حماتي عندها قاعدة غريبة في البيت
مكسورة يا أمي عشان خاطري ادخلي ارتاحي أنتِ دلوقتي وأنا هحل الموضوع.
تحل إيه؟ رديت أنا بصوت هادي وواضح. مفيش حاجة تتحل. الخمس سنين اللي فاتوا كنت أنت بتتحل فيهم من أي مسؤولية كراجل وصاحب بيت، وبتسيبني أنا أدوب وأتهان عشان المركب تسير. النهاردة المركب غرقت خلاص.
سحبت الورقة اللي في جيب جلابيتي ورميتها على السرير قدامه.
أحمد بص للورقة باستغراب، ومد إيده أخدها وقرأها. فجأة، وشّه جاب ألوان، وعينه وسعت من الصدمة منى... ده... ده تحليل أورام؟
حماتي لما سمعت الكلمة، نبرة صوتها اتغيرت من الشماتة للحيرة، بس فضلت واقفة مكانها.
آه يا أحمد. قلتها وأنا بقفل سستة الشنطة. بقالي شهرين بلف على الدكاترة لوحدي، بقع وأقوم لوحدي، وأنت كل همك في الدنيا أمك اتعزمت كم مرة على الأكل، وأختك اتأخرت ليه في الرد على التليفون، والبيت لازم ينظف على الشعرة عشان ست الحبايب مترفعش ضغطها الكداب.
أنا تعبت يا أحمد. والدكتور قال لي أول خطوة في العلاج إن أبعد عن أي ضغط عصبي ونفسي. والبيت ده... هو منبع التعب بتاعي.
أحمد بدا يتلعثم، وعينه دمعت بس... بس أنا مكنتش أعرف! ليه مقلتيش؟
عشان لو كنت قلتلك، كنت هتقولي معلش تعالي على نفسك واطبخي واغسلي عشان أمي متقولش إنك بتتمارضي. بصيت له نظرة أخيرة مفيهاش أي عتاب، فيها بس زهد تام. أنا رايحة بيت أبويا، هاخد فترة علاجي هناك، وفريدة معايا.
مشيت ناحية الباب، ونديت على بنتي يلا يا فريدة.
فريدة جِريت عليا، مسكت في جلابيتي وشنطتها الصغيرة في إيدها، وعينيها فيها لمعة أمل غريبة على طفلة في سنها، كأنها كانت مستنية اللحظة دي من زمان عشان تتنفس.
أحمد وقف مشلول مش عارف يعمل إيه، بيبص للورقة اللي في إيده ويبصلي، وحماتي وسعت لي الطريق وهي ساكتة تماماً، لأول مرة لسانها يعجز عن الكلام بعد ما عرفت إن تمثيلية المرض بتاعتها اتقابلت بحقيقة مرض تانية خالص هدّت السقف فوق دماغ الكل.
فتحت باب الشقة، وخرجت وأنا سامعة صوت أحمد ورايا وهو بينادي بصوت مخنوق منى... استني يا منى... مش هينفع تمشي كده!
لكني مقفللتش الباب ورايا حتى. سبته مفتوح، ونزلت السلم وأنا حاسة لأول مرة من خمس سنين إن الهوا نظيف، وإن ضهري اللي كان محني من شيل الهموم، اتفرد أخيرًا.