الست اللي عندها 66 سنة كانت داخلة مقتنعة إنها حامل.
كاتب فيه إن البيت ملك ليهم هما الاتنين وبس، وإن ولادهم مالهمش حق فيه طول ما هي عايشة. ولو حاولوا في يوم يحسسوها إنها كبرت وعجزت عشان ياخدوا حاجتها، لازم تقف وتحارب ومتحسش بأي ذنب تجاههم.
ليلى حطت إيدها على بقها وعيطت.. جوزها كان قاري غدر ولادهم قبل ما يموت.
تاني يوم، ولادها الثلاثة دخلوا الأوضة وراسمين على وشوشهم علامات القلق المزيف.
منى ابتسمت وقالت
ماما، احنا جايين عشان مصلحتك..
على التربيزة اللي جنب السرير، كانت ليلى حاطة الشراب الأصفر، وجواب الحاج رأفت، والفايل الأزرق بتاع المستشفى.
رفعت ليلى عينها وبصتلهم
لأ.. انتوا جايين عشان تاخدوا بيتي.
السكوت كان قاتل في الأوضة.
منى حاولت تضحك وتداري
ماما متقوليش كلام فارغ.
ردت ليلى
الكلام الفارغ ده لما صدقتك وانتي جايبالي البليلة وبتطبطبي عليا.. وكنت فاكرة إنها حنية بنية لأمها.
أحمد رجع خطوة لورا وقال
أنا مكنتش أعرف الورق ده فيه إيه بالظبط يا أمي!
ليلى
بس كنت عارف إن فيه ورق بيتمضي.. وساكت.
حسن قعد على الكرسي ووشه أصفر
أنا بس مضيت كشاهد.. منى قالتلي إن ده عشان نحميكي.
بصتله ليلى بحزن
طول عمرك شاطر وبتغمض عينك لما المصلحة تخصك.
هنا منى فقدت أعصابها تماماً وزعقت
وكنتي عايزانا نعمل إيه؟! قاعدة بتكلمي بطنك، وبتشتري حفاضات، وفضحانا ومخليانا فرجة قدام المنطقة كلها! بقيتي عبء ومشكلة ومحدش عارف يلم وراكي إيه!
كلمة عبء ومشكلة نزلت على قلب ليلى أصعب من مشرط الجراح.
افتكرت مرايل المدرسة اللي كانت بتسهر تفصلها لمنى، السلسلة الذهب اللي باعتاها عشان تدفع مصاريف جامعة أحمد، والليالي اللي سهرتها جنب حسن وهو سخن ومريض.
دلوقتي بنتها مش شايفة أم.. شايفة حتة أرض ماشية على رجلين وإمضاء محتاجة تسرقها.
في اللحظة دي، دخلت الأخصائية الاجتماعية ومعاها محامي المستشفى.
معانا نسخة من طلب التوكيل الشامل اللي منى كانت بتقدمه للسيطرة على أملاك والدتها، ومعانا إقرار هي كاتباه بتقول فيه إن الحاجة ليلى بتعاني من خرف وهلاوس ومستحق الحجر عليها.
منى دمها هرب من وشها وبقت زي الورقة البيضاء. المحامي بلغهم إن كل الأوراق دي هيتم الطعن عليها بطلانها، وهيتم عمل محضر رسمي وإبلاغ النيابة بتهمة محاولة استغلال مسنة مادية وعقلياً.
هنا منى انفجرت وصرخت
شركة المقاولات عارضة ملايين! البيت ده قديم وهيقع، وأمي كده كده هتموت لوحدها وسط الكراكيب والقلل القديمة بتاعتها! احنا كنا عايزين نأمن مستقبلنا ومستقبل العيلة!
ليلى بصتلها بهدوء غريب.. من غير غل ولا كره. بصتلها بنظرة الأم اللي اكتشفت إن الخطر مجاش من الشارع، الخطر كان معاه مفتاح البيت، وبيشيل اسمها، وعايش مع ذكريات طفولتها.
وقالتلها
كلنا هنموت يا منى في الآخر.. بس أنا مش هتموتوني وأنا صاحية عشان تروحي تشتري شقة في الكومباوند.
منى خرجت وهي بتولع نار، وأحمد جري وراها. حسن فضل واقف كام ثانية
سامحيني يا أمي.
ردت ليلى
مش النهاردة يا حسن.
حسن
احنا كنا هنخسرك..
هزت ليلى رأسها ببطء
لأ.. انتوا كنتوا بتبيعوني.
خرج حسن وهو بيعيط ومكسور.
بعد أسبوع، طلعت نتيجة التحاليل.. كان فيه خلايا خبيثة بس الورم كان متحاوط ومتقفل عليه Encapsulated، يعني متشال بالكامل وم انتشرش. هتحتاج متابعة وعلاج وقائي بسيط، بس حالتها مستقرة جداً.
