يا تتجوز الست اللي بتنضف شوارع الكومباوند… يا تستعد تقضي باقي عمرك في السجن.”
واحدة كانت بترد عليا بالكلمة بعد أسبوع.
ندى ضحكت رغماً عنها.
وسكتوا تاني.
بعدين قال
فاكرة أول يوم؟
للأسف.
أنا كمان.
هزت رأسها.
أول يوم دخل عليها فيه متكبر.
مغرور.
شايف نفسه أحسن من الناس كلها.
وأول يوم بصتله هي فيه باعتباره مجرد ولد مدلل عمره ما هيبقى راجل.
قال كريم
لو حد قالي وقتها إنك هتبقي أهم إنسانة في حياتي كنت ضحكت في وشه.
ندى بصت قدامها.
وقلبها دق أسرع شوية.
لكنها ما اتكلمتش.
كريم كمل
ولو حد قالي إني هشتغل بإيدي وأصحى الفجر بإرادتي كنت افتكرته مجنون.
ندى ابتسمت.
فعلاً كنت مجنون.
كنت أسوأ من مجنون.
سكت لحظة.
ثم قال
كنت فارغ.
الجملة خرجت صادقة بشكل وجعها.
لأنها كانت حقيقية.
كريم بص للمصنع.
ثم قال
إنتِ غيرتيني.
ندى بلعت ريقها.
لا.
أيوة.
لف ناحيتها.
إنتِ أول حد في حياتي ما خافش مني.
وأول حد ما طمعش في فلوسنا.
وأول حد شاف أسوأ نسخة مني
واستحمل يشوف النسخة الأحسن وهي بتتخلق.
عينيها بدأت تلمع.
لكنها حاولت تهرب بنظراتها.
قالت بسرعة
كريم
استني.
ومد إيده لجيب الجاكيت.
ندى قلبها وقف.
لأنها كانت عارفة.
عارفة هيطلع إيه.
لكنها ما كانتش مستعدة.
طلع علبة صغيرة.
نفس العلبة اللي شافتها قبل كده.
بس المرة دي
إيده كانت بترتعش.
لأول مرة.
قال وهو بيضحك بتوتر
بصراحة كنت أشجع وأنا باواجه رجال أعمال ومجرمين.
دلوقتي خايف.
ندى ضحكت وسط دموعها.
ليه؟
عشان رأيك يفرق.
سكت.
ثم فتح العلبة.
الدبلة كانت بسيطة.
أنيقة.
مش غالية.
لكن فيها شيء مختلف.
فيها اختيار.
فيها إرادة.
فيها حب.
قال بصوت منخفض
أول مرة اتجوزتك
كنت مجبر.
وأول مرة طلبت منك تقعدي في حياتي
كان عشان أنقذ نفسي.
لكن النهارده
أنا بطلب منك تكملي معايا العمر كله.
دموع ندى نزلت أخيراً.
مش بسبب الكلام.
لكن بسبب الشخص اللي واقف قدامها.
الشخص ده ماكانش كريم اللي عرفته أول مرة.
ده شخص اتبنى من جديد.
شخص تعب.
واتكسر.
واتعلم.
واتغير.
بسببها.
وبسبب نفسه.
مدت إيدها ناحية العلبة.
لكنها وقفت فجأة.
كريم توتر.
إيه؟
ندى فتحت درج صغير كان فوق السور.
طلعِت منه ملف قديم.
كريم عرفه فوراً.
عقد الجواز الأول.
العقد اللي اتكتب كعقاب.
العقد اللي بدأ كذبة.
ندى فتحته.
وبصتله.
ثم مزقته لنصفين.
وبعدين لأربعة أجزاء.
وتركت الورق يطير مع الهوا فوق المصنع.
بصت له وابتسمت.
ابتسامة هادئة.
دافئة.
تشبه الأمان.
وقالت
ده كان عقد سنة.
أما اللي جاي
فأنا عايزاه عمر كامل.
كريم ضحك وهو مش مصدق.
يعني دي موافقة؟
ندى رفعت حاجبها.
لا.
قلبه وقع.
لكنها كملت وهي تمد إيدها
دي أسعد موافقة في حياتي.
في نفس اللحظة
تحتهم مباشرة
بدأت صفارة انتهاء الوردية.
العمال خرجوا من أبواب المصنع.
ولمّا لمحوا كريم وندى فوق السطح
بدأ التصفيق.
حد ما يعرفش ليه بدأ.
لكن الباقيين شاركوه.
ثواني قليلة
وكانت ساحة المصنع كلها بتصفق.
للبنت اللي رجعت اسم أبوها.
وللشاب اللي اتعلم يكون راجل.
وللقصة اللي بدأت كعقاب
وانتهت كحياة كاملة.
أما ندى
فبصت للسماء.
وافتكرت أبوها.
وهمست وسط دموعها
شفت يا بابا؟
الحقيقة رجعت.
واسمك رجع.
وأخيراً
أنا بقيت بخير.