ابنى عمل حادثه
بعت دهبي، وبعت أرض جوزي، واستلفت فلوس من الناس عشان أنقذ ابني بعد ما قال إنه اتعرض لحادثة وهيموت من غير عملية، لكن لما خرجت اجيبله دواء وقفتنى ممرضة في الطريقه و ادتنى ورقه مكتوب فيها متجيش بكرة. ابنك بيكدب عليكي. شوفي كاميرا أوضة 307 الساعة 200 بالليل.
رفعت عينيها وبصت على سرير المستشفى. كان هناك أحمد، ابنها الوحيد، راقد ورجله متورطة، وغطا أزرق مغطي صدره ووشه باهت تحت الإضاءة الباردة ل مستشفى الدمرداش العام. بين كل فترة والتانية كان بيطلع أنين خفيف، كأن الوجع بيكسره.
نادية، صاحبة ال 66 سنة، كانت نايمة على كرسي خشب ناشف جنبه بقالها 3 أيام. جات جري من بيتها في بنها بعد ما جالها المكالمة اللي نشفت الدم في عروقها
يا أمي، أنا وقعت في الشغل ورجلي اتكسرت. ماليش غيرك، أرجوكي تعالي.
ماسألتش عن أي حاجة. خدت شنطتها، وأدوية الضغط بتاعتها، وبلوفر قديم وركبت تاكسي مع إن مكانش معاها فلوس تكفي بقية الأسبوع. أحمد كان ابنها، وادها الصغير، نفس الولد اللي ربته لوحدها من وقت ما جوزها طه اتمسك بالكهربا ومات في حادثة شغل لما كان أحمد عنده 8 سنين.
من وقتها، نادية كانت الأم والأب والممرضة والبنك والأمان
كانت بتشتغل في غسيل هدوم الناس.
بتبيع طعمية وسندوتشات على الناصية.
بتنظف بيوت وفلل في التجمع الخامس.
ليالي كتير كانت بتشرب شاي بلقمة عيش ناشفة عشان ابنها ياكل ويشبع ويزود كمان. باعت حلق فرحها عشان تدفع مصاريف ثانوية عامة، وبعدها باعت حتة الأرض الصغيرة اللي طه سابها لها عشان تكمل مصاريف جامعة أحمد.
وفي كل مرة كان بيقول لها ثقي فيا يا أمي، كانت بتثق فيه. لأن الأم المصرية بتستحمل، ولأن الأم بتسامح، ولأن الأم ساعات بتقدم عمرها كله وتلغيه عشان تحطه في إيد ابنها.
بس الورقة دي كانت بتقول عكس كده تماماً.
الممرضة اللي سلمتها الورقة كان اسمها كريمة. كانت ست باين عليها التعب، لامة شعرها لفوق وصوتها واطي. مكنش باين عليها إنها ست شريرة، بل كانت شبه حد شاف حاجة قبيحة ومبقاش قادر يبلعها أو يسكت عليها.
نادية قرت الرسالة تاني، وبعدين بصت على أحمد؛ كان نايم بهدوء شديد، هدوء ما يناسبش حد المفروض مش قادر يحرك صباع من الألم.
الساعات كانت بتمر ببطء قاتل
1130
1240
125
نادية حست بغثيان ووجع في صدرها. افتكرت ياسمين، خطيبة أحمد، البنت الشيك الشايفة نفسها اللي شغال في مستشفى استثماري خاص، واللي كانت دايماً بتبص ل نادية كأن ريحتها فقر.
وافتكرت كمان كل المرات اللي أحمد طلب منها فلوس فيها
8000 جنيه عشان يصلح العربية.
15000 جنيه عشان مشروع ومانجحش.
30000 جنيه عشان شريكه ضحك عليه وسابه في نص الطريق.
دايماً كان فيه مصيبة، دايماً كان فيه دموع، ودايماً نادية هي اللي بتدفع وتتصرف.
الحقيقة المرة في غرفة المراقبة
الساعة 210 بالليل، كريمة ظهرت عند الباب وشاورت لها.
نادية قامت براحة وبتثاقل، بصت على ابنها نظرة أخيرة ومشت وراها في الممر الفاضي. المستشفى كانت ريحتها كلور، وقهوة بايتة، وخوف. دخلوا مكتب صغير، كريمة قفلت الباب بالمفتاح وشغلت شاشة قديمة، وهمست
ماتصدقينيش أنا.. صدقي اللي عينك هتشوفه.
نادية صدرها ضاق وصوتها انقطع أنتِ بتساعديني ليه؟
كريمة عينيها مانزلتش من على الشاشة وقالت لأني أم أنا كمان. ولأني تعبت من إني أشوف عيال أندال بيستغلوا حب أمهاتهم كأنه مكنة ATM بيفضوا فيها.
بدأت تدور على الكاميرا الدور الثالث، الممر الشمال، أوضة 307.
ظهرت الصورة بالأسود والأبيض، السرير كان فاضي! نادية قربت من الشاشة لأ.. دي مش أوضته.
كريمة سكتت ومردتش.
الساعة في الكاميرا كانت 203 بالليل. باب الحمام بتاع الأوضة كان موارب، وفيه حركة جواه. وفجأة.. أحمد خرج!
كان ماشي على رجليه.. عادي جداً! من غير ما يعرج، ومن غير أي جبيرة أو جبس باين. لابس بنطلون جينز تحت الروب، وكوتشي في رجله، وماسك الموبايل في إيده.
نادية حست إن النفس اتقطع عنها. ابنها مشي لحد الشباك، ظبط شعره وابتسم وهو بيكتب رسالة، بعدين فتح باب الأوضة وخرج للممر بكل برود وبجاحة.
كريمة غيرت الكاميرا؛ أحمد مشي لحد الأسانسير، وعند الرصيف بتاع الجراج كانت فيه عربية سودا فخمة مستنياه. نزلت منها ياسمين، حضنته وبسته، وفيه راجل لابس بدلة سلم عليه واداله ظرف منفوخ فلوس.
نهاية الصدمة
نادية ما صرختش، وما عيطتش. فضلت واقفة بتبص للشاشة كأنها بتشوف ابنها بيموت للمرة الثانية، بس المرة دي مش بحادثة قضاء وقدر.. المرة دي باختياره هو وبإرادته.
كريمة حطت فلاشة USB في إيد نادية وقالت لها في تسجيلات تانية.. وورق ومستندات مزورة. يا ست نادية.. دي مش كسر في الرجل.. دي عملية نصب.
نادية رجعت لأوضة 307 ورجليها زي الخرق مش شايلاها من الصدمة. أحمد كان لسه على السرير، عامل نفسه نايم، والجبس متركب تاني على رجله بكل اتقان وخداع.
قعدت جنبه بالظبط.. ولأول مرة في حياتها كأم بقالها سنين طويلة، تبص لابنها وماتعرفش الراجل اللي نايم قدامها ده مين. مكنتش قادرة تصدق إيه اللي هيحصل بعد كده...
الجزء الثاني والأخير
مع أول خيوط الفجر، فتح أحمد عينيه ورسم على وشه علامات الوجع والتعب وبص لأمه وقال بنبرة كلها تمثيل
أمي.. أنتِ مانمتيش؟ ياه يا أمي، ضميري بيوجعني أوي وأنا شايفك تعبانة بسببي كده.
فضلت نادية تبص له في صمت قاتل.
الكلمات دي كان زمان بتدوب قلبها وتخليها