سافرت لبنتى اعيش معاها
الجزء الأول
كانت كريمة قد بلغت الثامنة والخمسين من عمرها، وتعيش حياة هادئة في طنطا، حتى تلقت تلك المكالمة التي هزت وجدانها.
كانت الساعة تقارب منتصف الليل، وكان المطر في الخارج يسقط ببطء، من ذلك النوع الذي يملأ الشوارع برائحة التراب المبتل والخبز الطازج.
اهتز هاتفها على طاولة المطبخ.
كانت المتصلة ندى، ابنتها الوحيدة.
يا أمي، أرجوكِ تعالي لي القاهرة بسرعة! أنا خلاص مش قادرة ومحتاجة لك، ياسين ابن هيهلك مني، وأنا حاسة إني بضيع بين شغلي وبيتي.
جاء صوتها مكسورًا، مخنوقًا بالبكاء.
وقفت كريمة مكانها بجوار البوتاجاز، بمريلتها التي لم تخلعها بعد، وأمامها حلة الفول تبرد ببطء.
كانت ندى تعيش في القاهرة منذ أربع سنوات مع زوجها أحمد، وهو رجل يبدو من الظاهر محترمًا وأنيقًا، معطرًا ومبتسمًا دائمًا، لكن عينيه لم تطمئنا قلب كريمة يومًا.
منذ أن تزوجت ندى، فعلت كريمة ما تفعله أي أم مصرية عندما تعتقد أن ابنتها تبني مستقبلها ساعدت بلا حدود.
أرسلت لها مالاً لشراء الأثاث.
أقرضتها مبلّغًا لعربون الشقة.
وقعت لها على أوراق وضمانات فقط لإثبات الدخل.
وعندما وُلد حفيدها ياسين 5 سنوات، شعرت كريمة أن الحياة أهدتها فرصة جديدة لتمارس الحب دون خوف.
لكن تلك المكالمة كانت مختلفة.
يا أمي، أحمد بيشتغل طول اليوم، وأنا كمان. وياسين بيعيط ويمرض كتير ومافيش حد معايا، أنا محتاجة لك.
نظرت كريمة إلى صورة ندى وهي طفلة المعلقة على الثلاجة. نفس الطفولة التي ربتها بمفردها بعدما توفي زوجها في حادث طريق وهي لما تزل في السابعة من عمرها.
عاشت كريمة تكافح باعت المحشي، وغسلت الملابس، وحملت الخضار في السوق، وبعد سنوات من الشقاء والادخار، فتحت محل حديد وبويات صغير في حيها. لم تكن ثرية، لكن كان لديها بيتها المِلك، وسيارتها الربع نقل، ومحلها، ومبلغ بسيط أدخرته لكبرها كي لا تكون عبئًا على أحد.
وكان هناك أيضًا عم إبراهيم، أستاذ المدرسة المتقاعد الذي كان يرافقها في السير بوسط البلد كل يوم ثلاثاء. لم يكونا يتواعدان رسميًا، لكنه كان يحضر لها دائمًا مشبك أو فطير ويسألها باهتمام إن كانت قد أكلت.
عندما أخبرته كريمة أنها ستسافر بضعة أشهر إلى القاهرة، ضم شفتيه وقال بأسى
ومين هيخلي باله منك أنتِ يا حاجّة كريمة؟
ابتسمت بحزن
دي بنتي يا أستاذ إبراهيم.
لم يصر، بل اكتفى بقوله
توكلي على الله.. بس أوعي تنسي إن ليكي بيت ومكان هنا.
بعد ثلاثة أيام، أغلقت كريمة المحل، وتركت إحدى الجارات لترعاه، وحزمت في حقيبتين برطمانات السمن البلدي، والمش، والحلويات، وملابس لياسين، وأدوية للبرد.
عند وصولها، استقبلتها ندى بعناق كأنها كانت تغرق. كانت أنحف مما سبق، مع هالات سوداء وشعر معقود بلا اهتمام. أما أحمد، فلم يأتِ لاستقبالها.
