٣ سنين وأنا بمسح ترابيزات
والرسالة الصوتية بتاعة جابر السوهاجي لسه واقفة على آخر جملة قول لعلياء... متثقش في ظابط الشرطة اللي بياكل هنا كل يوم جمعة.
جابر كان عارف اسمي من تلات سنين؟ إزاي؟ أنا مكنتش في شيكاغو أصلاً وقتها!
فتحت النوتة السودا تاني تحت كشاف المحطة الأصفر الضعيف. قلبت في الأسامي القديمة.. جابر السوهاجي، مصطفى النجار، إبراهيم العراقي.. أسامي كتير، وجنب كل واحد تاريخ دخوله وتاريخ خروجه، وجنبهم أرقام السمسرة اللي حمدي بياخدها عشان يشغلهم من غير ورق، والحصة اللي بتروح للظابط شريف.
رجعت لآخر صفحة.. اسمي مكتوب علياء رستم.
وتحت اسمي مكتوب بخط صغير البنت شبه سارة.. شريف لاحظ ده. التخلص منها لازم يكون سريع قبل ما تسأل عن جابر.
سارة؟! مين سارة؟
وفجأة، افتكرت حاجة الطباخ قالها لي من سنة أول ما استلمت الشغل.. لما قالي أنتِ فيكي لمحة كبيرة من البنت اللي كانت شغالة هنا مع جابر.. نفس العينين ونفس الخوف. أنا وقتها متمتش بالموضوع، بس دلوقتي كل الخيوط بدأت تتربط في دماغي.
حمدي وشريف مش مجرد بيشغلوا ناس من غير ورق.. دول بيديروا شبكة كاملة، واللي بيبدأ يفهم أو يتكلم، بيشطبوا عليه، وياخدوا مكانه حد جديد.
بصيت في الساعة.. كانت 145 بالليل. القطر جه، ركبت وقعدت جنب الشباك. التليفون القديم في إيدي بدأ يتهز تاني.
افتكرت إنه ميسد كول قديم.. بس الصدمة إن الشاشة ظهر عليها
جابر السوهاجي يتصل الآن...
التليفون بيرن! الراجل اللي مكتوب جنبه الشطب نهائي من تلات سنين.. بيتصل دلوقتي حالا!
صوت الرنة في القطر الفاضي كان كأنه ضربات طبلة في ودني. ززز... ززز... والشاشة المكسورة بتنور وتطفي باسم جابر السوهاجي.
إيدي كانت عرقانة وبتترعش لدرجة إن التليفون كاد يقع مني. القطر كان بيتحرك وسرعته بتزيد، وصوت العجل على القضبان عامل زي الموسيقى التصويرية لفيلم رعب.
فتحت الخط وحطيت التليفون على ودني وأنا كاتمة نفسي تماماً. مكنتش قادرة حتى أقول ألو.
سمعت صوت أنفاس سريعة ومكتومة من الناحية التانية.. صوت شوشرة هوا جامدة كأن اللي بيتكلم واقف في مكان مفتوح أو بيجري.
وبعدين جه الصوت.. مكنش صوت جابر السوهاجي اليائس اللي سمعته في الرسالة الصوتية من تلات سنين. ده كان صوت أصغر السن، مجهد، وبيتكلم بهمس حاد
جابر؟ جابر أنت ردت؟ رد عليا يا جابر أبوس إيدك!
صوتي طلع بلعثمة وخوف أ.. أنا مش جابر.
الخط قطع فيه الصوت لثانيتين، كأن اللي بيتكلم اتمسمر في مكانه. بعدين همس برعب أكبر أنتِ مين؟ والتليفون ده معاكي إزاي؟ جابر فين؟
قلت له ونبرة العياط بدأت تظهر في صوتي أنا علياء.. الشغالة الجديدة في مطعم حمدي المحلاوي. أنا لقيت التليفون ده مستخبي تحت الترابيزة 7.. وجابر.. جابر مكتوب في نوتة حمدي إنه اتشطب نهائي من تلات سنين!
الراجل على الناحية التانية أطلق شهقة مكتومة، وسمعته بيبكي بكاء مكتوم وصامت لثواني، قبل ما يرجع يتكلم وصوته مليان غل وقهر قتلوه.. ولاد الحرام قتلوه زي ما قتلوا سارة! اسمعيني يا علياء.. أنا منصور، أخو جابر الصغير. التليفون ده كان مع جابر، وهو اللي كان بيكلمني منه قبل ما يختفي، والخط ده باسمي أنا.. أنا مكنتش بطلت رن عليه طول التلات سنين اللي فاتوا على أمل إنه يرد.. والنهاردة فجأة لقيت الشبكة رجعت لقطت وعطت جرس!
دموعي نزلت ومسحتها بسرعة وأنا ببص حواليا في عربية القطر الفاضية يا منصور.. أخوك ساب رسالة صوتية على التليفون، وبيقول فيها متثقش في ظابط الشرطة شريف.. وشريف ده لسه قاعد مع حمدي حالا في المطعم، وأنا معايا نوتة فيها أسامي وعلامات تصفية.. واسمي مكتوب عليه الدور الأسبوع الجاي!
