اتريقوا على المربية الجديدة عشان تخينة وغلبانة، ومحدش في القصر كله كان يتخيل

لمحة نيوز

مروة غابت عن عينه ثانية، كان بيصرخ. ولو قعدت، كان يتشعبط ويطلع على حجرها المليان ويفضل قاعد هناك، وصوابعه الصغيرة مشبكة في فستانها.
عمر كان بيراقب كل ده من بعيد. كان بيشوفها وهي مش بتعاقب الولد ببرود ولا بتحاول تثبته وتضحك عليه بلعب غالية. لما مروان كان بيحدف الأكل ويرميه في الأرض، مروة مكانتش بتتعصب. كانت تقعده على رجليها وتقلب البسلة ل نيازك خضراء لازم تهبط جوة بقه. ولما كان بيصحى يعيط وفزعاد في نص الليل، كانت تلفه في بطانية وتغنيلها أغاني قديمة من بتاعة زمان، من اللي أمها كانت بتغنيهالها وهي بتغسل المواعين في البيت.
حبة بحبة، البيت مبقاش فيه صوت زعيق. وبقت تطلع منه ريحة قراص طرية، وقرفة، وشوربة لسان عصفور. رجالة الأمن، اللي كانوا واقفين زي التماثيل، بقوا يستنوا البقلاوة والمخبوزات اللي مروة كانت بتسيبها لهم جنب المدخل.
في ليلة من الليالي، عمر دخل المطبخ لقاها بتعجن وإيديها كلها دقيق لغاية كوعها.
قالها
مكانش عندي فكرة إنك بتعرفي تخبزي كمان.
مروة كانت هتقع منها السلطانية من الخضة.
أنا آسفة يا فندم.. مكنش جايلي نوم. السرير طري زيادة عن اللزوم، وضهري واخد على المرتبة القطن الهابطة بتاعتي.
عمر ابتسم ابتسامة خفيفة.. ابتسامة صغيرة، بس كانت مرعبة لإنها نادرة.
أنتي بتأكلي رجالة الأمن بتوعي كأنهم ولاد خالتك.
ردت وهي بتنزل عينيها الأرض
الحارس الجعان بيتشتت يا بيه.. وبعدين، كل اللي هنا شكلهم محتاجين حاجة دافية تِرم عضمهم.
هو قرب منها. مروة حست بحرارة جسمه الطويل، وريحة برفانه الغالي، ونظرته الحامية اللي مبقتش بتبص لها بقرف، بل بتركيز شديد خلا قلبها يتنفض في صدرها.
قالها وهو بيمسح بصباعه لحوسة دقيق كانت على خدها
أنتي مجيتيش هنا عشان تاخدي مساحة زيادة يا مروة.. أنتي جيتي عشان تملي بيت كان فاضي.
هي اتسمرت ومعرفتش تنطق. محدش عمره كلمها بالطريقة دي. محدش بص لها كأن جسمها وتقلها مش عيب محتاجة تعتذر عنه.
بس في الوقت اللي كان القصر بيتحول فيه لأمان ليها، برا كانت الديون لسه صاحية ومبتنامش. المعلم حنفي الحوت مكانش بيرحم حد بيتأخر عليه. لما مروة معرفتش تروح تدفع القسط لإن قواعد الأمن في القصر مكانتش بتسمح لها تخرج لوحدها، حنفي شغل ناس وراها يراقبوها. وعرف هي شغالة فين.. وعرف شغالة عند مين.
وفي يوم بعد الظهر، لما عمر أداها إذن تروح تزور قرافة أمها في مدافن الإمام الشافعي، المعلم حنفي ظهر لها من بين الشواهد ووراه اثنين من رجالته الشداد.
قال وهو بيورّيها سنته الذهب
شوف الشوف.. البت التخينة بقت فجأة من أسياد البلد ولابسة نضيف.
مروة حبت تديله الفلوس اللي كانت معياها وشايلاها في جيبها، بس هو مسك معصم إيدها ولواه وضغط عليه لغاية ما علم في لحمها.
أنا مبقتش عاوز فتافيت وقسط كل شهر.. أنا عاوز حاجة أحسن بكتير. أنتي عايشة مع المنشاوي وليكي عين في كل حتة. هتجيبيلي شفرات الكاميرات، ومواعيد الحراسة، وخط سير الولد الصغير وهو رايح وجاي.
مروة حست إن الأرض بتلف بيها.
لأ.. مروان لأ!
تَف في الأرض وقالها
متعمليش فيها الشيخة خديجة.. للراجل ده أنتي حتة شغالة بيسلي بيها وقته. أول ما يزهق منك هيرميكي زي غيرك. بس لو مجبتليش المعلومات دي يوم الجمعة بالليل، في المخزن القديم المهجور اللي في مؤسسة الزكاة، أنا هبيع لأعدائه الساعة والدقيقة اللي بيكون فيها الولد لوحده ومن غير حماية.. وبعدها هاجي أصفّي حسابي معاكي أنتي.
