كل يوم كنت بصحى ألاقي قطعة شطرنج جديدة قدام باب شقتي طول ما جوزي مسافر… لكن أول ما ظهرت آخر قطعة، مسكت التليفون واتصلت بالشرطة من غير ما أفكر ثانية.
كل يوم كنت بصحى ألاقي قطعة شطرنج جديدة قدام باب شقتي طول ما جوزي مسافر لكن أول ما ظهرت آخر قطعة، مسكت التليفون واتصلت بالشرطة من غير ما أفكر ثانية.
عمرك صحيت من النوم وحسيت إن في حد بيراقبك من غير ما تشوفه؟
أنا حصلي كده.
واسمي ليلى.
متجوزة كريم بقالنا اتناشر سنة، ولو في حاجة كنت متأكدة منها في حياتي، فهي إن جوزي عمره ما خبّى عني حاجة أو على الأقل ده اللي كنت فاكراه.
كريم شغله كان بيخليه يسافر كتير، وكل شهر تقريبًا يقضي كام يوم بره القاهرة في مؤتمرات ودورات تدريبية. كنت اتعودت على الموضوع، لدرجة إن لحظة سفره بقت روتين حافظاه.
في اليوم ده كان واقف قدام الشنطة، يفتحها ويقفلها للمرة التالتة.
قلت وأنا بضحك
يا بني هو إنت رايح أسبوع ولا مهاجر؟
رفع راسه وقال
بحب أتأكد إن كل حاجة موجودة.
عديت على الحاجات معاه وأنا بهزر.
الشاحن؟
موجود.
اللاب؟
موجود.
هدومك؟
موجودة.
فتحت الجيب الصغير في الشنطة ولقيت كيس لوز.
ضحكت وقلت
حتى اللوز خدته؟
ابتسم وقال
ده مش أي لوز ده لوز استراتيجي.
فضلنا نضحك لحد ما نزل.
قبل ما يقفل الباب رجع بصلي ثانية وقال
خلي بالك من نفسك ولو احتجتي أي حاجة كلميني في أي وقت.
ماكنتش أعرف إن بعد أقل من أربع وعشرين ساعة، أنا اللي هكون محتاجة أعرف هو مخبي عني إيه.
تاني يوم الصبح، فتحت باب الشقة عشان أجيب الجورنال.
لقيت حاجة صغيرة فوق دواسة الباب.
انحنيت.
كانت بيدق شطرنج أبيض.
قطعة خشب قديمة، متصنّعة بإتقان غريب، كأنها معمولة بإيد فنان.
بصيت يمين.
بصيت شمال.
طرقة العمارة فاضية.
ولا نفس.
افتكرت إن واحد من عيال الجيران بيهزر، أخدت القطعة وحطيتها في درج المطبخ، وكملت يومي عادي.
بالليل حكيت لكريم.
فضل يضحك.
وقال
أكيد يوسف ابن الجيران بيلعب معاكي.
قلت
بس هو عارف إنك بتحب الشطرنج.
رد وهو بيضحك
يبقى المقلب معمول مخصوص عشاني.
قفلت المكالمة وأنا مطمنة.
لكن الاطمئنان ماكملش أربع وعشرين ساعة.
الصبح اللي بعده
فتحت الباب.
ولقيت الحصان الأبيض.
وقتها حسيت إن الموضوع مش هزار.
القطعة كانت متحطوطة بنفس الطريقة
في نفس المكان
وكأن اللي حطها كان حريص إنها تبقى في النص بالظبط.
نزلت بسرعة.
لفيت حوالين العمارة.
سألت البواب.
قال إنه ماشافش حد.
حتى كاميرات العمارة ماكانش باين فيها أي شخص واقف قدام باب شقتي.
رجعت البيت وأنا بحاول أقنع نفسي إنها صدفة.
لكن قلبي كان بيقول غير كده.
اليوم التالت
صحيت قبل المنبه.
مش عارفة ليه.
يمكن عشان كنت خايفة.
فتحت الباب ببطء
ولقيت الفيل الأبيض.
المرة دي إيديا تلجت.
قفلت الباب بسرعة، وجريت على شاشة كاميرا الباب اللي كريم كان مركبها من سنة.
رجعت التسجيل لحد الساعة تلاتة وربع الفجر.