منصور صوته اتملا جدية ورعب عليا أنتِ في خطر يا علياء.. شريف وحمدي مش بيسفروا ناس أو يشغلوهم وبس.. دول شغالين في تجارة الأعضاء والتهريب، والناس اللي ملهاش ورق ومالهاش أهل يسألوا عنهم في أمريكا هما الصيد السهل بتاعهم! جابر أخويا عرف الموضوع ده لما شافهم بيتخلصوا من البنت اللي اسمها سارة، ولما حاول يهدد حمدي عشان يسيبوه يامشي.. شريف صفّاه!
الدنيا لفت بيا.. تجارة أعضاء؟! يعني أنا مش هترحل.. أنا كنت هتموت!
منصور كمل بسرعة النوتة والتليفون اللي معاكي هما حبل المشنقة لحمدي وشريف.. بس كمان هما تذكرتك للمقبرة لو قفشوكِ. اسمعي.. أنتِ نازلة في محطة إيه؟
محطة جرانفيل، قلتها وأنا ببص على لوحة المحطات برعب.
جميل.. أنا في شيكاغو مش بعيد، هجيلك بالعربية حالا.. اطلعي من المحطة واقفي تحت كشاف النور اللي جنب محطة البنزين المقفولة.. خمس دقايق وأكون عندك، ومعايا حد من ال FBI كنت بحاول أقنعه بقضية أخويا بس مكنش مصدقني عشان مفيش دليل.. دلوقتي الدليل في إيدك! اوعي تقفلي الخط يا علياء.
القطر بدأ يهدّي.. وصلنا محطة جرانفيل.
قمت وقفت، حطيت التليفون في جيب الجاكت وهو لسه مفتوح، والنوتة السودا متثبتة في بطني تحت الهدوم. الباب اتفتح، ونزلت على الرصيف الفاضي. المحطة كانت ضلمة والهوا بيصفر.
نزلت السلم السلك بسرعة وخرجت للشارع. الشارع كان كأنه مدينة أشباح، ومحطة البنزين القديمة المقفولة كانت على بعد خمسين متر. مشيت بسرعة، وجسمي كله عينين بتراقب الضلمة.
وصلت تحت كشاف النور.. وبصيت في الساعة.. 210 بالليل.
فجأة.. ظهرت كشافات عربية من بعيد.. العربية كانت جاية بسرعة هادية، ومطفتش النور العالي بتاعها، لدرجة إن عيني زغللت ومكنتش شايفة نوع العربية.
قلبي دَق بفرحة منصور جه!
العربية قربت وقفت قدامي بالظبط على الرصيف.. الباب اتفتح.. ونزل منها راجل لابس بالطو طويل.
أول ما النور العالي جه على وشه.. الابتسامة اتمسحت من عليا.. والدم هرب من عروقي.
مكنش منصور..
ده كان الظابط شريف.. وبابتسامته الباردة المخيفة، وفي إيده اليمين كان ماسك لاسلكي، والإيد التانية على طبنجته!
بصلي وقال بنبرة هادية قاتلة الحاج حمدي لسه مكلمني حالا يا علياء.. بيقولي التليفون القديم اللي كان في الدرج اختفى.. وأنتِ الوحيدة اللي دخلتي أوضة الخزين. قولت أجي بنفسي أطمن عليكي.. هاتي الحاجات اللي معاكي بالذوق، واركبي معايا بدل ما نضطر نعمل حكاية جديدة ل سارة تانية.
شريف قرب مني والمسافة بينا بتضيق، ومنصور على الخط لسه سامع كل حاجة. في اللحظة دي، علياء قررت ما تستسلمش.
رمت التليفون في وش شريف عشان تشتت انتباهه، وفي نفس اللحظة طلعت بخاخ فلفل كانت واخداه من المطبخ للحماية ورشته في عينه. شريف صرخ وحط إيده على وشه، واستغلت علياء الفرصة وجريت ناحية زقاق ضلمة.
منصور كان وصل بالفعل في عربية تانية، ونزل منها مع راجل تاني ظابط فيدرالي كان بيتحرى عنهم. شريف حاول يضرب نار، بس الظابط الفيدرالي كان أسرع وقيده.
في نفس اللحظة، قوة مداهمة اقتحمت مطعم المحلاوي، ولقوا حمدي بيحاول يحرق النوتة والدفاتر التانية، بس المداهمة كانت أسرع.
النهاية
تم القبض على حمدي وشريف بتهمة إدارة شبكة تهريب واتجار بالبشر وأعضاء. علياء طلعت شاهدة ملك، وأخدت إقامة قانونية وحماية. منصور، بعد صدمة موت أخوه، فضل جنب علياء عشان يساعدها تبدأ حياة جديدة، والاتنين بقوا يشتغلوا مع منظمة حقوقية بتساعد المهاجرين اللي ملهومش صوت، عشان مفيش حد تاني يضطر يعيش خايف أو موسوم زي ما عاش جابر وسارة.
عليا، أخيراً،
نامت لأول مرة من سنين من غير ما تحس إن فيه حد مراقبها.