رجعت من شغلى فجأة

لمحة نيوز

باسم العيلة... العيلة بتستمر بالاحترام.
في مجتمعنا بيعلمونا من صغرنا إن الوالدين لازم نبرهم ونكرمهم، وده صح وواجب... نراعيهم ونخدمهم ونشيلهم فوق راسنا. بس البر عمره ما كان معناه السكوت على الظلم، ولا معناه إننا نديهم الحق يذلوا شريك حياتنا، أو يتحكموا في شقانا، أو يعاملوا الأولاد الكبار كأنهم ملكية خاصة!
الولاء اللي من غير حدود بيتحول ل اشتراك في الجريمة.
أنا أخدت وقت طويل أوي عقبال ما أفهم الدرس ده. في الوقت اللي كنت بتباهى فيه إني رجل أعمال وناجح وبفلّس صفقات، ما كنتش شايف الرعب والظلم اللي جوة بيتي! مريم سكتت لأنها افتكرت إن الاستحمال ده نوع من الحب، وأنا ما سألتش لأن الهدوء المزيف كان مريحني.
والسكوت ده كان هيُكلفنا حياة ابننا!
أوقات بصحى في نص الليل وأفتكر أرض الرخام الساقعة، وإيدين مريم المورمة، ورجل أمي وهي بتضرب بطنها... فبمسك إيد مراتي في الضلمة، وبسمع صوت نفس ياسين الهادي في الأوضة اللي جنبنا.
أنا مش فخور إني زقيت أمي في لحظة غضب، دي كانت لحظة اندفاع عمرى ما هاخدها كنموذج... بس أنا فخور إني حطيت حد قاطع، وحميت بيتي، وسلمت الحقيقة للقضاء.
العنف ما أصلحش حاجة... اللي أصلح كل حاجة هو الحدود، والحقيقة، والقانون.
أمي اتوفت بعد سنين في دار الرعاية. اتصلوا بيّ الفجر، رحت لوحدي... لقيتها نايمة وصغيرة أوي تحت الملاية البيضا. وعلى الكومودينو جنبها، كان فيه جواب مش مبعوت.
خسرت ولادي الإثنين عشان كنت عايزة أملكهم كانت كاتبة تلخبط بين إني أكون أم وبين إني أكون صاحبة سلطة وتملك... ولما فهمت الفرق، ما بقاش حد يثق فيّ.
بكيت... مش عشان عايز أغير اللي فات، بس زعلت إن الناس اللي بتأذي كان ممكن تختار طريق تاني خالص.
عملت لها جنازة ودتفنة هادية وبسيطة. مريم ما حضرتش وأنا ما طلبتش منها تحضر. وياسين حط وردة بيضا على القبر ومشي.
وانا طالع من المدافن، ياسين مسك إيدي
كده كل حاجة خلصت يا بابا؟
بصيت لمريم وهي مستنيانا جنب العربية، وبصيت للسما الصافية
أيوه يا حبيبي... بس الدرس عمره ما بينتهي.
رجعنا البيت.
بالليل اتجمعنا على العشا... من غير صريخ، من غير خوف، ومن غير أسرار. مريم كانت بتتكلم عن فرع جديد لدار أمينة، وياسين قال إنه عايز يدخل كلية الطب وتخصص أطفال مبتسرين... سمعتهم وفهمت إن أغلى ثروة بنيناها ما كانتش العقارات ولا الحسابات ولا الشركات...
الثروة كانت اللمة اللي على الترابيزة دي.
كانت إننا نقفل باب بيتنا وإحنا عارفين إن ما فيش حد جوة هيحتاج يرقع على ركبه عشان يستاهل مكانه في العيلة.

تم نسخ الرابط