​بنتي لقت حاجة مستخبية جوة صندوق عِدّة جوزي

لمحة نيوز

 فتحت الجواب، وكان خط شريف وضوح الشمس، الجواب كان قصير، كام سطر بس، وفي آخره جملة وجعت قلبي
أنا مش عارف لو كنت هجيلك تاني ولا لأ، بس مش قادر أهون على نفسي وأرمي المفتاح.
بصيت لتوفيق فقال أنا مشفتهوش اليوم ده، هو حط الجواب والصور في صندوق البوسطة ومشي.
سألته ومشفتوش تاني خالص؟
قال لي لأ.
الجزء الثامن المواجهة في المطبخ
السنين عدت في صمت وانتظار. لما مشينا أنا وفريدة ورجعنا البيت، مكنش حد فينا بينطق بكلمة طول الطريق. مكنتش عارفة أنا زعلانة، ولا مجروحة، ولا قلبي مكسور، ولا كله مع بعضه؟ يمكن شريف عنده الحق إنه يخبي ذكرياته المؤلمة، يمكن.. بس هو خبا جد كامل عن بنته، الجزء ده كان صعب أسامح فيه، واللي وجعني أكتر إنه خبا عني أنا! 29 سنة بنشارك كل حاجة، عارفة قصة أول عربية جابها، أول شغلانة، وكل تعويرة في إيده، بس الحكاية دي مكنتش اعرفها! لأول مرة في جوازنا، سألت نفسي يعني إيه الشخص اللي بتحبه أكتر من أي حد، يبقى قفل على جزء كامل من روحه وصاحب السر ده لوحده؟
بعد يومين، شريف رجع من السفر. أول ما دخل من باب الشقة، وشاف وشي، عرف إن في حاجة مصيبة حصلت. ضحكته اختفت وقال منال؟ في إيه؟
كنت مربعة إيدي، وبصيت على التربيزة... كان
محطوط عليها المفتاح النحاس والورقة الصفرا.
الدم هرب من وشه تماماً، ولثواني مكنش حد فينا بينطق. وأخيراً همس جبتوا ده منين؟
قولت له أنت عارف كويس جيبناه منين.
كتافه نزلت وكأنه كان شايل جبل واتهد، مكنش غضبان ولا بيدافع عن نفسه، كان شكله تعبان ومستهلك، وقال بصوت واطي أنتوا رحتوا هناك... مكنش سؤال، كان إقرار واعتراف.
قولت له أيوا.
في الوقت ده فريدة دخلت المطبخ وقالت بابا... الوجع اللي في صوتها خلاه يبص لها بسرعة، وعينه دمعت فريدة..
قالت له أنت كنت عارف.. كنت عارف وسبتني أكبر وأنا فاكرة إن ماليش جد! الكلمات نزلت عليه زي السكاكين. هو معاه صوري، عارف عيد ميلادي، وعارف أنا دخلت كلية إيه!
شريف دار وشه مش قادر يبص في عينها، وفريدة دموعها نازلة وتقول ليه مكنتش أعرفه؟
السؤال ده كسر آخر حتة صمود جوة شريف، قعد على الكرسي في المطبخ وراسه بين إيديه، وطول الساعة اللي بعد كده، حكالنا كل حاجة... الطلاق، سنين التوهة وهو طفل، الغضب، المقابلة اللي من 15 سنة، الخذلان، الذنب، والسبب اللي خلاه يقفل على المفتاح في صندوق العدة.
لما خلص، المطبخ بقى هادي تماماً. كنت فاكرة إني هحس براحة بعد ما عرفت، بس محستش بيها. أنا كنت مقدرة وجعه وغضبه، بس الفهم حاجة.. وإعادة بناء الثقة حاجة تانية خالص. طول الأيام اللي بعد كده، كان عندي أسئلة عمري ما تخيلت إني هسألها في جوازي، وشريف ساب لي مساحتي، وكان بيجاوب على كل سؤال بصبر، ولأول مرة أشوف أد إيه السر ده كان كاتم على نفسه ومقعده عجوز قبل أوانه؛ لأنه كل ما بيبص للمفتاح بيفتكر الطفل الصغير اللي كان نفسه في أبوه، وكل ما بيفكر يرجع، بيفتكر الراجل الكبير اللي مش عارف يرجع إزاي.
الجزء التاسع فتح الباب المغلق
بعد تلات أسابيع، شريف وافق إنه يروح معايا ومع فريدة لبيت أبوه. الطريق المرة دي كان أهدأ بكتير من المرة الأولى. لما وصلنا، عم توفيق كان واقف مستنينا في البلكونة بره. منظر الراجل وهو واقف مستني خلاني هعيط، مش عشان شكله سعيد، بس عشان وشه كان مليان أمل وخوف في نفس الوقت.
الراجلين الأب والابن وقفوا قصاد بعض لثواني طويلة مفيش حد بيتحرك، لحد ما توفيق بدأ بالكلام وقال
أنا آسف يا ابني.
من غير مبررات، من غير حجج، الكلمتين دول وبس.
شريف هز راسه ببطء، وعينه مليانة دموع وقال وأنا كمان يا بابا.
اللي حصل بعد كده مكنش معجزة، كان حاجة أحسن بكتير.. كان كلام حقيقي وصادق. قعدوا يتكلموا ساعات طويلة؛ عن الغلطات، عن السنين اللي ضاعت، وعن الحاجات اللي انكسرت ومش هتنفع تتصلح. توفيق اعترف بتمن اختياراته؛ إنه غاب عن تخرج شريف، وغاب عن فرحه، وغاب عن طفولة فريدة، فصول كاملة من كتاب الحياة ضاعت ومش هترجع، وده كان العقاب والنتيجة اللي هيعيش بيها.. مش عقاب من حد، بس خسارة هتعيش معاه للعمر كله.
لما جينا نمشي بالليل، شريف طلع المفتاح النحاس القديم من جيبه، وحطه على تربيزة المطبخ عند أبوه، كأنه بيسلم الأمانة. عم توفيق ابتسم بحنان، وزق المفتاح تاني ناحية شريف وحطه في إيده وقفل عليها وقال له
المفتاح ده بتاعك.. البيت ده كان وهيفضل بيتك دايماً.
لأول مرة في اليوم ده، شريف عيط بحرقة... مش ك زوج، ولا ك أب.. عيط ك ابن لقى أبوه.
واحنا راجعين في العربية بالليل، شريف كان حاطط المفتاح في جيبه ومطمن، المرة دي المفتاح مكنش بيفكره باللي خسره، المرة دي كان دليل على إن في أبواب، مهما قفلناها وسيبناها سنين طويلة، لسه ممكن تفتح من تاني لو عوزنا.

تم نسخ الرابط