يا تتجوز الست اللي بتنضف شوارع الكومباوند… يا تستعد تقضي باقي عمرك في السجن.”

لمحة نيوز

محدش كان عايز يوظفه.

لأن كل الناس كانت عارفة سمعته.

وفي النهاية

اشتغل في مخزن مواد بناء.

شغلانة شاقة.

مرتبها بالكاد يكفي.

وفي أول يوم رجع البيت متبهدل.

إيده كلها خدوش.

وضهره بيوجعه.

ورجليه مش شايلينه.

دخل وهو متوقع السخرية.

لكن ندى بصت له للحظة.

ثم حطت قدامه طبق أكل سخن.

وقالت

مبروك.

استغرب.

على إيه؟

أول يوم شغل حقيقي في حياتك.

لأول مرة

ماعرفش يرد.


الأيام بدأت تعدي.

وكريم بدأ يلاحظ حاجات غريبة.

ندى ما كانتش مجرد عاملة نظافة.

كانت أذكى من أغلب المديرين اللي عرفهم.

مرة شافها بتحل مشكلة محاسبية معقدة أسرع من محاسب الشركة نفسه.

ومرة تانية سمعها بتتكلم مع محامي مشهور في قضية تجارية ضخمة.

وفي كل ليلة

كانت تقعد بالساعات وسط ملفات ومستندات.

كأنها بتحضر لمعركة.

وفي يوم

قرر يعرف السر.

ولما عرف

حياته كلها اتشقلبت.

لأن ندى ما كانتش مجرد عاملة نظافة.

ندى كانت وريثة إمبراطورية كاملة.

إمبراطورية اتسرقت.

وأبوها مات مظلوم.

وهي بقالها ثلاث سنين بتحارب وحدها عشان تثبت الحقيقة.

والاسم اللي وراء كل المصايب

كان اسم رجل يثق فيه أبوه أكثر من نفسه.

رامي العزازي.

الشريك القديم.

والصديق القديم.

والخائن الحقيقي.

لكن لا كريم ولا ندى كانوا يعرفوا وقتها

أن رامي بدأ يشعر بالخطر.

وأن الرجل الذي سرق الملايين سابقًا

أصبح مستعدًا للقتل هذه المرة.

لأن بعض الأسرار يمكن إخفاؤها بالمال.

وبعضها بالسلطة.

لكن السر الذي كانت ندى تقترب منه

كان ثمنه الدم.

رامي العزازي لم يكن رجلًا يخسر بسهولة.

طوال ثلاث سنوات كان ينام مرتاحًا، مقتنعًا أن كل الخيوط التي قد تقوده إلى السقوط تم قطعها.

الشركة أُغلقت.

صاحبها مات.

زوجته لحقت به من الحزن.

والبنت الصغيرة التي كانت تدور بين المحاكم والمكاتب الحكومية بحثًا عن الحقيقة تحولت إلى عاملة نظافة بالكاد تستطيع دفع ثمن علاج أختها.

هكذا كان يظن.

لكن الحقيقة كانت مختلفة.

الحقيقة أن ندى لم تستسلم يومًا.

كانت تتظاهر بالضعف فقط.


في مساء بارد، كانت ندى خارجة من مكتب أحد المحامين تحمل حقيبة مليئة بالمستندات.

شعرت أن هناك سيارة تسير خلفها.

في البداية تجاهلت الأمر.

لكن السيارة ظلت خلفها في كل شارع.

وفي كل إشارة.

وفي كل منعطف.

تسارعت دقات قلبها.

أخرجت هاتفها.

واتصلت بكريم.

إنت فين؟

استغرب من نبرة صوتها.

في المخزن مالك؟

نظرت في المرآة.

السيارة السوداء ما زالت خلفها.

وقالت بصوت مرتجف لأول مرة

حد بيراقبني.

قفز كريم من مكانه.

إنتِ فين دلوقتي؟

أخبرته بالمكان.

وأغلق الخط.


بعد عشر دقائق فقط

كان كريم يقود كالمجنون.

لأول مرة في حياته لا يفكر في نفسه.

لا يفكر في سيارته.

لا يفكر في مشاكله.

كل ما كان يفكر فيه هو ندى.

وصل إلى الشارع.

لكن قلبه توقف.

السيارة السوداء كانت موجودة.

أما ندى

فلم تكن هناك.


سقط الهاتف من يده.

وركض ناحية الحقيبة الملقاة على الأرض.

كانت حقيبتها.

مفتوحة.

والمستندات مبعثرة في كل مكان.

لكن ندى اختفت.

تمامًا.


في نفس اللحظة تقريبًا

كانت ندى مقيدة داخل مخزن مهجور على أطراف المدينة.

يديها مربوطتان.

ورأسها يؤلمها من أثر الضربة.

حاولت فتح عينيها.

لتجد رجلًا يجلس أمامها.

بدلة سوداء.

ساعة فاخرة.

وابتسامة باردة.

رامي العزازي.

ابتسم وهو يصفق ببطء.

بصراحة أنا معجب بإصرارك.

ندى بصت له باحتقار.

خايف مني للدرجة دي؟

ضحك.

لا.

ثم اقترب منها.

أنا خايف من الحقيقة اللي معاكي.

صمت لحظة.

وأضاف

للأسف الناس اللي بيدوروا على الحقيقة أوي أحيانًا بيختفوا.


في مكان آخر

كان كريم يركض كالمجنون بين أقسام الشرطة.

ويحاول الاتصال بأي شخص يمكنه المساعدة.

لكن الوقت كان يمر.

والخوف كان يزداد.

لأول مرة شعر أنه قد يخسر شخصًا مهمًا.

شخصًا لم يكن يعرف قيمته إلا بعدما أصبح مهددًا بفقدانه.


الحاج محمود وصل بعد ساعة.

ولما عرف أن ندى اختفت

جلس على الكرسي وكأن الأرض انسحبت من تحته.

همس

بسببي.

رفع كريم رأسه.

إيه؟

قال الرجل بصوت مكسور

أنا اللي أدخلت رامي حياتنا.

ثم أغلق عينيه.

ولو حصل لها حاجة عمري ما هسامح نفسي.


في تلك الليلة

وصل ظرف صغير إلى بيت كريم.

بلا اسم مرسل.

بلا عنوان.

في داخله صورة واحدة فقط.

صورة لندى.

مقيدة.

وخلفها ساعة حائط.

وفي أسفل الصورة مكتوب بخط أحمر

لو عايزين تشوفوها تاني

وقفوا القضية.

وإلا هتختفي للأبد.


ساد الصمت.

الحاج محمود أمسك الصورة بيد مرتعشة.

أما كريم

فنظر إلى الصورة طويلًا.

طويلًا جدًا.

ثم رفع رأسه.

وفي عينيه شيء لم يره أحد من قبل.

ليس خوفًا.

ولا تهورًا.

بل تصميمًا حقيقيًا.

وقال بهدوء

أنا هجيبها.

سأله أبوه

إزاي؟

نظر للصورة مرة أخرى.

ثم قال

لأن رامي ارتكب غلطة.

إيه هي؟

ابتسم كريم للمرة الأولى منذ اختفائها.

وأشار إلى ساعة الحائط الموجودة خلف ندى في الصورة.

وقال

نسي يخفي مكانه.

وفي اللحظة نفسها

لم يكن أحد منهم يعرف أن ندى كانت قد تمكنت بالفعل من فك أحد القيود.

وأن المعركة الحقيقية

بدأت الآن.

وقف كريم في منتصف المكتبة، والظرف القديم
تم نسخ الرابط