اتريقوا على المربية الجديدة عشان تخينة وغلبانة، ومحدش في القصر كله كان يتخيل
دايماً هتبص عليك وتبقى معاك.. ومروة كمان هتبقى معاك، لو هي حابة ده.
مروة بصت للراجل اللي نص مصر بتخاف من اسمه وهو قاعد قرفصاء على أرض المطبخ، وصوته مخنوق بالدموع عشان طفل صغير، وفهمت إن مفيش حد بيعيش ويتحامى لوحده.. لا الفقير ولا الغني الواصل.. ولا الرجالة اللي بتحكم كل حاجة بس مش عارفين يسامحوا نفسهم.
قالت
حابة.. وأنا هفضل معاه.
من اليوم ده، الأمور اتغيرت بطريقة مفيش حد في القصر قدر يتغاضى عنها. عمر فضل هو عمر المنشاوي.. دنيته مبقتش بيضاء وقشطة بين يوم وليلة، ولا ماضيه اتمسح عشان ست طيبة بتخبز له قراص وتعلّم ابنه يقول أنا آسف. بس بدأ ياخد قرارات مختلفة. خرج مروان من الأوض المقفولة الباردة اللي مبيخشش فيها غير رجالة الأمن. فتح الستائر الطويلة. سمح للولد يروح لدكتورة تعديل سلوك وأخصائية أطفال في مصر الجديدة. قفل كذا شغلانة ومصلحة كانت ريحتها دم زيادة عن اللزوم. مشى شركاء كانوا فاكرين إن العيلة والضنا نقطة ضعف. ولأول مرة من سنين، ساب حد يقوله أنت غلطان من غير ما يقلبه عدو ويبهدله.
مروة هي كمان اتغيرت.
مش فجأة.. مش زي الحكايات الفيك اللي الحب بيمسح فيها جروح السنين في أسبوع. كانت لسه بتبص في المراية وتسمع كلام قديم من بتاع زمان. كانت لسه بتتردد لما عمر يشتري لها فساتين متفصلة على مقاسها، كأن الشياكة والنضافة ممنوعة على الأجسام اللي شبه جسمها. كانت لسه بتتخض لما ضيف كبير وواصل يبص لها باستغراب وهي قاعدة على يمين صاحب البيت في العزومات.
بس مبقتش تنزل راسها الأرض تاني.
في يوم بعد الظهر، في عزومة عائلية عمر عملها عشان يقدم مروة رسمي لرجاله وحلفائه القريبين، ست من عيلة كبيرة ولابسة مجوهرات تِهد هد، غلطت وضحكت من تحت ضرسها.
وبرطمت وهي فاكرة إن مروة مش هتسمع
والله غريبة.. المنشاوي ذوقه اتقلب خالص.. باين كده الجميل والمعروف بيزغلل عين الرجالة ويخليهم يتلغبطوا.
السفرة كلها بقت زي حتة الثلج.
وقبل ما عمر ينطق بحرف، مروة سابت الفوطة على طبقها وبصت للست دي عين في عين
متقلقيش يا هانم.. أنا كمان كنت فاكرة زمان إن ست زيي لازم تبوس إيدها وش وظهر على أي فرفوتة حنية أو رضا.. بس بعدين فهمت إن العيب والمكسوف مش أنا.. العيب على الناس اللي مبيعرفوش يقيسوا قيمة البني آدم إلا بالميزان، أو اللبس، أو اسم العيلة.
محدش اتنفس.
عمر بص لها بفخر شديد وواضح لدرجة خلت خدود مروة تسخن وتِحمر.
والست دي مفتحتش بوقها تاني طول السهرة.
بعد كام شهر، اسم Evaristo El Chueco حنفي الحوت نزل في كذا قضية ومحضر ابتزاز، تهديد، غسيل أموال، واشتراك مع جماعات شاركت في الحادثة اللي راحت فيها فريدة. ناس قالت إن عمر كان رحيم معاه لما سابه عايش.. وناس تانية فهمت إنه نقاله عقاب أطول وأصعب إن الراجل اللي كان بيتاجر بالخوف يعيش بقية عمره مرعوب من كل واحد غدر بيه وداست عليه الأيام.
بس مروة مفرحتش في شمتة.
كل اللي عملته إنها راحت المدافن، حطت ورد بلدي فريش على تربة أمها وقعدت شوية تحت الشمس.
وهمست
مابقاش عليا حاجة لحد يا أماه.. لا فلوس، ولا خوف، ولا كسرة عين.