كان عنده اجتماع يا أمي، قالت ندى وهي تتفادى النظر في عينها.
فوجئت كريمة بالبيت. كان شقة واسعة ودوبلكس في كومباوند راقٍ، مع حديقة وسيارتين، وديكورات كأنها خرجت من مجلة. تذكرت كيف كانت ندى تتحجج دائمًا بأن حالهم مستور بالعافية، ولما سألتها عن الإيجار، غيرت ندى الموضوع بسرعة.
جرى ياسين من الداخل
تيتا!
انحنت كريمة وضمت حفيدها بشدة. وفي تلك اللحظة نسيت التعب والسفر والحزن على ترك مدينتها.
لكن الفرحة لم تدم.
كان البيت في حالة يرثى لها أطباق بطعام جاف، ملابس ملقاة على السلالم، ألعاب تحت الأرائك، وعلب بيتزا فارغة على الطاولة.
في تلك الليلة، طبخت كريمة طاجن بامية وأرزًا بشعرية. أكل ياسين بسعادة، وكادت ندى تبكي من كثرة الشوق لطعام أمها.
نزل أحمد من الأعلى، نظر إلى الطاولة وقال بسخرية
أكل بلدي تاني؟ بجد يا ندى، الواحد بيعزل عشان يرتقي مش عشان البيت يفضل ريحته طشة ملوخية وفول!
خفضت كريمة رأسها، ولم تنطق ندى بحرف. كانت تلك أول طعنة.
بعد يومين، أعطتها ندى ورقة مطوية
يا أمي، متقلقيش، دي بس ورقة عشان ننظم وقتنا.
فتحت كريمة الورقة لتجد قائمة طلبات
توصيل ياسين للمدرسة.
غسيل الملابس وكيّها.
شراء مستلزمات البيت السوبرماركت.
تنظيف الحمامات والبيت.
الطبخ يوميًا.
تنظيف الحديقة وإخراج القمامة.
رفعت كريمة عينها
كل ده كل يوم يا ندى؟
ارتبكت ندى
أصل لو ما عملناش كده، اليوم بيفلت مننا.
بلعت كريمة غصتها.. إنها ابنتها، فكيف تقول لها لا؟
مرت الأسابيع، ولم تعد كريمة مجرد ضيفة. أصبحت الخادمة، والطباخة، والمربية، والسائقة. وكان أحمد لا يكلمها إلا ليطلب
يا حاجّة، اللبن خلص.
يا حاجّة، حمام الضيوف محتاج تنظيف.
يا حاجّة، هدوم ياسين مش مغسولة.
ولم ينطق كلمة شكراً قط.
في إحدى الليالي، نزلت كريمة لتشرب ماء، فسمعت أحمد يتحدث في الهاتف بالصالة
يا عم دي رزق وجانا من السماء! حماتي بتعمل كل حاجة.. شغالة ببلاش، أكل ببلاش، وتنظيف ببلاش. غير إن عندها بيت ومحل في طنطا.. والسمكة الكبيرة بتتاخد واحدة واحدة.
وقفت كريمة مشدوهة في الممر. سمعت ندى تهمس
ما تتكلمش عنها كده يا أحمد! لكنها لم تدافع عن أمها بقوة.
صعدت كريمة إلى غرفتها بأيدٍ باردة، ولم تنم ليلتها.
في اليوم التالي، تلقت مكالمة من بنكها في طنطا
يا حاجّة كريمة، بنأكد بس الخصم الشهري ال 128 ألف جنيه الخاص بأقساط القرض والعقار.
شعرت كريمة بأن الأرض تدور بها
قرض إيه وعقار إيه؟
ترددت الموظفة
الحساب ده مربوط باسم حضرتك وبنتك من سنة ونصف يا فندم بناءً على التوكيل.
أغلقت كريمة الهاتف وغصتها تخنقها. تذكرت تلك الأوراق التي أرسلتها لها ندى قائلة إنها تسهيلات إدارية. تذكرت توقيعها،