٣ سنين وأنا بمسح ترابيزات
٣ سنين وأنا بمسح ترابيزات ب٨ دولار في الساعة، وصاحب الشغل مهددني كل يوم إنه هيبلغ عني مكتب الهجرة... لحد الليلة اللي لقيت فيها موبايل قديم تحت الترابيزة ، كل حاجة اتقلبت فى حياتى حرفيا... و أول ما شحنته... رن، وكان اسم المتصل راجل اختفى من ٣ سنين..ساعتها عرفت إن الدور عليا!
لمدة تلات سنين، كنت بنضف أطباق الناس وأبلع غيظي وقهرتي.
تمنية دولار في الساعة.
من غير ساعات إضافية.
من غير إجازات مرضي.
وكل ما كنت أطلب منه الفلوس اللي مديون لي بيها، الحاج حمدي المحلاوي يبتسم ويقولي صوتك هيعلى يا علياء؟ مكتب الهجرة هيعرف عنوانك قبل شروق الشمس.
اسمي علياء رستم.
عندي واحد وتلاتين سنة.
جيت هنا من أربع سنين، الأول على دالاس، وبعدين جيت شيكاغو؛ مكنش معايا غير شنطة هدوم واحدة، غويشتين دهب من أمي، وكدبة فضلت أكررها لنفسي لحد ما بقت زي العقيدة اشتغلي بجد بس، والناس الطيبين كدا كدا بيعيشوا.
لكن الناس الطيبين مش دايماً بيعيشوا.
ساعات بيمسحوا الحمامات في نص الليل والرجالة بتعد رزم الكاش على بعد تلاتة متر منهم.
ساعات بيفركوا بقايا الصلصة من على الترابيزات الخشب، في نفس الوقت اللي صاحب الشغل بيقول عليهم عيلتي قدام الزباين، وجوه المطبخ بيقول زبالة مالهاش لازمة.
المطعم كان اسمه مشويات ومأكولات المحلاوي، في شارع زحمة ودوشة القطر فوقينا مابتفصلش، وهو الهوا بتاع الشتا بيلسع في جاكتي كأنه سكاكين قزاز.
من بره، اليافطة بتنور بلون دهبي دافي ومريح.
من جوه، كل حاجة كانت ريحتها كمون، وعيش متحمر، وكلور، وعرق... وخوف.
حمدي هو صاحب المكان.
كرش كبير.
ضحكة عالية زلزال.
وزبيبة صلاة واضحة في نص جبهته كل يوم الصبح.
بيتبرع للجامع.
بيبوّس إيدين الكبار في السن.
وبيقول للزباين في البلد دي، الشغل بجد هو العبادة.
وبعدين يديني فلوسي كاش من كيس دقيق قديم، ومحتفظ بنوتة فيها أسامي كلها مزورة.
قدام الناس كلها، كان اسمي عليا.
أما بالنسبة له، فكنت بت.
بت، نظفي حمام الرجالة.
بت، هتقعدي وقت إضافي.
بت، عينك مالمحهاش بتبص ناحية الدرج.
كنت بشتغل من الإثنين للسبت.
حداشر ساعة واقفة على رجلي، وساعات اتناشر.
إنجليزيّ كان مكسر، بس إيديا كانت بتفهم في الشغل كويس.
ضهري كان بيفهم الشغل.
وضميري كان لسه عارف الفرق بين الصح والغلط.
وحمدي كان عارف إني خايفة.
وده كان الأجر الحقيقي اللي بياخده مني... مش ال 8 دولار.
أجره كان خوفي.
يوم الأربع اللي فات، وقبل القفل بشوية، آخر زباين مشيوا وسابوا الترابيزة رقم 7 متبهدلة رز، ومناديل، وعصير مانجو مدلوق بتاع طفل.
العال بتوع المطبخ كانوا بيغسلوا الحلل.
والكاشير كان بيعد التيبس البقشيش.
وحمدي واقف ورا الكاونتر، بيبِل صباعه بريقه وبيعد الفلوس.
وطيت بالمكنسة تحت الترابيزة.
في اللحظة دي سمعت الصوت.
هزة خفيفة.
ززز... ززز...
مش من جيبي أنا.
الصوت جاي من ورا الكنبة الخشب.
زقيت المكنسة لجوه أكتر، وفي حاجة سودا اتزحلقت وخرجت.
تليفون قديم.
شاشته مكسورة.
جرابه مليان زيت ومتبهدل.
وبطاريته ميتة.
كان باين عليه إنه مستخبي هناك من شهور... ويمكن من سنين.
كان المفروض أرميه في درج الحاجات الضايعة.
كان المفروض أمشي وأكبر دماغي.
لكن بغبائي، ولأني كنت لسه بحاول أثبت إني أمينة وشريفة، مسحته في المريلة بتاعتي وأخدته ورحت بيه على حمدي علطول.
قلت له يا حاج، لقيت ده تحت الترابيزة 7.
إيده اتجمدت فوق الفلوس.
لمدة نص ثانية بس.
لكن أنا شوفتها... الضحكة اختفت من ورا وشه قبل ما شفايفه تلحق تفتكر وترجعها تاني.
سألني فين؟
قلت له تحت الترابيزة 7.
شد التليفون من إيدي بقوة لدرجة إن خاتمه جرح صباعي.
فتحتيه؟
لأ، فصلان شحن.
حد شافك؟
هزيت راسي بالنفي.
بص ناحية المطبخ.
وبعدين بص ناحية الباب البراني.
وبعدين بص على كاميرا المراقبة اللي فوقينا.
صوته وطي خالص وقال انسي الموضوع ده.
