ومامته كانوا...
قاطعتها فورًا
وإنتِ بنتي الوحيدة.
سكتت.
قلت
وأبوكي كمان كان الابن الوحيد لأهله. يعني الحجة اللي بتقوليها تنطبق علينا زي ما تنطبق عليهم.
السفرة كلها سكتت.
شريف تدخل بسرعة
يا ماما، الموضوع خلص من زمان. بلاش نفتحه تاني. في الآخر الاسم مش مهم، آدم حفيدكم مهما كان اسمه.
بصيت له.
طالما الاسم مش مهم، ليه ما وافقتوش إنه يحمل الاسم اللي اتفقنا عليه؟
شريف اتخرس.
ماعرفش يرد.
فكملت
الحاجة التانية. السنة اللي فاتت، لما قررتوا تشتروا شقة أكبر، قلتوا إن ناقصكم حوالي اتنين مليون يوان في مقدم الشقة، وطلبتوا مني ومن أبوكي نساعدكم.
داليا قالت بسرعة
وإنتوا ساعدتونا وإحنا مقدرين ده جدًا.
قلت
فعلًا ساعدناكم. وبعدها اكتشفت إن عقد الشقة باسمكم إنتوا الاتنين...
وقفت لحظة.
صحيح، الشقة باسمك إنتِ وشريف. لكن مين اللي ساكن فيها دلوقتي؟
داليا فهمت قصدي.
بابا وماما شريف.
قلت
بالضبط.
ردت بعصبية
دول حمايا وحماتي يا ماما! ناس كبار في السن، ونقلوا عندنا علشان يساعدونا في آدم. هو ده فيه مشكلة؟
هزيت راسي.
مفيش أي مشكلة.
وبعدين بصيت لها مباشرة.
المشكلة إن بعد ما نقلتوا الشقة الجديدة، أنا وأبوكي بقينا لما نحب نشوف حفيدنا لازم ناخد ميعاد منكم الأول. نكلمكم عشر مرات، تمانية منهم تقولوا النهارده مش مناسب.
وش داليا احمر، وبعدها اصفر.
شريف قال بسرعة
الفترة دي كانت الدنيا عندنا ملخبطة يا ماما. نقل وفرش وشغل وحاجات كتير. والله ما كان قصدنا نمنعكم تيجوا.
ما اهتمتش بكلامه.
قلت
الحاجة التالتة.
وبصيت لداليا.
من 3 شهور، أبوكي تعب فجأة في قلبه ودخل المستشفى.
داليا نزلت عينيها في الأرض.
كلمتك أكتر من عشر مرات.
سكتت.
ما رديتيش ولا مرة.
فضلت ساكتة.
ولما أخيرًا قدرت أوصلك، قلتي لي إنك مسافرة الغردقة مع شريف وأهله، وإن صعب ترجعي في الوقت ده.
قالت
ماما، أنا وقتها فعلًا...
رفعت إيدي.
أسبوعين كاملين أبوكي كان في المستشفى.
صوتي بدأ يتغير رغم إني كنت بحاول أفضل هادية.
عم سعيد جارنا، اللي أكبر مني ب سنين وركبه مش مساعداه أصلًا، كان كل يوم تقريبًا ييجي المستشفى يساعدني. مرة يجيب دوا، مرة يخلص ورق، مرة يقعد مع أبوكي علشان أعرف أرجع أغير هدومي.
بصيت لها في عينيها.
بنتي أنا بقى كانت نايمة على البحر مع أهل جوزها.
داليا عضت على شفايفها.
قلت
وحتى مكالمة زيادة تطمني علينا ماكنتيش عايزة تعمليها.
ماما...
ولسه النهارده.
بصيت ناحية الباب، وبعدين رجعت بصيت لهم.
النهارده عيد ميلادي. جيتوا كلكم وإيديكم فاضية.
شريف فتح بقه علشان يتكلم.
قلت بسرعة
وأنا والله ما مستنية منكم هدية. الحمد لله عندي اللي يكفيني ويزيد. لكن حفيدي دخل البيت من ساعة تقريبًا، وما قالش لي حتى يا تيتة.
كل العيون راحت ناحية آدم.
كان لسه ماسك الموبايل وبيتحرك بحماس وهو بيلعب.
شريف زقه بخفة
آدم، قول لتيتة كل سنة وإنتِ طيبة.
آدم ما رفعش عينه من الشاشة.
استنى يا بابا، هخلص الجيم ده الأول.
سكتنا كلنا.
بصيت للولد.
طريقة كلامه.
نبرة صوته.
حتى الحركة اللي عملها بإيده علشان أبوه يبعد عنه...
كان نسخة صغيرة من شريف.
وفجأة حسيت إني تعبت.
مش تعب جسم.
كان نوع تاني من التعب.
تعب داخل العضم نفسه.
أنا طول عمري شقيت.
استحملت الفقر.
واستحملت الشغل.
واستحملت مسؤولية البيت والبنت والمصنع والعمال.
وكنت فاكرة إني لما أوصل للسن ده، خلاص، هعيش اللي باقي لي في هدوء.
ما تخيلتش إني في عيد ميلادي الخامس والخمسين هقعد على سفرتي، في بيتي، أحسب كل كلمة قبل ما أقولها وأنا بتعامل مع بنتي وجوزها كأننا في مفاوضات تجارية.
مسكت المعلقة تاني وقلت
موضوع الوصية أنا بتكلم فيه بجد.