الدكتور قالها لو كنا تأخرنا شوية، السيناريو كان هيبقى تاني خالص.
ليلى فهمت وقتها إن بطنها الكبيرة مكنتش مادة للتريقة.. دي كانت إنذار وصرخة استغاثة من جسمها. جسمها كان بيصرخ وهي بتموت، وولادها والجيران بيضحكوا عليها.
رجعت بيتها بعد 20 يوم.. جارتها الحاجة سعاد استقبلتها بزغاريد، وعملتلها شوربة فراخ بلدي وجيلي، وبنات المنطقة كانوا منضفين البيت كله وملوا التلاجة خير.
سرير البيبي كان لسه واقف جنب الشباك.. ليلى مرمتوش.
نضفته، وملته طمي وزرعت فيه ريحان، ونعناع، وفل، وقصاري زرع جهنمية صغيرة.
الحاجة سعاد بصت للسرير وقالتلها
في النهاية.. حصلت ولادة يا ليلى في البيت ده.
سألتها ليلى
ولادة إيه؟
سعاد ابتسمت
ولادتك إنتي يا حبيبتي.. إنتي اتولدتي من جديد.
حسن كان أول واحد يرجع.. جه ومعاه شنطة برتقال، ومن غير أي حجج أو تبريرات
أنا مش جاي اطلب سماح سريع يا أمي.. أنا جاي اتعلم إزاي مبقاش جبان تاني، وإزاي أقف في ظهرك.
ليلى لفت وادتله السكينة والقطاعة وقالتله
اقعد قشر البرتقال ده.. واسمعني كويس. وقعد يسمعها.
أحمد ظهر بعد كام أسبوع، ومعاه أدوية وعلامات ذنب واضحة على وشه
أنا كنت فاكر إن منى فاهمة وبتعمل الصح لينا ولقعدتك..
ردت ليلى
لأ يا أحمد.. انت استسهلت إنك متفكرش وتسيبها تظلم أمك.
أما منى فماشافتهاش إلا بعد كام شهر في المحكمة وجلسات فض التنازعات. منى جت متشيكة ولابسة على السنجه عشر، ومحاميها فضل يقول إن ست عندها 66 سنة وبتتوهم الحمل متقدرش تاخد قرارات تخص ممتلكاتها.
ليلى وقفت بكل هيبة، وطلعت الشراب الأصفر الصوف وحطته قدام القاضي على المنصة وقالت
أنا كنت عيانة ولوحدي.. جسمي كان بيديني إشارات إن فيه حاجة بتموتني من جوة. ولادي شافوا جنون في الإشارة دي، وشافوا كرش يضحكوا عليه في الورم، وشافوا بيت فاضي وجدران يبيعوها في ست لسه عايشة وبتروح وتيجي!
القاضي حكم ببطلان كل التنازلات والأوراق السابقة، وتم عمل حماية قانونية مشددة على أملاك الحاجة ليلى، ومنى خسرت أي حق قانوني في التدخل في حياة أمها.
مفيش سجن ولا انتقام زي المسلسلات..
بس حصل حاجة أرقى وأعدل بكتير
باب اتقفل في وش الجشع والأنانية.
بعد
الجلسة، ليلى راحت للشهر العقاري وغيرت وصيتها.
البيت بعد عمر طويل مش هيبقى لولادها..
البيت هيتحول لدار استضافة يومية للمسنات والستات الكبار في السن اللي في الحي.. الستات اللي بيعانوا من وجع ومحدش بيسمعهم، والستات اللي بيتعاملوا في بيوتهم كأنهم حمل تقيل، وعايزين مكان يحسوا فيه بالأمان والدعم قبل ما الوقت يفوت.
وسمت الدار دار الشراب الأصفر.
بعدها بشهور، ليلى كانت ماشية براحة في الشارع، ولمحت في الصيدلية كيس حفاضات كبار سن زي اللي كانت شايلاه ورايحة بيه للعيادة أول مرة.
المرة دي محستش بكسوف ولا خجل..
ابتسمت برضا.. لأنها عرفت إن فيه روح اتولدت جواها فعلاً.
مش طفل.. ولا جنون.
اتولدت ست قوية، قادرة تحب ولادها وتسامحهم.. بس من غير ما تسلمهم مفاتيح حياتها وأمانها.
رجعت بيتها العصاري، حطت إيدها على مكان الجرح تحت فستانها، وقعدت قدام السرير المستعمل اللي بقى مليان زرع وخير. ريحة النعناع كانت مالية الأوضة، والجهنمية بتكبر وتتسلق ناحية نور الشمس.
ومن اليوم ده.. لما حد كان بيخبط على الباب، ليلى مبقتش تفتح لمجرد الواجب أو العاطفة..
كانت تبص الأول من الشباك..
تفكر وتشوف مين..
وبعدين تاخد قرارها وتفتح.
عشان البيت لسه بتاعها..
وهي كمان.. لسه ملك نفسها.