هزيت راسي موافقة.
بس هو مأخدش التليفون وحطه في الأمانات؛ حطه في جيبه كأنه ماسك سلاح.
ليلتها، خلاني أنضف الفريزر مرتين.
كان بيبص عليا وبيتتبعني بعينه في كل حتة.
وأنا بطلع الزبالة، كان واقف جنب الباب الوراني.
وأنا بغسل إيدي، كان مراقبني من المراية.
الساعة 1218 بعد نص الليل، بعد ما الكل مشي، قفل الباب وقالي عليا.
بطني وجعتني... عمره ما كان بيناديني باسمي إلا لو ناوي على شر أو عايز يمتص دمي.
قرب مني لدرجة إني شميت ريحة المعسل في نفسه.
وقال أنتِ ملقيتيش حاجة النهاردة، ماشي؟
رديت عارفة.
قال بابتسامة خبيثة وسخيفة لأ، مش عارفة. اللي زيك لازم يمشوا جنب الحيط. تكة واحدة وتلفون صغير، ويجوا ياخدوكي من أوضتك. من غير شنطة، ومن غير مع السلامة.
بصيت في الأرض.
ده أول درس بيعلمهولك الخوف ماتحطش عينك في عين حد.
حط في إيدي خمسين دولار.
وقال مكافأة.
حسيت إنها فلوس قذرة.
كنت عايزة أرميها في وشه.
بس حطيتها في جيبي... الإيجار مابيعترفش بحاجة اسمها كرامة.
وأنا في القطر وراجعة بيتي، لاحظت إن صباعي لسه بينزف مكان ما خاتمه جرحني.
خط أحمر صغير.
جرح تافه وغبي.
بس مكنتش قادرة أشيل عيني من عليه.
لأن ولأول مرة... مكنتش حاسة بالخوف.
كنت حاسة إني علمت عليه في دماغي.
تاني يوم الصبح، التليفون مكنش في جيبه.
كان في الدرج اللي تحت المكنة بتاعة الكاشير.
عرفت ده لأن حمدي فتح الدرج عشان يفك فلوس، وشوفته هناك، ملفوف في منديل ورق أبيض.
دقات قلبي جريت.
طول اليوم، الترابيزة رقم 7 فضلت فاضية.
مش محجوزة، ومش مكسورة... هي بس فاضية.
وكل ما زباين يجوا يقعدوا عليها، حمدي يزعق ويقول مش دي! اقعدوا في أي حتة تانية.
على بالليل، حتى الواد اللي بيغسل الأطباق لاحظ الموضوع.
همس لي وقال المعلم اتجنن رسمي النهاردة.
أنا فضلت ساكتة.
الساعة 1040 بالليل، حمدي خرج يشتري قزازة من المحل اللي في الوش.
وعمره في حياته ما ساب درج الكاشير مفتوح.
الليلة دي... نسيه مفتوح.
يمكن ربنا تعب من كتر المراقبة وقرر يتدخل.
إيديا تحركت قبل ما عقلي يفكر ويفهم أنا بعمل إيه.
فتحت الدرج.
أخدت التليفون.
وحطيته جوه جردل المسح تحت حتة قماش قذرة.
صدري كان بيدخن من كتر الرعب.
كل كاميرا في المطعم كنت حاسة إنها عين بتتحرك ورايا.
كل صوت كنت بفتكره خطوة رجليه وهو راجع.
نضفت الحمام.
جريت الجردل لحد أوضة الخزين والمنظفات.
قَفلت الباب بالمفتاح.
وبعدين حطيت التليفون القديم في الشاحن ورا المايكروويف البايظ اللي مركون هناك.
لمدة خمس دقائق، مفيش أي حاجة حصلت.
وبعدين الشاشة نورت.
تفاحة مكسورة شعار أبل.
وبعدين طلب باسورد من 4 أرقام.
كنت هضحك من كتر السخرية.
يا غبائي... خاطرت بكل حاجة عشان تليفون مقفول بكلمة سر؟
فجأة، ظهر إشعار على الشاشة.
مكالمة فائتة ميسد كول.
اسم المتصل مكتوب كدا جابر السوهاجي إوعى ترد.
ريقي نشف.
أنا عارفة الاسم ده كويس.
كل اللي في المطعم عارفينه.
جابر السوهاجي كان شغال هنا قبلي.
راجل طويل، هادي، لابس عمة صعيدي على طول، وعنده عرج خفيف في رجله.
العيال قالوا إنه مشي فجأة وساب الشغل.
وحمدي كان بيقول طمع... وجري على كاليفورنيا.
بس في ليلة من الليالي، لما الطباخ شرب وزاد الصنف معاه، همس لي بحاجة تانية خالص
جابر مجريش... جابر اتكلم وفتح بوقه.
سألته اتكلم مع مين؟
وش الطباخ اتقلب للون الأبيض وقال انسي إني قلت لك حاجة.
دلوقتي، اسمه منور على شاشة تليفون المفروض إنه ميت.
وقبل ما ألحق آخد نفسي، التليفون اتهز تاني.
رسالة صوتية جديدة فويس ميل.
التاريخ بتاعها من تلات سنين فاتوا.
نفس الأسبوع اللي جابر اختفى فيه بالظبط.
صباعي كان بيترعش فوق الشاشة.
ومن بره الأوضة، صوت حمدي زلزل المكان وهو بيزعق عليا؟
التليفون كان هيقع من إيدي.
عليا! أنتِ فين يا بت؟
علامة الرسالة الصوتية كانت بتنور وتطفي.
ضغطت تشغيل.
صوت شوشرة