سافرت لبنتى اعيش معاها

لمحة نيوز

تلك اللحظة، ولما رأى الأوراق تغيرت ملامح وجهه للارتباك.
مين اللي جاب الأوراق دي؟
ردت كريمة بهدوء شديد
البنك والمحامي.
نظرت إليه ندى وكأنها تراه لأول مرة على حقيقته
البيت مش باسمي يا أحمد؟
ضحك ضحكة عصبية
دي أمور قانونية وتدابير مالية أنتِ مش فاهمة فيها حاجة!
صرخت ندى
أمي كانت بتدفع أقساط بيت مش بتاعنا؟! أنت ضحكت عليا وعلى أمي؟!
بدأ ياسين يبكي من على السلم، فصعدت كريمة سريعًا وضمت حفيدها.
وفي الأسفل، كانت ندى تصرخ لأول مرة في وجه زوجها.. لا كضحية، بل كإنسانة تستفيق أخيراً من كابوس وخديعة كبرى.
في تلك الليلة، جمع أحمد أشياءه وغادر البيت.
وحبست ندى نفسها في الحمام لأكثر من ساعة تبكي بحرقة. لم تطرق كريمة الباب، ولم تركض لإنقاذها هذه المرة.. تركت ابنتها تتحمل لأول مرة ثقل قراراتها.
في الصباح التالي، أعدت كريمة الإفطار لياسين، ثم نزلت بحقائبها.
كانت ندى في المطبخ منهارة
أمي.. أرجوكِ ما تمشيش وتسبيني!
نظرت إليها كريمة بحب، ولكن بحزم شديد
أنا بحبك يا ندى.. بس مش هفضل في مكان اتواجدت فيه عشان أُستغل.
بكت ندى وقالت
أنا كمان استغليتك يا أمي..
لم ترد كريمة بسرعة، فالاعتراف بالحقيقة كان يحتاج صمتًا يرسخه.
أيوه يا ندى.. وده اللي يوجع أكتر من أي حاجة.
غطت ندى وجهها
أنا فكرت إن كده كده كل حاجة هتبقى ليا في الآخر...
قاطعتها كريمة بكلمات كالرصاص
وده كان خطأك الأكبر.. إنك فكرتي في موتي قبل ما تحترمي وجودي وحياتي.
وقعت الكلمات كالجبل. ركض ياسين واحتضن جدته
تيتا، أنتِ ماشية عشان بابا زعلَك؟
جثت كريمة على ركبتيها أمامه
أنا ماشية عشان بيتي في طنطا محتاج لي يا حبيبي.. وعشان تتربى وتعرف إنك لما تحب حد، ينفعش تاخد منه كل حاجة وتستغله.
أوصلتها ندى إلى المحطة، وطوال الطريق لم تنطق بكلمة. وقبل أن تركب كريمة القطار، أمسكت ندى بيديها
هتبقاي تكرهيني يا أمي؟
شعرت كريمة بقلبها يعتصر
الأم مش بتكره يا ندى.. بس الأم لازم تحط حدود لما يتقاس حبها بالفلوس.
بكت ندى بخجل وندم صادق
أنا هصلح كل حاجة..
صلحيها عشان نفسك وعشان ابنك.. مش عشان فلوسي.
عنقتها كريمة عناقًا طويلاً ممتلئًا بالأسى، والذنب، والحب، والتعب.
عندما وصلت كريمة إلى طنطا، كان عم إبراهيم ينتظرها على المحطة محتضنًا معطفًا وشريطًا من الحلوى.
قلت يمكن الجو يبرد عليكِ في الطريق.
ابتسمت كريمة وعيناها ملأى بالدموع
وجعانة كمان يا أستاذ إبراهيم.
لم يسألها عن شيء، بل وضع المعطف على كتفيها وسار بجوارها.
بعد أشهر..
اتصلت ندى. كانت قد انفصلت رسميًا عن أحمد بعدما اكتشفت المزيد من الديون والقروض التي ورطها فيها. بدأت تعمل في وظيفة إضافية، وتتابع مع أخصائي نفسي، واعتذرت لأمها مرات ومرات.
كانت كريمة تستمع إليها بحب، لكنها لم تبتع شيئًا، ولم توقع على أي ورقة، ولم تركض لإنقاذها ماليًا.
أما ياسين، فكان يكلمها كل يوم جمعة بفيديو
تيتا.. لما أجيلك طنطا عايز آكل طاجن بامية ومشبك!
من عينيا يا حبيب تيتا، مستنياك.
فتحت كريمة محلها من جديد، وعادت لممارسة رياضتها والمشي مع عم إبراهيم، وجلست في إيفان بيتها تسقي زرعها وهي تشرب القهوة وتستمتع بصلوات الفجر وصوت أذان حيها.
أدركت كريمة أخيرًا أن تضحية الأم لأبنائها لا تعني أن تقدم لهم كبرها وكرامتها على طبق من فضة.
فالأم قد تعطي كل شيء لسنوات، لكن من حقها أيضًا أن تقول إلى هنا وكفى.
وتلك هي الحقيقة التي قد تزعج الكثيرين الآباء ليسوا مشروع ورث مبكر، ولا بنكًا متحرّكًا، ولا خُدّامًا بالمجان.. الآباء بشر، ولكي يستمروا في الحب، يحتاجون أحيانًا أن ينسحبوا ليحموا أنفسهم.

تم نسخ الرابط