٣ سنين وأنا بمسح ترابيزات

لمحة نيوز

جامدة طلع... وبعدين صوت راجل واطي، بيترعش، ومذعور وبيتكلم بنبرة يائسة
يا اخويا... لو جرالي حاجة، فتش تحت الترابيزة 7. هو شايل النوتة التانية الدفتر الحقيقي هناك. وقول للبت اللي هتيجي مكاني وتشتغل بعدي...
أُكرة الباب لفت.
مرة.
التانية.
حمدي واقف بره الباب.
والصوت اللي في التليفون همس باسمي قبل ما حتى أشوف الوشوش دي في حياتي
قول لعلياء... متثقش في ظابط الشرطة اللي بياكل هنا كل يوم جمعة.
أقفل تليفوني؟ ولا أمسح الرسالة؟ ولا أفتح الباب؟
عقلي وقف تماماً، والوقت بره الأوضة كان بيمر أسرع من طلقات الرصاص. أكرة الباب كانت بتترج في إيد حمدي بعنف، وصوت خبط جزمه الجلد على الأرض كان بيقرب أكتر.
يا بت يا علياء! اخلصي، جوه بتعملي إيه؟ صوت حمدي كان فيه نبرة شك واضحة، مش مجرد عصبية عادية.
في أقل من ثانيتين، فصلت التليفون من الشاحن، وزقيته في أعمق حتة جوه جردل المسح تحت الفوطة المبلولة مية ب كلور، وفتحت الحنفية بتاعة الحوض الكبّاس عشان تعمل صوت مية عالي.
فتحت الباب وأنا بنهج، وماسكة المقشة في إيدي.
وش حمدي كان مقلوب، عينه دخلت جوه الأوضة قبل جسمه، فتش في كل ركن، وبص على المايكروويف البايظ، وبعدين بص في عيني مباشرة.
كنتِ بتعملي إيه كل ده؟ وقافلة على نفسك ليه؟
حاولت أثبّت صوتي على قد ما أقدر، ورجعت خصلة شعر ورا ودني بإيد بترتعش البلاعة كانت مسدودة والمية كانت هتغرق الممر يا حاج، كنت بلكّها بالبوتاس.
بص على الأرض، شاف المية والكلور، ملامحه هديت بس مانزلتش من عليها نظرة الشك. طب اخلصي.. المطعم قفل، والظابط شريف بره مستني العشا بتاعه عشان يقعد معايا شوية.
الاسم نزل عليا زي الصاعقة. الظابط شريف!
هو ده الظابط اللي بياكل هنا كل جمعة.. والنهاردة إيه؟ النهاردة الخميس بالليل، يعني داخلين على جمعة! هو ده الراجل اللي جابر السوهاجي قال عليه في الرسالة متثقش فيه.
خرج حمدي وسابني، وأنا ركبي لم تعد قادرة على شيل أولادي. طلعت التليفون من الجردل بسرعة، ونشّفته بمريلتي، وحطيته في الكم الواسع لجاكت الشتا بتاعي.
لما خرجت الصالة، شوفت الظابط شريف. راجل ببدلة ميري، هيبة، وشه سمح والناس كلها في الشارع بتعمله ألف حساب. كان قاعد مع حمدي على الترابيزة اللي جنب الكاشير، وحمدي حاطط قدامه طبق المشويات المشكل المخصوص، وبيضحكوا بصوت عالي.
منور يا شريف بيه، المطعم وصاحب المطعم تحت أمرك، حمدي كان بيتمسكن ويتمطّع قدامه.
شريف بيه رد وهو بيمضغ الأكل حبيبي يا حاج حمدي.. قولي، البت الجديدة دي وشاور عليا بصباعه ورقها تمام؟ عشان الحملة اللي نازلة الأسبوع الجاي مش هترحَم.
حمدي بصلّي بطرف عينه وقال عيب عليك يا باشا.. دي بنتنا، كله تمام.
عرفت وقتها إن الظابط شريف مش مجرد زبون؛ ده هو الغطا بتاع حمدي. هو اللي بيقوله على مواعيد حملات التفتيش ومكتب الهجرة قبل ما تيجي، وحمدي بيديله ثمن السكوت ده كاش، ومن ورا الستار.
استغليت إنهم مشغولين في الكلام وأكل اللحمة، ورحت جري على الترابيزة رقم 7.
الرسالة الصوتية كانت واضحة check Booth 7.. هو شايل النوتة التانية هناك.
الترابيزة كانت خشب عريض ومتثبتة في الحيطة وفي الأرض. قعدت على الركب، وعملت نفسي بكنس الرز والعيش اللي فاضل من الزباين تحتها. مشيت إيدي تحت الكنبة الخشب.. مفيش حاجة. مشيت إيدي ورا ضهر الكنبة.. مفيش حاجة.
بدأت أعرَق من الخوف والتوتر.. حمدي ممكن يلتفت في أي لحظة.
وفجأة، صباعي خبط في حاجة غريبة.. ملمس بلاستيك سميك لزق بره قماش الكنبة من تحت، في الفراغ اللي بين خشب القاعدة وبين الشاسيه الحديد. كان محطوط بلصق كرتون عريض.
