اتريقوا على المربية الجديدة عشان تخينة وغلبانة، ومحدش في القصر كله كان يتخيل
المحتويات
ألم ديني بس.
أنت هددت ابني.
حنفي بلع ريقه بصعوبة
ده كان كلام تخويف.. مجرد كلام يا بيه.. أنت سيد العارفين وعارف لغة السوق ولم الفلوس في السكك دي بيبقى إزاي.
عمر وقف قدامه بالظبط
آه.. عارف. وعشان كده جيتلك بنفسي.
حنفي حاول يبتسم بس شفايفه كانت بتتنفض
إحنا نقدر نتصالح يا بيه.. أنا هبيعلك الدين بتاعها.. وأقولك على أسامي.. أقولك مين اللي كان بينبش وراك وبيسأل عليك.
عمر بص له بقرف كأنه بيبص لطبعة طين على قميص غالي
ما أنا عارف.. واحد من رجالتك اعترف إن اللي ورا الليلة دي ناس من عيلة نصار.. كانوا عاوزين يستغلوا مروة عشان يوصلوا لمروان.. كانوا عاوزين يعيدوا الكرّة اللي عملوها مع فريدة.
وش حنفي اتقلب لونه زي الأموات
أنا ماليش دعوة بلي حصل للمدام بتاعتك زمان، والنعمة ماليش صالح!
بس أخدت منهم فلوس وعربوّن عشان تسلمهم خط سير ابني.
السكوت بقى كاتم على النفس، وصوت المطر برة بقى يرزع أشد. عمر شاور ل توحيد، دراعه اليمين، الراجل اللي كان فيه غرزة وقديمة في فكه وشكله دايماً فاهم أكتر ما بيتكلم. توحيد حط على الترابيزة دوسيه بلاستيك وتليفون.
عمر قال ببرود
دي تسجيلاتك.. مكالماتك.. رسايلك.. وتهديدك ليها في المدافن.. والتحويل اللي جالك في حسابك عشان تسلم مواعيد ابني.
حنفي فتح بقه بس مفيش حرف طلع.
عمر كمل كلامه
قدرت تستأسد على ست غلبانة وفقيرة لغاية ما كنت ه تكسرها.. قدرت تتريق على جسمها، وعلى خوفها، وعلى حزنها على أمها. بس أنت غبي وغلطت غلطة عمرك.. افتكرت إن مروة ملهاش ضهر.
حنفي رمى نفسه على ركبه من غير ما حد يلمسه
سامحني يا عمر بيه.. عشان خاطر عيالي.. أبوس إيدك.
هي كمان كان ليها أم لما رميتها في الطين جنب تربتها.. ومروان كان ليه عيلة لما هددت إنك هتسلمه للكلاب.
عمر وطى برأسه حاجة بسيطة، لدرجة خلت حنفي يشوف نهايته وموته جوة عيون عمر السودا الباردة. بس مكانش فيه ضرب نار.. ولا صريخ.. ولا شو شو ومظاهر. عمر اتفرد وتكلم بنبرة ناشفة قطعت المخرن
أنا مش هوسخ إيدي بيك.. هتبقى سهلة ورخيصة أوي عليك. يا توحيد.. سلمه باللي معاه. للنيابة، وللناس اللي واكل عليهم فلوس، وللشركاء اللي غدر بيهم، وللعائلات اللي ثبتهم وقلّبهم. خلو كل اللي داس عليهم ينهشوا فيه ويحاسبوه.
حنفي رفع راسه وهو مش فاهم وحس بالذهول
أنت هتسيبني عايش؟!
تعيش مش معناه إنك هتبقى حر.
عمر قرب منه لآخر مرة
واسمعني كويس.. لو اسم مروة أو اسم ابني جه على لسانك ثانية، مش هيبقى فيه دوسيهات، ولا نيابة، ومفيش مخلوق هيلاقي فيك حتة سليمة يترحم عليها.
سحبوه من قفاه والكلابشات في إيده، وهو بيرتعد تحت المطر. في نفس الليلة دي، كذا شقة ومخزن بتوع عيلة نصار اتكبس عليهم بفضل المعلومات اللي اتلقت في تليفون حنفي الحوت. الرجالة اللي دفعوا فلوس عشان يإذوا مروان هربوا قبل الفجر، بس عمر مبقاش الراجل بتاع زمان اللي بيدور على الانتقام وبس.. بقى بيدور يقفل الأبواب.. يقطع السكك.. ويبني سور مش من طوب وخوف، بل سور من الحقيقة.
في الوقت اللي كان كل ده بيحصل فيه، مروة كانت في القصر، رايحة جاية بروبها القطن التقيل، إيديها زي الثلج، ونفسها مقسوم بين الذنب والرجاء. مكنتش عارفة عمر هيرجع ولا لأ. مكنتش عارفة إيه نوع الدنيا اللي بتبلع رجالة زي ده لما بيخرجوا في الليل ببرود العواصف ده. مروان كان نايم في سريره، حاضن دبدوب فرو كانت هي شرياهوله من سوق العتبة ب 80 جنيه. كل شوية الولد كان يبرطم في نومه، فجري تلمس جبهته، كأنها بتحميه من الماضي بكف إيدها الحنين.
