يا تتجوز الست اللي بتنضف شوارع الكومباوند… يا تستعد تقضي باقي عمرك في السجن.”
يا تتجوز الست اللي بتنضف شوارع الكومباوند يا تستعد تقضي باقي عمرك في السجن.
الجملة نزلت على كريم المنشاوي كصفعة.
رفع عينيه بصدمة ناحية أبوه، مستني يضحك أو يقول إنه بيهزر، لكن الحاج محمود المنشاوي كان قاعد خلف مكتبه الضخم بملامح جامدة كالحجر، وعينيه مليانة غضب عمر كريم ما شافه قبل كده.
حضرتك أكيد مش جاد.
أنا عمري ما كنت أجدّ من اللحظة دي.
سكت كريم.
لأول مرة في حياته يحس إن الأرض بتتهز تحت رجليه.
من وهو صغير، كان متعود إن اسم عيلته يفتح له كل الأبواب المقفولة. لو خبط عربية، يتصل بأبوه. لو اتخانق مع حد، أبوه يحلها. لو وقع في مصيبة، الفلوس والنفوذ كانوا دايمًا موجودين.
لكن اللي حصل الليلة دي كان مختلف.
مختلف لدرجة إن حتى اسم المنشاوي نفسه ما بقاش كفاية.
قبل ساعات قليلة، كان كريم بيطير بعربيته الرياضية على طريق مصر إسكندرية الصحراوي، والموسيقى صاخبة، والهوا بيضرب وشه، وهو فاكر نفسه فوق القانون وفوق البشر.
ثانية واحدة كانت كفاية تغيّر كل حاجة.
عجلة انزلقت.
فرامل صرخت.
حديد اتكسر.
وصوت ارتطام دوّى في الليل.
لما فتح عينيه بعدها، كانت العربية محطمة، والدنيا حواليه فوضى.
والرجل اللي خبطه كان مرمي على الأرض غارقًا في دمه.
في البداية افتكر إنها هتعدي زي كل مرة.
لكن بعد ساعات عرف الحقيقة.
الرجل لم يكن مجرد حارس موقع إنشاءات.
كان مستشارًا قضائيًا سابقًا.
ورجلًا يعرف نصف البلد.
ورجال الدولة كلها تقريبًا تعرفه.
المرة دي، النفوذ لن ينقذه.
والمرة دي، أبوه قرر يعاقبه بنفسه.
الحاج محمود مال للأمام وقال بصوت بارد
أنا صرفت عمري كله أبني اسم العيلة وإنت قضيت عمرك كله بتحاول تهده.
وأنا مطلوب مني أعمل إيه؟
فتح الحاج محمود ملفًا أمامه.
ثم دفع صورة عبر المكتب.
تتجوزها.
كريم أمسك الصورة.
وللحظة افتكر إن أبوه بيسخر منه.
في الصورة كانت فتاة ترتدي زي عمال النظافة البرتقالي، تمسك مكنسة طويلة وتقف في شارع داخلي داخل أحد الكومباوندات الراقية في الشيخ زايد.
ملامحها هادئة.
لكن عينيها كانت تحمل شيئًا غريبًا
ثقة لا تشبه أي عاملة نظافة رآها في حياته.
مين دي؟
اسمها ندى عبدالعزيز.
وأنا أتجوز عاملة نظافة ليه؟
رفع الحاج محمود حاجبه وقال
لأنك محتاج تتعلم قيمة الناس اللي طول عمرك كنت شايفهم أقل منك.
ثم أضاف ببطء
ولأنها الإنسانة الوحيدة اللي وافقت تساعدني أنقذك.
كريم ضحك ساخرًا.
لكنه لم يكن يعرف أن الفتاة الموجودة في الصورة تخفي سرًا أكبر من كل أسرار عائلته.
سرًا سيقلب حياته
وحياة والده
وإمبراطورية المنشاوي كلها رأسًا على عقب.
......
كريم رمى الصورة على المكتب وهو بيضحك بسخرية.
حضرتك بتهزر فعلًا.
الحاج محمود ما ردش.
فضل باصص له بنفس النظرة الباردة اللي خلت الضحكة تموت على شفايفه تدريجيًا.
أنا لو دخلت السجن هخرج بعد كام سنة.
ممكن.
إنما أتجوز واحدة بتنضف الشوارع؟
سكت أبوه ثواني.
ثم قال بهدوء أخطر من أي صراخ
عارف الفرق بين السجن والجواز ده يا كريم؟
كريم عقد ذراعيه.
إيه؟
السجن ممكن يعلمك الخوف إنما هي هتعلمك قيمة الإنسان.
لأول مرة، كريم حس بالإهانة.
مش بسبب الجوازة.
بسبب الحقيقة اللي أبوه رماها في وشه.
لأنه في أعماقه كان عارف إن كلامه صح.
طول عمره عمره ما اشتغل.
عمره ما تعب.
عمره ما وقف في طابور.
حتى العربية اللي حطمها كانت هدية عيد ميلاد.
خرج من المكتب وهو مولع من الغضب.
لكن بعد 48 ساعة فقط
كان واقف في مكتب الشهر العقاري.
قدامه ندى عبدالعزيز.
ولأول مرة يشوفها عن قرب.
كانت أبسط بكتير مما تخيل.
لا مكياج.
لا مجوهرات.
لا محاولة لإبهار أي حد.
عباية كحلي بسيطة.
وشعر مربوط للخلف.
وعيون ثابتة بشكل غريب.
عيون شخص شاف حاجات كتير في حياته ومابقاش يخاف من حد.
المأذون خلص الإجراءات بسرعة.
ندى مضت.
الحاج محمود مضى كشاهد.
باقي بس كريم.
مسك القلم.
وبص لها.
مستني يشوف فرحة.
توتر.
طمع.
أي حاجة.
لكنها كانت واقفة وكأن الموضوع كله لا يعنيها.
وده ضايقه أكتر.
فمضى.
وفي اللحظة دي
بدأت السنة اللي هتغير كل حاجة.
البيت اللي نقلوا له كان صغير مقارنة بالقصور اللي اتربى فيها كريم.
ثلاث أوض.
وصالة.
ومطبخ.
بس.
أول ليلة دخل وهو متوقع يفرض سيطرته.
لكن المفاجأة كانت مستنياه.
على باب التلاجة كانت معلقة ورقة.
مكتوب فيها
قواعد المنزل
1 كل شخص ينضف مكانه.
2 الغسيل بالتبادل.
3 المصاريف بالنص.
4 ممنوع التدخين داخل البيت.
5 الاحترام إجباري.
كريم انفجر ضاحكًا.
إيه ده؟ معسكر تأهيل؟
ندى كانت بتحضر الشاي.
ردت من غير ما تبص له
لا.
أمال؟
بيت طبيعي.
ابتسامته اختفت.
لأن كلمة طبيعي كانت شيء عمره ما عرفه.
بعد أسبوع واحد فقط
اكتشف المصيبة الحقيقية.
بطاقاته البنكية اتقفلت.
حساباته اتجمدت.
العربية الرياضية اتسحبت.
والمصروف الشهري اختفى.
اتصل بأبوه وهو بيصرخ.
إنت بتعمل إيه؟!
رد الحاج محمود بهدوء
بربي ابني.
وقفل الخط.
لأول مرة في حياته
كريم اضطر يدور على شغل.
لف على عشرات الشركات.
كلهم كانوا يعرفوا اسمه.
لكن