شديته بكل قوتي. اللصق اتفك وعمل صوت تششّ خفيف في الهوا.
وقعت في إيدي نوتة صغيرة، جلدها أسود، ومربوطة بأستك. فتحتها على عمايا تحت ضلمة الترابيزة.. كانت مليانة جداول باللغة العربية، أسامي عمال، وتواريخ، وجنب كل اسم رقم بالدولار، وجنب الرقم علامة أو .
قلبت الصفحات بسرعة لحد ما عيني وقعت على اسم جابر السوهاجي.
كان مكتوب جنبه تاريخ من تلات سنين، ومكتوب جنبه بالخط الأحمر العريض تم التسليم.. الشطب نهائي. وتحتها مكتوب رقم 10000 دولار ل ش. ب شريف بيه!.
جسمي كله سقع. حمدي مبلّغش عن جابر عشان مكتب الهجرة.. حمدي باع جابر للظابط شريف، وشريف تخلص منه أو حبسه في مكان ملوش عنوان عشان جابر عرف أكتر من اللازم!
وفي آخر الصفحة.. شوفت اسمي.
علياء رستم.
مكتوب تحت اسمي تاريخ الأسبوع الجاي.. وجنبه علامة استفهام، ومكتوب البنت بدأت تلاحظ.. كلم شريف.
بتعملي إيه عندك يا علياء؟
الصوت جه من فوق راسي مباشرة. مكنش صوت حمدي.. ده كان صوت الظابط شريف، واقف فوقيا، وظله مغطي الترابيزة كلها، وفي إيده قزازة المية.
قلبي سقط في رجلي، والنوتة السودا كانت لسه في إيدي تحت ضلمة الترابيزة. لو شريف بيه وطّى رأسه بس سنتيمتر واحد لتحت، كل حاجة هتنتهي.
في أجزاء من الثانية، وبتلقائية غريبة طلعت من رحم الرعب، رميت النوتة بسرعة جوه المريلة الواسعة بتاعتي، وبسرعة سحبت علبة مناديل كانت واقعة من الزباين على الأرض، وطلعت راسي وأنا برسم ابتسامة بلهاء مرعوبة على وشي.
أبدًا يا فندم.. ده علبة المناديل كانت واقعة تحت الترابيزة، وبمسح مكان المانجا المدلوقة عشان النمل، وعملت نفسي بنظف برعشة حقيقية مش تمثيل.
شريف بيه بصلي بنظرة فاحصة.. عينين ظابط محترف بتقرا لغة الجسد. فضل ساكت ثانيتين كاملين كانوا بالنسبة لي أطول من سنين عمري. بعدين ابتسم ابتسامة باردة مريحة ومخيفة في نفس الوقت، وقال ماشي يا شاطرة.. اخلصي عشان الحاج حمدي عايز يقفل، والوقت تأخر.
حاضر يا باشا، ثواني وأكون بره، قلتها وأنا بقوم واقفة، وظهري محني احتراما وخوفًا.
أول ما دار ظهره ورجع لقعدته مع حمدي، مشيت بخطوات سريعة وثابتة ناحية الحمام. دخلت وقفلت الباب بالترباس. كنت بنهج كأني كنت بجري ماراثون. طلعت النوتة والتليفون. حطيت النوتة في بطانة الجاكت من جوه، والتليفون في الجيب التاني.
لازم أمشي. لو حمدي فتح درج الكاشير واكتشف إن التليفون اختفى وأنا لسه جوه المطعم.. مش هخرج منها عايشة.
خرجت من الحمام، قلعت المريلة وعلقتها. حمدي كان واقف عند الباب بيودع الظابط شريف بسلامات حارة وانحناءات.
قربت منهم وأنا باخد جاكتي أنا قفلت كل حاجة جوه يا حاج.. وتصبح على خير.
حمدي بصلّي وعينه ضيقت، كأنه بيفتكر حاجة استني هنا يا بت.. أنتِ نضفتي الممر اللي ورا؟
آه يا حاج، كله تمام والزبالة طلعت.
شريف بيه تدخّل وهو بيعدل حزام طبنجته سيبها تروح يا حاج حمدي، الساعة بقت واحدة بعد نص الليل والبلد أمان دام أنا موجود.
حمدي ابتسم وقال ماشي يا باشا.. غوري يا علياء، وأشوفك السبت الصبح.. ومتتأخريش.
جريت على الباب. الهوا الساقع بتاع شيكاغو خبط في وشي، بس لثواني حسيت إنه أرحم بمليون مرة من نار المطعم. مشيت بسرعة ناحية محطة القطر المترو اللي فوق الشارع. المحطة كانت شبه فاضية، ومفيش غير صوت الهوا وصوت قضبان القطر اللي بيزن.
قعدت على الكرسي الخشب في المحطة، وجسمي كله بيترعش من البرد ومن الأدرينالين اللي بيجري في دمي. طلعت التليفون القديم. الشاشة لسه منورة،
تم نسخ الرابط