رجعت من شغلى فجأة

لمحة نيوز

الاحتيال، والتزوير، وغسيل الأموال. أما أمي، فبسبب سنها وظروفها الصحية، ما دخلتش السجن فوراً، بس أجبرت ترجع كل اللي أخدته، واتصادرت منها الأملاك اللي اتشرت بالفلوس المسروقة، وبقت تحت التحفظ والأحكام القضائية مع حظر الاقتراب مننا.
فيه شوية قرايب كلموني وقالوا عليّ مصيبة ومفتري. وناس تانية قالت الأم تتسامح في أي حاجة.
سألتهم سؤال واحد بس
وهل الأم تتسامح لما تضرب ست حامل برجليها وتهدد حياة طفل بريء؟
ما حدش فيهم فتح بقه ولا رد.
الخبر اتسرب للصحافة والأخبار. وبعض البرامج القذرة لخصت القصة كلها في عنوان رخيص رجل أعمال يحبس أمه. ما حدش اتكلم عن إيدين مريم المحروقة، ولا عن الجوع اللي عاشته وهي حامل، ولا عن الملايين اللي اتسرقت. اتعلمت وقتها إن كلام الناس وال舆論 بيحكم على المشهد الأخير من غير ما يعرف الرواية من أولها. فريدة نصحتنا نسكت، بس مريم وافقت تطلع بتصريح واحد بس، قصير ومحترم
إنك تحط حدود للمعتدي ده ما بيهدش العيلة... اللي بيهد العيلة فعلاً هو إنك تجبر الضحية تسكت عشان تحمي سمعة الجاني.
بعد التصريح ده، ستات كتير بدأوا يبعتولها. ستات عاشوا نفس المأساة دي لسنين. ورسايلهم دي كانت النواة اللي اتبنت عليها جمعية أهلية بعد كده ب شهور.
مريم أخدت أسابيع عشان تتشافى وتخف. وابننا ياسين قعد 23 يوم في الحضانة. أول مرة شلته فيها، كان صغير أوي ومحصور بين إيديا الاثنين. كان قافل عينيه وبينفس بصعوبة كأنه بيحارب عشان يفضل عايش.
سامحني يا حبيبي هجست له في أذنه تأخرت عليك عشان أحميك، بس وحياة ربنا ما هتتكرر تاني.
مريم سمعتني من على السرير
مش عايزاك تعيش بغل يا أحمد.
ده مش غل.
يبقى خليها عدل ورحمة، مش انتقام.
كلماتها دي غيرت كل حاجة جويا.
كنت متخيل إني هدمر كريم وأخليه يشحت ويترجاني، بس فهمت إني لو استخدمت نفوذي عشان أأذيه برة القانون، هبقى شبهه. عشان كده سلمت كل دليل للنيابة وسبت القضاء ياخد مجراه.
عدلت هيكل الشركة، ومريم أخدت مكانها الرسمي في مجلس الإدارة. ما حدش بقى يقدمها على أنها مدام رئيس مجلس الإدارة، دي كانت الشريكة المؤسسة والست اللي شالت الشركة على كتافها لما ما كناش لاقيين ناكل.
بعد سنة، أسست جمعية لدعم الستات ضحايا العنف الأسري والأطفال المبتسرين، وسمتها دار أمينة.
حياتنا بدأت ترجع لطبيعتها وتلتئم... بس أمي ما تقبلتش فكرة الحدود.
بعد ست شهور من المحاكمة، ظهرت قدام المستشفى اللي كان ياسين بيعمل فيها متابعة. كانت خاسة جداً، من غير دهب، وشعرها شايب. اتنطرت وراكعة قدام مريم
خليني أشيل حفيدي مرة واحدة بس... أنا اتعاقبت خلاص. خسرت بيتي وفلوسي وابني!
مريم حَضَنَت ياسين في صدرها وقالت
أنتِ ما خسرتيش ابنك يا هانم... أنتِ اللي ربيتيه على إن كل حاجة تتاخد بالسرقة والتهديد والافتراء.
أمي بصت لي
يا أحمد... أنت قلبك رحيم ومؤمن.
وعشان قلبي رحيم ومؤمن، لازم أحمي بيتي وعيلتي.
اديتها ظرف. كان فيه عنوان دار رعاية كبار السن، وعنوان مستشفى حكومي، ورقم أخصائية اجتماعية. ما كانش فيه أي فلوس كاش.
أنا مش هسيبك من غير علاج ولا رعاية قلت لها بس مش هتعيشي معانا تاني، ولا هتشوفي مريم أو ياسين إلا لما الدكتور النفسي والقاضي يقولوا إنك مش خطرة علينا.
قطعت الظرف ورمته على الأرض
يبقى أموت أحسن لي!
ولأول مرة في حياتي، ما جريتش ألحقها من تهديداتها
القرار ده يرجع لك برضه.
ومشينا.
على مدار السنين اللي بعد كده، أمي تنقلت بين بيوت القرايب اللي سرعان ما زهقوا من طلباتها وإهانتها، وفي الآخر وافقت تقعد في دار رعاية. عمر ما نقصها دوا لأن مصاريف الدار كانت بتتدفع مني شخصياً وبشكل مباشر، بس عمرها ما استلمت كارت بنكي أو مفتاح أو فرصة ثانية عشان تتحكم في حياتنا.
كريم خرج من السجن بعد تسع سنين بشرط حسن السير والسلوك. جالي المكتب في الشركة... ما بقاش الراجل المتبجح بتاع زمان، كان ماشي منحني ووشه باين عليه التعب والكسرة.
شغلني عندك يا أحمد... أي حاجة.
أقدر أساعدك تدخل برنامج إعادة تأهيل ودمج للعمالة رديت بس مش هتدخل الشركة دي ولا هتلمس حساباتها.
ضحك بمرارة
لسه فاكر نفسك أحسن مني؟
لا... أنا بس اتعلمت إن المساعدة مش معناها إني أدي السكينة تاني للي طعنني بيها.
دخل البرنامج لأنه ما كانش قدامه حل تاني، قعد فيه تلات شهور وبعدها اختفى. عرفت إنه نقل محافظة تانية واشتغل في ورشة، وما اتصلش بيّ تاني أبداً.
بعد خمسة عشر سنة من اليوم ده، ياسين بقى شاب طول بعرض، ذكي ومحترم. في يوم لقى صورة قديمة لأمي وهي شايلاني وأنا طفل صغير.
هي دي تيتا؟ سأل.
بصيت لمريم... كنا متفقين ما نكذبش عليه أبداً.
أيوه يا ياسين... عملت حاجات هددت حياتك وحياة مامتك، عشان كده كان لازم نبعد عنها.
أنت بتكرهها؟
السؤال فاجأني
لا... فضلت فترة زعلان ومغلوق، بس دلوقتي فهمت إن حُب حد ما يجبركش تنحني لإذائه ليك.
ياسين بص للصورة
يعني أنت كنت ابن عاق؟
قعدت جنبه
يمكن في نظر بعض الناس أيوه... بس كنت هبقى أب وأزوح أوحش بكتير لو كنت سكتّ وما أخدتش موقف.
بالليلة دي، وأنا شايف مريم بتحضر العشا، فهمت الخاتمة الحقيقية لقصتنا
العيلة مش بتستمر بالخوف ولا بالذنب ولا
تم نسخ الرابط