زقها رماها في الطين اللي جنب تربة أمها.
مروة رجعت القصر وهدومها مبلولة تراب ومتبهدلة، وقلبها ميت حتت. قعدت 3 أيام لا بتخبز، ولا بتغني، ولا بتضحك. كانت بتاخد مروان في حضنها وتكبس عليه جامد لدرجة إن الولد كان بيتوجع ويشتكي.
عمر لقط الوجوم والخوف اللي عليها فوراً. خد باله من الهالات السودا تحت عينيها، ونطتها من أقل صوت، والزرقان اللي في معصم إيدها.
يوم الخميس بالليل، دخل لقاها قاعدة جنب سرير مروان بتعيط من غير ما تطلع صوت.
سألها وحدد كلامه
مين اللي لمسك؟
مروة حاولت تكدب وتخبي، بس عمر نزل على ركبه قدامها وأخد إيدها المِزرقة دي بحنية كسرِت كل دفاعاتها. ساعتها انهارت واعترفت بكل حاجة عيا أمها، الدين، التهديد، الشفرات، والمخزن المهجور.
وقالت وهي بتشهق من العياط
أنا كنت هأمشي.. كنت هأختفي خالص عشان محدش يستغلني ضد مروان. أنا عمري ما كنت هسلمه يا عمر بيه.. أموت قبل ما أعمل كده.
هو مزعقش.. وده كان المرعب في الموضوع. وشه اتقلب لبرود أسود، قاتل، ونهائي. مسك وشها بين إيديه الكبار وقالها
أنتي مش هتمشي في حتة. مش أنتي الخطر يا مروة.. أنتي السبب اللي خلى ابني يرجع يتنفس ثاني. ومفيش مخلوق بيهدد عيلتي من غير ما يدفع التمن.
في الليلة دي، والمطر برة كان نازل يرزع في الشبابيك والأزاز، عمر المنشاوي عمل مكالمة تليفون واحدة.. مكالمة واحدة بس.
وفي الناحية الثانية من القاهرة، في المخزن المهجور بتاع مؤسسة الزكاة، كان المعلم حنفي الحوت فاكر إنه مستني حتة بت غلبانة وخايفة، ومش متخيل أبداً مين الراجل اللي بجد هيفتح الباب ده ويدخل عليه.
الجزء الثالث
المخزن المهجور في منطقة مؤسسة الزكاة كان مقفول من سنين، بس ريحته كانت لسه صدى، شحم قديم، وزناخة لحمة معفنة لزقت في الحيطان. المطر كان نازل يرزع بغباء على السقف الصاج، وكل نقطة تنزل كان ليها صوت زي التهديد. المعلم حنفي الحوت كان عمال يروح وييجي تحت لمبة تبربش، فاتح الجاكيت بتاعه، والطبنجة محشورة في حزامه، وصبره عمال يتفرفر من بين صوابعه. رجالته الاثنين كانوا مستنيين جنب ترابيزة صاج، حاطين عليها تليفون، وإزاوة رخيصة، وشنطة بلاستيك سودا.
واحد منهم برطم وقال
البت اتأخرت أوي يا معلم.
حنفي رد بسخرية
هتيجي.. النسوان التخان الخوافة دول بيمشوا زي الألف لما بتدوس لهم على الطرف اللي بيوجعهم.
ضحك على جملته، بس الضحكة ملحقتش تطلع من حلقة. برة المخزن، صوت موتور عربية زأر.. وبعده موتور ثاني.. وبعده كذا موتور. كشافات أربع عربيات جيب سودا كبست نورها من الشبابيك المكسرة وعمت المكان بضوء أبيض ساطع. حنفي سحب الطبنجة بسرعة، بس قبل ما يرفع إيده عشان ينشن، أبواب المخزن الصاج اترزعت واتفتحت دفعة واحدة. دخل رجالة ببدل سودا، سريع السريع، ساكتين، ومنظمين. في أقل من 10 ثواني، الاثنين اللي مع حنفي كانوا على ركبهم في الأرض، متكتفين، وإيديهم ورا دماغهم بعد ما سلاحهم اتأخد منهم.
حنفي رجع لورا بخوف لغاية ما ضهره خبط في عمود خرسانة. ساعتها عمر المنشاوي ظهر من وسط المطر والنور. مكانش باين عليه أي هزة.. مكانش متعصب.. وده بالذات اللي خلاه يرعب أكتر. كان لابس بدلة غامقة متفصلة عليه بالملّي، شعره مبلول حاجة بسيطة من عند جبهته، ونظرته نظرة راجل مش جاي يتفاوض ولا يفاصل.
حنفي بدأ يتهته ويرتعش
عمر بيه.. ده سوء تفاهم.. أنا مكنتش أعرف إن البت تخصك أو تهمك في حاجة.
عمر قرب بخطوات بطيئة، وكل خطوة كانت بترن في الخرسانة
أنت مديت إيدك عليها.
أنا كنت عاوز
تم نسخ الرابط