جوزى اتجوز عليا
المحتويات
لي وكأنه لسه قادر يقنعني بكدبه. جيهان وصلت مع شريف.. ودينا وصلت على كرسي متحرك! مكنتش أعرف إنها جاية.
لما أحمد شاف دينا، الضحكة اختفت ووشه بقى زي الأموات. دينا كانت خاسة جداً، وفي جرح باين عند قورتها، وعينيها كانت جامدة زي الصخر. وقالت له منور يا أحمد.. وحشتك وأنا ميتة؟. محدش نطق بكلمة في القاعة.
شهادتها هي اللي قطمت ضهره. حكت للقاِضي إزاي كان بيراجع الأدوية بتاعتها بنفسه.. وإزاي صمم هو اللي يسوق الليلة دي.. وإزاي العربية لبست في الرصيف الخرساني عند لفة خطيرة.. وإزاي لما فاقت في المستشفى ملقتش ليه أثر وكان فص ملح وداب بالفلوس.
وبعدين جيهان اتكلمت.. وبعدين أنا. لما جه دوري، بصيت للمستشار رئيس الجلسة، ومبصيتش لأحمد خالص وقلت أنا كنت مدمرة عشان جوزي كذب عليا، بس بعد كده اكتشفت إن الكذبة دي كانت أحن حاجة عملها معايا. كسرت قلبي، بس الورق والتحقيقات أثبتوا إنه كان عايز يمحيني من الدنيا ويقبض تمني.
صوتي كان بيرتعش، بس متكسرش أنا عايشة بالصدفة أو يمكن بسبب عنادي.. بس أنا واقفة قدامك وعايشة، وعايزة ده يتثبت في المحضر.
أحمد طلب يتكلم، وقال إن كل ده سوء تفاهم، وإن أنا غيرانة، وجيهان هرمونات الحمل مأثرة عليها، ودينا بتتبلى عليه وعايزة فلوس. تلات ستات.. تلاتة مجانين ومجانين ومهووسين بيكدبوا عليه. السيناريو المعتاد بتاع أي راجل مفقوع.
بس المحققة أمل قدمت الدليل القاطع.. رسالة ممسوحة رجعوها من تليفون أحمد كان باعتها لواحد من رجالته بعد عشا عيد الجواز، كل حاجة هتترتب وتخلص. هي مش شاكة في أي حاجة. السكوت عم القاعة كلها.
القاضي رفض الكفالة وأمر بحبسه على ذمة القضية لغاية ما المحاكمة تخلص. أحمد لف وبصلي فريدة، أرجوكي.
المرة دي بصيت في عينيه وقلت له أنا مطولة في الشغل.. كل سنة وأنت طيب. وشة اتكرمش وبان عليه الخزي، والعساكر سحبوه لجوّه.
مستمتعتش بالفرحة، بس حسيت بنَفَس.. كأني كنت مخنوقة تحت المية وحد شدني لفوق أخيرًا.
بعد شهور، مضيت ورق الطلاق.. في مكتب محاماة بارد في وسط البلد، باصص على العمارات القديمة وزحمة الميدان. أحمد مكنش موجود، محاميه هو اللي مضى بداله.
كنت جايبة دبلتي في كيس قطيفة صغير.. مرجعتهاش ليه، بعتها. وبالفلوس دي، دفعت تمن جلسات الثيرابي العلاج النفسي، وغيرت كوالين الشقة، وعزمت أختي في مطعم غالي طلبنا فيه لحمة مشوية وحلويات ومأكلناش منها تلتها، مكانش لينا نفس بس كنا بنحتفل.
مريم سألتني أنتِ كويسة؟.
بصيت من الشباك على زحمة الشارع، والمترو، وبياعين الورد، والناس اللي بتجري.. وقلت لها لأ.. بس على الأقل مابقتش في خطر وأنا نايمة في سريري.. وده كفاية جداً.
جيهان ولدت ابنها في مستشفى في الإسكندرية، وشريف هو اللي عرفني. مروحتش يوم الولادة، رحت بعد تلات أيام. الولد كان صغنون خالص، شعره أسود، ومجعد مناخيره وقافل إيديه الصغيرين زي الملاكمين.
جيهان سمته ياسين. وقالت لي مسميتوش أحمد.
قلت لها أحسن برضه. ضحكنا شوية.. وبعدين عيطنا.
طلبت مني أسامحها، والمرة دي سبتها تتكلم وتقول اللي عندها، وقلت لها أنا مش هسامحك على كل حاجة.. بس مبقتش أكرهك. هزت راسها وقالت وده كفاية ومقنع بالنسبة لي.
دينا فتحت مؤسسة صغيرة لمساعدة الستات اللي بيقعوا ضحايا للنصب العاطفي والاستغلال المالي. وأنا بدأت أتطوع معاهم كل يوم سبت. مش عشان أنا بطلة، لأ، عشان كنت محتاجة أعمل حاجة بالغل والوجع اللي جوايا بدل ما يسيبني أعفن من الجوا.
سمعت هناك حكايات ألعن من حكايتي بمراحل. ستات مضوا على شيكات ووصلات أمانة بمبالغ تخرب البيوت.. ستات اتطردوا من شققهم.. ستات أقنعوهم إن الحب معناه الثقة العمياء من غير ما يقروا السطور الصغيرة اللي في أسفل الورق. بقيت دايماً أقولهم الحب مبيطلبش منك تمحي نفسك على الورق.
بعد سنة، رجعت تاني للزمالك. مش لنفس المطعم طبعاً، مكنتش جاهزة للدراما دي كلها. كنت ماشية في الشارع والدنيا بتمطر مطر خفيف. واجهات المحلات منورة، والعربيات الغالية ماشية براحة، وعلى الناصية كانت فيه ست بتبيع ورد لافاه في ورق جرنان.. تفصيلة بتفكرك إن حتى في أرقى الأحياء، فيه ناس واقفة على رجليها بتعافر عشان تعيش.
قعدت على بنش خشب، وطلعت موبايلي. لسه معايا سكرين شوت من رسالته القديمة أنا مزنوق في الشغل ومطول. كل سنة وإحنا طيبين يا حبيبتي، عيد جوازنا التاني.
بصيت للرسالة.. إيديا متهزتش خالص. عملت لها مسح Delete. بعدين فتحت الكاميرا وأخدت صورة سيلفي لنفسي. لوحدي. من غير دبلة. من غير كاس مكسور. من غير زوج كداب. ونزلتها وكتبت عليها كلمة واحدة عايشة.
شريف رمزي كان أول واحد يعلق وكتب وحرة. ابتسمت.
مفيش نهاية مثالية مية في المية.. المحاكمة لسه مطولة والحل والجذب شغال، وأحمد لسه بينكر كل حاجة، ومحامينه بيحاولوا يشوهوا سمعتنا ويطلعونا غلطانين. بس أنا مأعدتش لوحدي على ترابيزة قدامها سمك بارد وكدبة سخنة.. بقينا كتير. دينا.. وجيهان.. وأنا.. وكل الستات اللي بدأوا يتكلموا ويصرخوا بعدنا.
في الليلة دي، رجعت شقتي. عملت شاي. قفلت الستائر. وشيكت على الترباس مرتين.. و ده من باب التعود مش من باب الخوف.
سبت ملف القضية على الترابيزة.. ملف كبير، وشكله يقرف، بس كان لازم يكون موجود. وبعدين طفيت النور.
وقبل ما أروح في النوم، افتكرت كاس العصير اللي كنت هبوز بيه وشه
متابعة القراءة