كل يوم كنت بصحى ألاقي قطعة شطرنج جديدة قدام باب شقتي طول ما جوزي مسافر… لكن أول ما ظهرت آخر قطعة، مسكت التليفون واتصلت بالشرطة من غير ما أفكر ثانية.
المحتويات
الأستاذ شريف.
اتجمدت.
نفس الاسم اللي قاله في التليفون.
فتحت الباب بحذر.
قدامي كان راجل في الخمسينات، لابس بدلة بسيطة، وشه مرهق كأنه شايل سنين مش ملفات.
قال بهدوء
لازم نتكلم.
قلت وأنا ماسكة الباب
تتكلم عن إيه؟ ومنين عرفت اسمي؟
رد
من الأستاذ فؤاد.
قلبي وقع تاني.
دخل من غير ما يستنى.
قفل الباب وراه بهدوء.
وبص للملك الأبيض اللي على الأرض.
وقال
وصلت للقطعة الأخيرة
قعدنا في الصالة.
وأنا مش فاهمة حاجة.
سألته
فؤاد مين بالظبط؟
أخذ نفس طويل.
وقال
فؤاد عبد الرحمن كان أستاذ شطرنج كبير جدًا. بس مش ده المهم.
سكت.
وبعدين كمل
المهم إنه كان عنده لاعب مميز جدًا اسمه كريم.
بصيت له
جوزي؟
هز راسه.
أيوه وكان في لاعب تاني.
سكت شوية كأنه بيتردد.
وبعدين قال الكلمة اللي خلت جلدي يقشعر
اسمه كان محمود.
اسم جديد.
لازمته إيه في حياتنا؟
سألته
ومحمود ده فين دلوقتي؟
بصلي نظرة تقيلة.
وقال
اتظلم واتكسر واختفى من عالم الشطرنج تمامًا.
قعدت ساكتة.
هو كمل
من 30 سنة في بطولة كبيرة محمود كان أقوى لاعب في النادي. لكن اتهم بسرقة كأس البطولة بعد ما خسر في النهائي.
سكت.
وبعدين قال
الاتهام ماكانش عليه دليل بس فؤاد سكت.
حسيت بإيدي بتسخن.
قلت
وكريم؟
رفع عينه
كريم كان شايف كل حاجة.
سكتت.
الكلام بدأ يركب في دماغي زي قطع مش مظبوطة.
قلت
يعني إيه شايف؟
رد
كريم كان مساعد فؤاد وقتها وكان موجود في مخزن النادي يوم ما الكأس اختفى.
اتجمدت.
هو كمل
وفؤاد كان متأكد إن في حاجة غلط حصلت بس سكت وخاف يواجه النادي كله.
قلت بصوت واطي
وبعدين؟
قال
بعد سنين فؤاد اكتشف إن الكأس كان متحطوط في صندوق قديم بالغلط من نفس اليوم.
سكت.
وبعدين قال الجملة اللي كسرتني
يعني محمود اتظلم سنين بسبب صمت ناس كتير مش شخص واحد.
قمت واقفة فجأة
وإيه علاقة القطع اللي على بابي؟
فتح شنطته وطلع ورق قديم.
وقال
دي لعبة فؤاد الأخيرة قبل ما يموت.
بصيت له
لعبة؟!
هز راسه
مش لعبة عشان يخوفك لعبة عشان يقول الحقيقة بطريقة الشطرنج.
حط الورق قدامي.
كان فيه رسم لرقعة شطرنج.
ومكتوب تحت كل قطعة اسم
البيدق البداية
الحصان الشك
الفيل الحقيقة اللي بتتحرك بشكل غير مباشر
القلعة المواجهة
الملك الاعتراف
رفعت عيني
والملك الأبيض اللي عندي؟
سكت لحظة.
وبعدين قال
ده آخر حاجة قبل الاعتراف.
في اللحظة دي
التليفون رن.
كريم.
بصيت على الأستاذ شريف.
قال بهدوء
ردي وخليه ييجي.