كل حاجة كانت طبيعية.
الممر فاضي.
الإضاءة ثابتة.
وفجأة
الصورة وقفت.
مش شوشت
وقفت.
بالظبط 12 ثانية.
ولما رجعت
كانت قطعة الشطرنج موجودة قدام الباب.
من غير ما يظهر أي بني آدم.
وقفت أعيد الفيديو مرة
واتنين
وخمسة
وفي كل مرة نفس اللي بيحصل.
اثناشر ثانية سودا
وبعدين القطعة بتظهر لوحدها.
ساعتها لأول مرة
حسيت بالخوف الحقيقي.
الخوف اللي يخليك تقفل كل باب في البيت، وتراجع الكالون مرتين، وتبص وراك حتى وإنت لوحدك.
اتصلت بكريم.
المرة دي ما ضحكش.
سكت شوية وقال
يمكن الكاميرا فيها عطل.
قلت
شركة الأمن قالت إنها شغالة كويس.
سكت.
قلتله
كريم
في حاجة إنت مش قايلهالي؟
جالي الرد بسرعة زيادة عن اللزوم.
لأ.
لكن نبرة صوته
ما أقنعتنيش.
لأول مرة من يوم ما اتجوزنا
حسيت إن جوزي بيخبي سر.
سر كبير.
وساعتها
ماكنتش أعرف إن اللي جاي هيخليني أشك في كل حاجة كنت مؤمنة بيها وإن قطعة الشطرنج الرابعة هتكون مجرد بداية لكابوس عمره أكتر من تلاتين سنة
الجزء الثاني
وقفت قدام باب أوضة المكتب.
الهدوء كان غريب.
مش هدوء بيت عادي
ده هدوء كأنه بيحذرك ما تدخلش.
حطيت إيدي على الكالون.
ثانية
اتنين
وبعدين فتحته.
ريحة الورق القديم ضربت في وشي أول ما دخلت.
المكتب زي ما هو دايمًا
مرتب بشكل مبالغ فيه
كل حاجة في مكانها
كأن حتى الغبار بيستأذن قبل ما يقعد.
بس المرة دي عيني راحت على حاجة عمري ما ركزت فيها قبل كده.
رف خشب صغير مقفول.
فيه كتب شطرنج قديمة جدًا.
وأول ما سحبت كتاب منهم
وقعت حاجة على الأرض.
انحنيت.
لقيت صورة قديمة.
مسكتها بإيدي.
واتجمدت.
كريم
بس مش كريم اللي أعرفه.
كان صغير، عنده حوالي 16 سنة.
واقف جنب راجل كبير في السن، شعره أبيض، وعيونه حادة بشكل يخوف.
قدامهم رقعة شطرنج خشب.
وخلفهم لافتة مكتوب عليها
نادي السلام للشطرنج بطولة الناشئين
قلبت الصورة.
مكتوب بخط إيد
إلى كريم اللاعب الوحيد اللي كان بيشوف الرقعة كاملة.
الأستاذ فؤاد
وقفت مكاني.
فؤاد؟
مين فؤاد ده؟
أنا عايشة مع كريم بقالنا 12 سنة عمري ما سمعت الاسم ده.
قلبي بدأ يدق أسرع.
فتحت درج المكتب الأول بسرعة.
ورق
فواتير
مذكرات قديمة
لحد ما لقيت كشكول جلد بني.
مقفول بس بمطاط قديم.
فتحته بإيدي وهي بتترعش.
أول صفحة كانت مكتوبة بخط واضح
كل نقلة في الشطرنج ليها سبب زي كل خطأ في الحياة.
تحتها اسم
فؤاد عبد الرحمن
قعدت على الكرسي.
وحسيت إن رجلي مش قادرة تشيلني.
مين الراجل ده؟
وليه كريم مخبي عنه كل ده؟
رجعت للصالة وأنا ماسكة الصورة.
وقعدت أبصلها كتير.
في اللحظة دي التليفون رن.
كريم.
رديت بسرعة
أنت تعرف حد اسمه فؤاد؟
سكت.
سكون طويل.
أطول من الطبيعي.
وبعدين قال بصوت هادي بس متوتر
منين جبتي الاسم ده؟
قلبي وقع.
قلت
جوه مكتبك.
سكت تاني.
