يا تتجوز الست اللي بتنضف شوارع الكومباوند… يا تستعد تقضي باقي عمرك في السجن.”
المحتويات
بين إيديه، وكأنه ماسك قنبلة على وشك الانفجار.
الصور كانت قدامه، لكن عقله كان رافض يصدق.
ندى الست اللي كان بيعتبرها مجرد عاملة نظافة أجبره أبوه على الجواز منها طلعت بنت واحد من أكبر رجال الصناعة اللي انهار اسمه في فضيحة هزت البلد كلها.
ولأول مرة في حياته، حس كريم بالخجل.
خجل من نفسه.
من سخريته منها.
من نظرات الاحتقار اللي كان بيرميها عليها كل يوم.
ومن الحقيقة المريرة إنه عمره ما حاول يعرف هي مين أصلًا.
دخل الحاج محمود المكتب فجأة.
أول ما وقعت عينه على الصور، اتجمد مكانه.
كأن السنين كلها رجعت تضربه في وشه مرة واحدة.
سحب كرسي وقعد ببطء.
إيده كانت بتترعش.
وقال بصوت مكسور
كنت فاكر إني ذكي لكن طلع أسهل واحد اتضحك عليه.
رفع كريم عينه لأبوه.
إيه اللي حصل بالضبط؟
سكت الحاج محمود لحظات طويلة.
ثم قال
أبوكِ يا ندى كان أنضف راجل عرفته في حياتي.
في اللحظة دي، ظهرت ندى عند باب المكتب.
كانت واقفة بهدوء غريب.
كأنها مستنية اللحظة دي من سنين.
كملت كلام الحاج محمود بنفسها
وأنتوا صدقتوا إنه حرامي.
سقط الصمت على المكان.
صمت تقيل لدرجة إن صوت عقارب الساعة بقى مسموع.
فتحت ندى حقيبة جلدية قديمة.
وأخرجت منها فلاشة صغيرة.
وضعتها فوق المكتب.
وقالت
ثلاث سنين وأنا بجمع الأدلة.
ثم نظرت مباشرة للحاج محمود.
وثلاث سنين وأنا مستنية اليوم ده.
تم تشغيل التسجيل.
ظهر صوت رامي العزازي واضحًا.
هادئًا
وواثقًا
ومليئًا بالخبث.
كان يتحدث مع مدير الحسابات عن تحويل ملايين الجنيهات إلى شركات وهمية.
وكان يشرح بالتفصيل كيف سيتم تلفيق كل شيء باسم عبدالعزيز.
بل وكيف سيتم التخلص من أي مستند يثبت براءته.
كل كلمة كانت صفعة.
وكل ثانية كانت تهدم كذبة عاشوا عليها سنوات.
انتهى التسجيل.
ولم يتكلم أحد.
الحاج محمود أغمض عينيه.
ثم انحنى للأمام.
ووضع وجهه بين كفيه.
وبكى.
بكى لأول مرة أمام ابنه.
بكى كرجل اكتشف أنه شارك في قتل صديق بريء.
أما ندى
فلم تبكِ.
كانت دموعها جفت منذ زمن بعيد.
قالت بصوت ثابت
أبويا مات وهو شايل عار عمره ما عمله.
وأمي ماتت بعده بست شهور من القهر.
وأختي كانت بتنام من غير علاج.
وأنتوا كنتوا مصدقين إننا مجرمين.
رفع الحاج محمود رأسه.
كانت عيناه حمراوين.
وقال بصوت متقطع
سامحيني.
لكن ندى هزت رأسها.
أنا مش جاية أدور على السماح.
أنا جاية أرجع الحق.
في تلك الليلة
لم ينم أحد.
وفي صباح اليوم التالي بدأت الحرب.
حرب قانونية ضخمة.
محامون.
مراجعة حسابات.
مستندات.
شهود.
وتحقيقات فتحت ملفات كانت مدفونة من سنوات.
أما رامي العزازي
فبدأ يشعر بالخطر.
في البداية ضحك.
ثم تجاهل.
ثم ارتبك.
ثم خاف.
لأنه لأول مرة أدرك أن الشخص الذي كان يعتبره مجرد فتاة فقيرة تكنس الشوارع
كان يبني ضده ملفًا كاملًا منذ سنوات.
كل محاولة للهروب كانت تقابلها وثيقة.
كل كذبة كان يواجهها تسجيل.
كل حساب سري كانت تظهر له نسخة منه.
وكانت ندى دائمًا تسبقه بخطوة.
وفي يوم جلسة التحقيق الكبرى
دخل رامي بثقة مصطنعة.
بدلة فاخرة.
ساعة ثمنها ملايين.
وحراسة من المحامين.
لكن بعد ساعتين فقط
خرج منهارًا.
الابتسامة اختفت.
واللون هرب من وجهه.
لأن القاضي استمع بنفسه للتسجيلات.
ورأى التحويلات البنكية.
واطلع على شهادات الموظفين.
وصدر القرار الذي لم يتوقعه أحد.
التحفظ على أمواله.
منعه من السفر.
وفتح قضية جنائية ضده.
خارج المحكمة
كانت الكاميرات في انتظاره.
أما ندى
فاكتفت بالنظر إلى السماء.
لأول مرة منذ سنوات.
شعرت أن روح أبيها بدأت ترتاح.
لكن المفاجأة الحقيقية
لم تكن سقوط رامي.
المفاجأة كانت في الشخص الذي تغير أكثر من الجميع.
كريم.
الشاب الذي لم يكن يعرف معنى العمل.
ولا قيمة الناس.
ولا معنى المسؤولية.
بدأ ينزل كل صباح إلى الشركة.
يتعلم.
يخطئ.
ويتعلم من جديد.
ولأول مرة
كان يسمع أكثر مما يتكلم.
وبعد شهور طويلة من التعب
وقف أمام المرآة ذات ليلة.
واكتشف أنه لم يعد يعرف الشخص الذي كان عليه سابقًا.
الشاب المستهتر مات.
وشخص جديد بدأ يولد مكانه.
شخص يستحق فرصة ثانية.
وشخص بدأ يقع في حب زوجته
بكل إرادته.
وليس بأمر من أحد.
بعد شهرين
القضية اتقفلت رسميًا.
اسم عبدالعزيز اتبرّأ بالكامل.
رامي اتحكم عليه بالسجن.
ومدير الحسابات اعترف بكل حاجة قبل ما يموت بأيام.
ولأول مرة من سنين طويلة
ندى صحيت الصبح من غير ما يكون عندها معركة تخوضها.
لكن الغريب
إن الهدوء كان أصعب عليها من الحرب.
طول عمرها كانت بتجري.
ورا علاج ملك.
ورا إيجار البيت.
ورا الحقيقة.
ورا اسم أبوها.
دلوقتي؟
كل حاجة رجعت.
والفراغ بدأ يبان.
في مساء هادئ، كانت واقفة فوق سطح مبنى الشركة.
بتبص على المصنع.
الأضواء شغالة.
العمال خارجين.
صوت الماكينات راجع للحياة.
حاجات أبوها كان فاكر إنه مش هيشوفها تاني أبداً.
سمعت صوت خطوات وراها.
ابتسمت من غير ما تلف.
كريم.
بقت تعرف خطواته من بعيد.
وقف جنبها.
وسكت.
دقيقة.
اتنين.
ثلاثة.
لحد ما قالت وهي مبتسمة
اتعلمت السكات إمتى؟
ضحك.
من
متابعة القراءة