بعد الظهر رجعت القصر ومعاها عيش بالسكر وفطير، مع إن مكانش وقته، بس مروان كان طلبه بعد ما شافه في صورة. لقت الولد في الجنينة، بيجري بين الشجر وعمر بيعمل نفسه بيجري وراه ويحصله. الولد كان بيضحك من قلبه.. ضحكة صافية، ملغبطة، ومليانة حياة.
أول ما مروان شافها، جري عليها وفاتح دراعاته
مروة!
هي شالته بصعوبة وقعدت تبوس فيه. عمر قرب وهو عامل نفسه نهجان وتعبان
ابنك ده فيه صحة وعصب أكتر من ثلاثة حراس مع بعض.
مروان رد بكل جدية وهو بيشاور على عمر وبعدين على مروة
ابننا إحنا الاثنين.
مروة ثبتت في مكانها.
وعمر كمان.
الولد الصغير مكانش يفهم ورق، ولا أسامي عائلات، ولا وعود كبار.. هو كل اللي يفهمه إن البيت زمان كان بيوجع ودلوقتي بقت تطلع منه ريحة خبز حلوة. إن زمان الكل كان بيمشي خايف ودلوقتي فيه حد بيغني في المطبخ. إن زمان باباه كان زي الحجر ودلوقتي بيضحك لما مروة تلطخ مناخيره بالدقيق وهو بيهزر معاها.
عمر مسك إيد مروة
معاه حق.
بعد سنة، في فرح صغير وملموم في قصر قديم في طريق مصر الإسماعيلية، مروة مشيت ناحية عمر وهي لابسة فستان لون أوف وايت عاجي متفصل عشانها بالظبط. محاولتش تخبي جسمها. مأختارتش كمام واسعة تداري دراعاتها ولا قماشة ناشفة تكتم بطنها. مشيت بخطوة واسعة، منورة، وبتترعش من الفرحة، ومروان قدامها شايل الدبل في علبة خشب صغيرة.
بعض المعازيم كانوا مستنيين يشوفوا عروسة مكسوفة، ست غلبانة وممتنة عشان الراجل الكبير نقاها واختارها.
بس لقوا قدامهم ملكة.
لما وصلت للكوشة، عمر معرفش يخبي دموعه. الراجل اللي كان بيحكم بالخوف، عيط قدام الكل ومن غير كسوف.
وقالها بصوت واطي
أنتي أنقذتيني.
مروة هزت راسها بالراحة
لأ.. أنا بس فكرتك إنك لسه ينفع تنقذ نفسك.
مروان، اللي زهق من الحتة الرسمية دي، شد فستان مروة
هو أنا ينفع آكل التورتة دلوقتي؟
الضحك انفجر بين المعازيم كلهم. وحتى توحيد، الحارس اللي وشه فيه جرح ناشف، قعد يمسح عينيه وهو بيعمل نفسه إن عنده حساسية من الجو.
في الليلة دي، والنور كان متعلق فوق الحوش والمزيكا شغال هادية، مروة رقصت مع مروان الأول. داس على جزمتها 4 مرات ونام على نفسه قبل ما الأغنية تخلص. عمر شاله وحطه على كرسي، غطاه بجاكيت البدلة ورجع لها تاني.
تمد إيده وقال
يا مدام المنشاوي.
مروة ابتسمت
لسه الاسم غريب على ودني.
يبقى هاضطر أكررهولك طول العمر لغاية ما تاخدي عليه.
رقصوا بالراحة، ومش مهم مين بيبص.
ومع إن الدنيا برة كانت لسه دنيا ناشفة، وظالمة، ومليانة ناس جاهزة تحكم على اللي مش فاهماه، جوة البيت ده مبقاش الخوف هو اللي بيحكم. بقت تحكمه ست جت في يوم بجزمة دايبة، ودين كاسر ضهرها، وقلب كله جروح وعلامات. ست قالوا عليها تخينة زيادة، فقيرة زيادة، وقليلة على المقام. ست نزلت على ركبها قدام طفل مكسور لما الكل رجع لورا وخاف.
لأن ساعات البني آدم اللي الكل بيستهون بيه وبيتريق عليه، بيبقى هو الوحيد اللي قادر يعمل اللي محدش عرف يعمله يدخل بيت مليان عز وموت، يحضن الوجع من غير ما يخاف، ويقلب الحصن والمخبأ لبيت بجد وفيه روح.