رديت بإيدي بتترعش
أيوه.
صوت كريم كان مختلف.
مش متوتر بس
مكسور.
قال
أنا جاي.
قفلت.
وبصيت للأستاذ شريف
هو عارف كل ده؟
هز راسه
آه وبيهرب منه من 30 سنة.
بعد ساعة
سمعت صوت باب العمارة.
خطوات طالعة.
ببطء.
وبعدين الباب اتفتح.
كريم دخل.
كان وشه شاحب.
وعنيه مش شايفة قدامه تقريبًا.
أول ما شاف الأستاذ شريف
قال بصوت مبحوح
بدأتوا
وبص للملك الأبيض.
وسكت.
سكون أطول من أي كلام.
قلت
كريم قول الحقيقة.
قعد على الكرسي.
وحط راسه بين إيديه.
وقال
أنا كنت هناك
سكت.
وبعدين كمل
شفت محمود وهو بيتهم ظلم وشفت فؤاد ساكت وأنا كمان سكت.
بصلي بعنيه
كنت طفل بس كنت فاهم إن اللي بيحصل غلط.
سكت تاني.
وبعدين قال أخطر جملة
واللي بدأ القطع على بابك مش فؤاد.
بصيت له
يبقى مين؟
رفع عينه وقال
محمود.
وساعتها
حسيت إن اللعبة اللي بدأت ببيدق صغير
لسه ماخلصتش
وإن في حد لسه بيلعب لكن مش عايز ينسى اللي اتعمل فيه.
الجزء الرابع
كلمة محمود وقعت في الصالة زي حجر تقيل.
سكون غريب اتسحب على المكان كله.
أنا بصيت لكريم، وكريم بص للأرض، والأستاذ شريف واقف ساكت كأنه مستني اللحظة دي من سنين.
قلت بصوت مبحوح
يعني إيه محمود هو اللي بيحط القطع؟
كريم رفع عينه ببطء وقال
لأن محدش صدقه زمان فقرر يخلّيهم يشوفوا الحقيقة غصب عنهم.
سكت لحظة، وبعدين كمل
بس الطريقة دي مش طريقته هو.
بصيت له
يعني إيه؟
قال
محمود عمره ما كان بيحب اللعب بالعقل بالشكل ده ده أسلوب فؤاد.
التفت للأستاذ شريف فجأة
صح؟
الأستاذ شريف ما ردش فورًا.
بص للملك الأبيض على الأرض.
وبعدين قال بهدوء مخيف
فؤاد مات بس أفكاره لسه عايشة.
الكلمة دي خلت قلبي يوجعني.
قلت
يعني إيه مات؟
رد
من شهرين.
سكت.
وبعدين كمل
وقبل ما يموت كتب وصية غريبة جدًا.
قرب من الشنطة وطلع ظرف سميك.
وحطه قدامي.
قال
قال إن الحقيقة دي لازم تتفتح لما كريم يبقى لوحده في البيت ولما أوليفيا أقصد ليلى تكون أول من يشوف الرسالة.
بصيت له بصدمة
يعني هو كان عارف إني هبقى في الصورة؟
هز راسه
كان عارف كل حاجة.
فتحت الظرف بإيدي المرتعشة.
جواه ورقة مكتوبة بخط يد مهزوز.
وقرأتها بصوت عالي
لو وصلت الرسالة دي، يبقى أنا فشلت إني أقول الحقيقة في حياتي فقررت أقولها وأنا ميت.
سكت لحظة.
وكملت
محمود لم يسرق الكأس أنا اللي سكت.
رفعت عيني بصدمة
هو اعترف!
الأستاذ شريف هز راسه
دي أول مرة يعترف رسميًا.
رجعت أبص للورقة.
كان فيها تفاصيل أكتر.
كريم كان شاهد لكنه كان صغير خاف وأنا كنت أضعف من إني أواجه الناس.
بصيت لكريم.
كان ساكت.
بس دموعه بدأت تنزل.