بس المرة دي السكوت كان تقيل.
وبعدين قال
ليلى اقفلي كل حاجة في المكتب ومتدخليش تاني.
قلت
ليه؟
صوته اتغير.
بقى أهدى بس أخطر
علشان في حاجات المفروض تفضل مدفونة.
قفلت السكة في وشي.
فضلت ماسكة التليفون ومش قادرة أتحرك.
حاجات مدفونة؟
يعني إيه الكلام ده؟
تاني يوم الصبح
صحيت على نفس السيناريو.
الباب.
فتحت
فيل أبيض.
بس المرة دي
كان في حاجة مختلفة.
مربوط في رقبته شريط أسود صغير.
جواه ورقة.
فتحتها بإيدي المرتعشة.
مكتوب
الخطوة الجاية مش هتتكرر لكن الحقيقة لازم تتحط على الرقعة.
وقفت أبص حوالي.
السلم فاضي.
مفيش حد.
مفيش صوت.
بس للمرة الأولى
حسيت إن اللي بيحط القطع ده
مش بيهزر.
ده بيبعت رسالة.
اتصلت بيوسف ابن الجيران تاني.
قلتله
بص يا يوسف عايزة منك خدمة.
قال
قولي يا طنط.
قلت
لو شفت حد عند باب الشقة بالليل كلميني فورًا.
هز راسه.
حاضر.
بس في عينه كان فيه خوف.
كأنه هو كمان حس إن في حاجة غلط.
الليلة دي قررت أسهر.
مش هنام.
مش هسيب الموضوع يعدي تاني.
قعدت في الصالة.
النور مفتوح.
التليفزيون شغال.
وإيدي على عصاية المطبخ رغم إني مش عارفة هعمل بيها إيه أصلًا.
الساعة 300.
305.
310.
قلبي بدأ يعلو.
313
وفجأة
النور رمش.
مرة واحدة.
وبعدين سكون.
بس المرة دي
سمعت صوت خفيف جدًا.
زي خشخشة خشب.
من ناحية الباب.
وقفت.
ببطء شديد.
وقربت.
وبصيت من العين السحرية.
السلم فاضي.
بس
على الأرض.
كان فيه قطعة ملك أبيض.
أول ما شوفتها
اتجمدت.
دي مش أي قطعة.
دي آخر قطعة في الشطرنج.
وقتها
التليفون رن فجأة.
رقم غريب.
رديت.
صوت راجل هادي جدًا قال
ليلى؟
قلت بخوف
مين؟
قال
أنا الأستاذ شريف محامي الأستاذ فؤاد.
قلبي وقع.
قلت
فؤاد مين؟
سكت لحظة.
وبعدين قال
الشخص اللي بيبعت لك الرسائل دي.
سألته
إنتوا عايزين مني إيه؟
قال بهدوء
مش منك من كريم.
جملة واحدة بس
خلت الدنيا تلف بيا.
وقبل ما أتكلم
قال
خليه ييجي الحقيقة بدأت تظهر على الرقعة الأخيرة.
وسكت الخط.
بصيت للملك الأبيض على الأرض
وحسيت لأول مرة
إن اللعبة اللي بدأت من أيام
أخدت منعطف أخطر بكتير من مجرد قطع شطرنج.
وإن كريم
كان جزء من لعبة أنا لسه ماعرفتش قواعدها كلها.
الجزء الثالث
الملك الأبيض كان على الأرض.
ماكنتش قادرة ألمسه.
حاسّة كأنه مش قطعة خشب كأنه رسالة أخيرة بتقول اللعبة خلصت.
قعدت على الأرض قدامه.
إيدي بترتعش.
وفي دماغي صوت كريم وهو بيقولي
في حاجات لازم تفضل مدفونة.
مدفونة إيه؟ وليه دلوقتي بتطلع واحدة واحدة؟
بعد دقايق، الباب خبط.
خَبْط هادي بس ثابت.
وقفت.
قلبي في ودني.
سألت
مين؟
مفيش رد.
خبط تاني.
أقوى شوية.
مسكت الموبايل وفتحت تسجيل الكاميرا.
قربت من الباب بصوت واطي
يوسف؟
مفيش صوت طفل.
بس اللي اترد كان صوت راجل كبير
افتحي يا ليلى أنا