الساعة كانت 217 بعد نص الليل لما الباب اتفتح.
عمر دخل ومن غير ولا خدش، مبلول من المطر، جاكيت البدلة ساندها على دراعه، وعينيه باين عليها التعب. مروة مفكرتش في قواعد، ولا عقود، ولا الفرق الرهيب بين شغالة وصاحب البيت ده كله.. جريت عليه وأخدته في حضنها بكل العصب والقوة اللي فيها.
عمر استقبل حضنها كأنه هو كمان كان مستني إذن أو إشارة عشان يتهد ويقع. لف دراعاته حوالين وسطها ودفن وشه في رقبتها، بيتنفس ريحة الفانيليا، والصابون، والخوف اللي لسه فضل في جلدها.
همس لها
خلاص خلصت.. حنفي مش هيلمسك تاني.. واللي كانوا عاوزين يستغلوا مروان عرفوا إن البيت ده خط أحمر ومبيتلمسش.
مروة بعدت سنة، والدموع مغرقة وشها
مكانش ينفع تخاطر بنفسك عشاني.
عمر بص لها بتركيز شديد خلاها تسلم سلاحها
أنتي لسه بتتكلمي كأنك مش فاهمة حاجة.
أنا الداية المربية.
قال وصوته اتشرخ حاجة بسيطة
لأ.. أنتي الست اللي دخلت البيت ده لما كان كله بيخاف من ابني. أنتي الست اللي أكلت ضربة، ونزلت على ركبها، وشافت وجع في المكان اللي الباقيين شافوا فيه وحش بيخرب. أنتي الست اللي رجعتلي مروان لما كنت خلاص اتعودت إني خسرت وهو عايش. أنتي مش الداية يا مروة.
هي نزلت عينيها الأرض، مكسوفة من الأمل اللي بدأ يخضر في قلبها
الناس هتاكل وشنا وتتكلم.
الناس طول عمرها بتتكلم.
هيقولوا إني طمعانة فيك وفي فلوسك.
خليهم يقولوا.
هيقولوا إنك اتجننت عشان تبص لست زيي.
عمر رفع دقنها بصباعين من إيده
ست زيك؟ اللي هي إيه؟ جدعة؟ أصيلة؟ جميلة حتى وهي مش مدية لنفسها فرصة تصدق إنها جميلة؟
مروة طلعت منها ضحكة مكسورة
مش لازم تقول كده.
لأ لازم.. عشان كان فيه حد المفروض يقولك الكلام ده من سنين طويلة فاتت.
كانت لسه هترد، بس عمر مال عليها وباسها.
مكانتش بوسة من بتاعة الروايات والأفلام.. كانت ملغبطة في الأول، فيها مطلع مطر، وذنب، وفرحة نجاة، وجوع للحياة. مروة اترعشت، مش من الخوف، بل لأنها لأول مرة منحنتش ومكشتش جسمها عشان تستاهل الحنية. محسيتش إنها واخدة مساحة زيادة عن اللزوم. محسيتش إنها لازم تعتذر عن دراعاتها، ولا بطنها، ولا جنابها، ولا طريقتها في النفس، أو الضحك، أو الوجود.
عمر باسها كأنها هي البيت والأمان.. وبالنسبة له، هي كانت كده فعلاً.
تاني يوم الصبح، مروان صحي قبل الكل. نزل حافي في الطرقة، ساحب بطانيته وراه، لغاية ما لقى مروة في المطبخ بتعمل كاكاو دافي باللبن. أول ما شافها، جري عليها وتعبت في رجليها.
وقال
ماما.
المج كان هيقع من إيدها من الصدمة.
عمر اللي كان لسه داخل، اتسمر في مكانه ومتحركش.
السكوت كان حساس ومخيف. مروة حست إن قلبها بيتقسم حتتين من الحنية والخوف. نزلت على ركبها قدام الولد وطبطبت على شعره المنكوش
حبيبي.. مامتك كان اسمها فريدة.. وهي كانت بتحبك أوي أوي. أنا مش جاية أخد مكانها يا روحي.
مروان بوز بوقه وهو مش فاهم، وعينيه كبساها النوم
وأنتي كمان.
مروة قفلت عينيها والدموع نزلت غصب عنها.
عمر قرب بالراحة وقعد القرفصاء جنبهم. مصلحش للولد الكلمة.. ممشاهوش في سكة فهم غصب عنه لغياب أكبر من سن طفل عنده سنتين. كل اللي عمله إنه حط إيد على ضهر مروان والإيد الثانية على كتف مروة.
عمر همس
مامتك فريدة
متابعة القراءة