حماتي رمت بواقي الاكل
الجزء الأول خلف الستار والابتسامة الباردة
لو البنتين جعانين، يلمّوا اللي فاضل من الأكل. في العيلة دي، الست اللي ما بتخلفش ولاد ذكور مالهاش مكان على السفرة الكبيرة. قالت الحاجة فاطمة، حماة نادين، هذه الجملة وهي تبتسم ابتسامة باردة تحمل من القسۏة ما يكفي لإنهاء أي ود متبقٍّ، كأنها تنطق بحقيقة كونية لا تقبل النقاش ولا الجدال. الحفلة كانت في أوج صخبها؛ فرقة الموسيقى تعزف ألحاناً شرقية وغربية متقنة، الورد الطبيعي النادر يملأ الأركان وتفوح رائحته لتمتزج برائحة البخور الفاخر، والجرسونات يرتدون قفازات بيضاء ناصعة، ويتحركون بخفة حاملين صواني فضية ثقيلة مليئة بأفخم المأكولات والمشويات والحلويات الغربية والشرقية التي لا تُقدم إلا في قصور الأثرياء. العائلة بأكملها، من أعمام وأخوال وأبناء عمومة، كانوا يحتفلون بانتصار عظيم؛ فالابن المدلل طارق قد حقق المستحيل أخيراً، واشترى فيلا فخمة في أرقى مناطق القاهرة الجديدة. بيت هائل يمتد على مساحة واسعة، تحيط به حدائق منسقة بعناية، ويضم حمام سباحة يتلألأ تحت أضواء الليل، وتراساً علوياً يطل على المساحات الخضراء، ومدخلاً شاهق الارتفاع مصنوعاً من الرخام الإيطالي الفاخر. كان الجميع يقفون بهواتفهم الحديثة، يلتقطون الصور التذكارية أمام الفيلا، ويسجلون مقاطع الفيديو المباشرة على منصات التواصل الاجتماعي، متباهين بنجاح طارق المزعوم وكأنه أصبح ملكاً من ملوك العقارات في مصر.
ولكن، بعيداً عن هذا الصخب، وفي زاوية معتمة بجوار باب المطبخ الخلفي، حيث ممر الخدم وعربات النظافة، كانت هناك طاولة خشبية صغيرة متهالكة. على هذه الطاولة جلست نادين ومعها ابنتاها؛ فريدة ذات الثماني سنوات، وياسمين التي لم تتجاوز الخمس سنوات بعد. لم يكن جلوسهن هناك محض صدفة أو لعدم وجود أماكن، بل كان بأمر صارم ومباشر من الحاجة فاطمة، التي أصرت على عزلهن بحجة أن السفرة الكبيرة الممتدة في قلب الحديقة مخصصة فقط للرجال والناس الذين يرفعون رأس العائلة، أما من أنجبت البنات فلا تستحق أن تجلس في صدارة المشهد. نادين كانت تجلس مطأطئة الرأس، لكن ليس انكساراً، بل صبر واستجماع للقوة. لسنوات طويلة، تحملت هذه الزوجة الإهانة تلو الإهانة في صمت مطبق. بالنسبة لعائلة طارق، نادين لم تكن سوى فتاة بسيطة تعمل كسمسارة عقارات مبتدئة، بالكاد تجني ما يكفي لمصاريفها الشخصية، لا تنتمي لعائلة ذات نفوذ أو ثروة، والأسوأ من كل ذلك في مخيلتهم المړيضة، أنها لم تنجب لطارق الولد الذي يحمل اسمه ويخلد ذكره.
لكن ما لم يكن يعلمه طارق، ولا أمه، ولا أي فرد في تلك العائلة المغرورة، هو أن نادين كانت تعيش حياة مزدوجة. في السر، وبعيداً عن أعينهم، كانت نادين هي المؤسس والمدير التنفيذي لواحدة من أكبر وأنجح شركات التسويق والاستشارات العقارية في العاصمة. كانت هي العقل المدبر وراء صفقات بمليارات الجنيهات، والعديد من الفيلات والقصور التي كان طارق يتباهى أمام أصدقائه بأنه يعرف أصحابها أو يمر بجوارها، كانت نادين قادرة على شرائها كاش نقداً دون الحاجة لأي قرض بنكي. فضلت نادين إخفاء هذه الحقيقة لمدة عشر سنوات كاملة. في السنوات الأولى، فعلت ذلك بدافع الحب والرغبة في الحفاظ على مشاعر زوجها الكبرياء الرجولي، لكن مع مرور الوقت، تحول الإخفاء إلى خوف تام. لن تنسى نادين ذلك اليوم، قبل سنوات، عندما علمت بطريق الخطأ أن طارق اكتشف أنها ربحت في صفقة عقارية واحدة مبلغاً يفوق كل ما يجنيه هو في عام كامل؛ يومها لم يبارك لها، بل ثار جنونه، واهتزت ثقته بنفسه، وضبطها في غرفة
المعيشة ليصفعها على وجهها بقسۏة مفرطة قائلاً لها كلمات حُفرت في قلبها مفيش ست في الدنيا دي هتطلع أحسن مني أو تعلى عليا! ومنذ تلك اللحظة، اتخذت نادين قراراً ذكياً لحماية نفسها ومستقبل بناتها؛ قامت بتسجيل جميع أملاكها، وشركاتها، وحساباتها البنكية الضخمة، وعقاراتها باسم شركات أوفشور ومحامين ثقاة وأفراد من عائلتها البعيدين عن الأنظار، وعاشت أمام طارق وعائلته كزوجة مطيعة، موظفة براتب محدود، تتحمل قسوتهم فقط لتتجنب نوبات غضبه وعنفه المړيض.