قلت
طيب والقطع؟ وال ثانية اللي بتختفي كل مرة في الكاميرا؟
هنا الأستاذ شريف أخد نفس طويل.
وقال
دي مش سحر دي خطة.
بصيت له
خطة إيه؟
قال
فؤاد قبل ما يموت، ركّب جهاز صغير جدًا في العمارة بيوقف تسجيل الكاميرا 12 ثانية بس كل يوم في نفس الوقت.
سكت لحظة.
وبعدين كمل
وبيسمح لحد يدخل ويحط قطعة واحدة بس.
قلت بانفعال
ليه؟
رد
عشان كل قطعة تمثل مرحلة من الحقيقة.
بيدق بداية القصة
حصان الشك
فيل الحقيقة
قلعة المواجهة
ملك الاعتراف
سكت.
وبعدين قال
كان بيبني اعتراف على مراحل عشان لما يوصل للملك محدش يقدر يهرب من اللي حصل.
بصيت للملك الأبيض على الأرض.
وحسيت فجأة إن البيت نفسه بقى جزء من لعبة أكبر مني.
قلت
طب ومحمود فين؟
كريم رفع رأسه فجأة
أنا لازم أقول حاجة.
سكتنا كلنا.
قام وقف.
وقال
محمود ما اختفاش محمود عاش.
بصيت له
فين؟
قال
في نفس المدينة.
سكت.
وبعدين كمل
وبيشتغل
سكت تاني.
وبعدين قال الجملة اللي خلت جسمي يتجمد
بيشتغل في نفس النادي اللي أنا بروح أعلم فيه الشطرنج.
الصمت اللي حصل بعد الجملة دي كان تقيل بشكل مرعب.
الأستاذ شريف قال بصوت منخفض
وهو عارف إنك موجود؟
كريم هز راسه
أكيد.
سألت
طب ليه ماواجهكوش؟
كريم بصلي وقال
لأنه مش عايز يواجهني هو عايز يواجه اللي سكتوا.
فجأة الباب خبط.
مرة واحدة.
قوية.
كلنا اتجمدنا.
الأستاذ شريف قرب من الباب.
ببطء.
سأل
مين؟
جاء صوت من ورا الباب.
هادئ.
بسيط.
بس غريب بشكل يخوف
افتح أنا محمود.
قلبي وقع.
كريم اتراجع خطوة لورا.
الأستاذ شريف بص لنا.
وقال
محدش يفتح غير لما أقول.
لكن قبل ما يكمل
الباب اتفتح لوحده.
مش بعنف
بس كأنه اتفتح من غير مقاومة.
والسلم كان فاضي.
بس على الأرض
كانت آخر حاجة ناقصة في اللعبة
مش الملك
دي كانت ورقة صغيرة جدًا.
مكتوب عليها
الملك مش هو النهاية الملك هو البداية.
وفي اللحظة دي
سمعنا صوت حركة خفيفة من المطبخ.
كريم لف بسرعة.
وقال بصوت مبحوح
مش محمود اللي بدأ اللعبة دي
بص لنا.
دي لسه ماخلصتش.
الجزء الخامس الأخير
صوت حركة المطبخ كان خفيف بس كفاية يخلي الدم يبرد في عروقي.
كلنا لفّينا مرة واحدة.
كريم كان واقف في النص، الأستاذ شريف على الباب، وأنا مش قادرة أقرر أتحرك ولا أتنفس.
قلت بصوت واطي
في حد جوه
كريم رد بسرعة
اقفلي الباب.
بس الباب كان أصلًا
مفتوح.
وببطء شديد، دخلنا ناحية المطبخ.
النور كان شغال.
بس مفيش حد ظاهر.
لحد ما عيني وقعت على الترابيزة.
كان فيه لوحة شطرنج كاملة متحططة.
كل القطع البيضاء في أماكنها
لكن في النص، مكان الملك الأسود، كان فيه ورقة صغيرة.
كريم قرب ببطء.
ومد إيده.
فتح
متابعة القراءة