داليا رفعت راسها.
الممتلكات اللي باسمي أنا اللي هقرر مصيرها.
فجأة قامت واقفة.
ماما! إنتِ ما ينفعش تتبرعي بكل حاجة! أنا بنتك! قانونًا أنا وريثتك الشرعية!
رفعت عيني وبصيت لها.
وقانونًا برضه، طول ما أنا عايشة وعقلي سليم، من حقي أتصرف في ممتلكاتي الشخصية بالطريقة اللي أنا شايفاها.
سكت لحظة وبعدين قلت
مش إنتِ درستِ حقوق في الجامعة؟ المفروض معلومة بسيطة زي دي تبقي عارفاها.
الجملة دي هي اللي فجرتها.
عينيها احمرت.
مسكت شنطتها بعصبية وقالت
تمام! تمام أوي يا ماما! اتبرعي بيهم! اتبرعي بكل حاجة! بس لما تندمي بعد كده ما تلوميش غير نفسك!
ولفت وخرجت.
شريف فضل واقف ثواني متردد.
بعدين مسك آدم من إيده ومشي وراها.
ولا واحد في التلاتة بص وراه.
الباب اتقفل.
وفجأة البيت كله هدي.
فضلت أنا ومحمود بس قاعدين على السفرة.
شموع التورتة كانت لسه مولعة.
بص محمود للتورتة، وبعدها مد راسه ونفخ الشموع بدل مني.
فضل ساكت شوية.
وبعدين قال
إنتِ فعلًا ناوية تتبرعي بكل حاجة؟
بصيت له باستغراب.
أتبرع بإيه يا محمود؟ أنا كنت بخوفهم بس.
وبعدين قلت
لكن لو فضلوا بالطريقة دي، يمكن فعلًا التبرع بيهم يبقى أحسن من إننا نسيب لهم تعب عمرنا يضيعوه في كام سنة.
محمود سكت.
وبعد لحظات قال
آخر كشف طبي عملتيه... التحليل اللي الدكتور اتكلم عنه...
بصيت له.
أنا عارفة.
وسكتنا إحنا الاتنين.
بره الشباك كان الليل نزل تمامًا.
أنوار الشارع في الكمبوند بدأت تنور واحدة ورا التانية، والضوء الأصفر كان واقع على الطريق الفاضي.
بصيت من الشباك، وفجأة افتكرت داليا وهي صغيرة.
كانت في الوقت ده من الليل تيجي تجري عليا، تطلع على الكنبة، وتحط راسها على رجلي وتقول
احكي لي حكاية يا ماما.
كانت طفلة جميلة أوي.
طرية وصغيرة كأنها حتة عجينة.
ريحتها حلوة.
وكلامها أحلى من العسل.
كانت لما تزعلني تيجي بعد دقيقتين تحضني وتبوسني وتقول
معلش يا ماما، ما تزعليش مني.
غمضت عيني.
هي اتغيرت إمتى؟
إمتى البنت الصغيرة دي بقت واحدة لازم أفكر عشر مرات قبل ما أقول لها أنا بملك إيه؟
يمكن...
من ساعة ما عرفت شريف.
2
لو هتكلم عن شريف، فأنا ومحمود من أول يوم ماكناش مرتاحين له.
ومش علشان كان فقير.
أنا آخر واحدة ممكن تعاير حد بفقره.
أنا ومحمود أصلًا بدأنا حياتنا من تحت الصفر.
أنا اشتغلت في تجارة الملابس.
من أوائل التسعينات بدأت بفرشة صغيرة جدًا في السوق.
كنت بصحى قبل الشمس.
أروح أجيب البضاعة، وأقف بالساعات أبيع، وأرجع آخر الليل أراجع الحسابات.
في الشتا كنت أقف وإيديا متلجة.
وفي الصيف كنت أرجع هدومي كلها عرق.
قرش فوق قرش.
سنة ورا سنة.
لحد ما الفرشة بقت محل.
والمحل بقى اتنين.
وبعدين بدأت أتعامل مع ورش.
وبعد سنين طويلة قدرت أفتح مصنع صغير.
والمصنع الصغير كبر.
وبقى عندي براند باسمي ومصنع وشركة وأسهم وعقارات.
أما محمود، فكان مدرس ثانوي.
قضى عمره كله في التعليم.
مرتبه ماكانش كبير، لكنه كان راجل منظم ومحترم، وكل جنيه يدخل البيت كان يعرف راح فين.
ولما طلع معاش، بدل ما يقعد في البيت، جه يساعدني في المصنع وبدأ يمسك جزء كبير من الحسابات.
إحنا الاتنين عارفين يعني إيه فلوس.
مش عارفين قيمتها علشان بقينا أغنياء.
بالعكس.
عارفين قيمتها لأننا فاكرين كويس جدًا الأيام اللي كان ممكن جنيه واحد يعمل لنا أزمة.
وعلشان كده، اتعلمنا كمان إن الفلوس ممكن تكشف معدن ناس كتير.
أول مرة شريف دخل بيتنا، قلبي ما ارتاحش له.
مش علشان قال حاجة غلط.
بالعكس.
المشكلة إنه كان مثالي زيادة عن اللزوم.
دخل شايل فاكهة وهدايا بسيطة.
أول ما شافني
يا طنط، داليا طول الوقت بتحكي لي عن حضرتك، بس الحقيقة

تم نسخ الرابط