الجزء الثاني تراكم القسۏة وسؤال الطفولة
إلا أن السكوت والتحمل عمره ما كان حلاً لوقف الظالم؛ بل هو في الحقيقة الوقود الذي يشجعه على الطغيان والتمادي. الحاجة فاطمة لم تكتفِ بعزل نادين، بل كانت تمارس ساديتها على الطفلتين الصغيرتين بشكل يومي. كانت تحرم فريدة وياسمين من شراء الملابس الجديدة في الأعياد والمناسبات، بحجة أن أموال ابنها طارق يجب أن تُدخر للعمل والمستقبل، بينما كانت تشتري لأبناء بناتها الآخرين أفخم الملابس والألعاب. كانت تنادي الطفلتين بألفاظ قاسېة ومهينة تقلل من شأنهما كبنات، وتجبرهما في المناسبات العائلية الصغيرة على التحرك بين أفراد العائلة لتقديم المشروبات وجمع القمامة كأنهما خادمتان. وفي إحدى الحفلات العائلية الخاصة بعيد ميلاد أحد أبناء عمومتهم، بلغت القسۏة ذروتها عندما أجبرت الحاجة فاطمة الطفلة الكبيرة، فريدة، على الوقوف أمام حوض المطبخ لغسل أكوام الصحون والمواعين الثقيلة أمام نظرات المعازيم وأطفال العائلة الذين كانوا يضحكون ويسخرون منها. وعندما حاولت نادين التدخل، صړخت في وجهها الحاجة فاطمة قائلة اتركيها.. لازم تتعلم مكانها من صغرها، الست ملهاش غير الخدمة، خصوصاً لو كانت بنت ملهاش ظهر!
في تلك الليلة، عادوا إلى شقتهم المستأجرة القديمة، ودخلت فريدة إلى غرفة أمها، وعيناها حمراوان من كثرة البكاء، وصوتها يرتجف مخنوقاً بالدموع، وسألت أمها سؤالاً زلزل كيان نادين من الداخل مامي.. هو أنا قيمتي أقل عشان أنا بنت؟ هو ربنا بيحب الولاد أكتر من البنات؟ هذا السؤال كان بمثابة المطرقة التي حطمت آخر جدار من الصبر والتحمل في قلب نادين. شعرت بذنب قاټل لأنها بسبب تضحيتها وخۏفها من زوجها، سمحت لهؤلاء الساديين بټدمير نفسية طفلتين بريئتين وزرع عقد النقص في قلوبهما. في تلك اللحظة بالذات، أقسمت نادين في سرها أن تنهي هذه المسرحية الهزلية، وأن تبدأ رحلة الاڼتقام واستعادة الكرامة، ولكن بطريقتها الخاصة؛ هادئة، باردة، ومدمّرة كلياً.
بدأت نادين في تشغيل شبكة علاقاتها الواسعة في السوق العقاري لتتبع تحركات زوجها طارق، الذي كان يعيش في وهم العظمة، ويحاول بشتى الطرق إثبات أنه رجل أعمال ناجح ومستقل. ولم يستغرق الأمر سوى أيام قليلة لتكتشف نادين الحقيقة الصاډمة التي كانت تختفي وراء قناع الثراء الزائف. الفيلا الفخمة ذات ال مليون جنيه، والتي أقام طارق الدنيا ولم يقعدها معلناً لعائلته وأصدقائه أنه اشتراها نقداً ليكون كبير العائلة الجديد، لم تكن ملكه على الإطلاق! طارق قام باستئجار الفيلا مفروشة لمدة ستة أشهر فقط من خلال وسيط عقاري صغير، ودفع إيجارها مقدماً بعد أن غرق في ديون لا حصر لها. كان مديوناً لثلاثة بنوك بسبب كروت الائتمان التي سحبها لحدها الأقصى، وأخذ قروضاً بفوائد مركبة، واستلف مبالغ ضخمة من زملائه في العمل ومديريه، بل وباع سيارته القديمة ووضع قيمتها كجزء من مصاريف الحفلة الأسطورية التي قرر إقامتها ليخدع المجتمع والعائلة ويحصل على لقطة الرجل الناجح. نادين لم تواجهه بالحقيقة، ولم تقف في طريقه؛ بل على العكس تماماً، قررت أن تتركه يسير في هذا الطريق
المظلم حتى نهايته