«أول يوم شغل ليا كمديرة في شركة كبيرة، زميلتي الجديدة وقفت قدامي بابتسامة وقالتلى : "تعالي أعرفك على خطيبي".. ولما بصيت للصورة اللي على مكتبها، عرفت إن خطيبها يبقى هو نفسه جوزى …..!»

لمحة نيوز

على الترابيزة
ألبوم صور جوازنا.. الإقرارات الضريبية المشتركة.. ورق تأمين الحياة اللي مكتوبة فيه رسمي كزوجته.. صور مصايفنا ورحلاتنا العائلية.. كل سنة.. كل عيد جواز.. كل كدبة عاشها معاها كانت متوثقة قدامها بالدليل.
وش إيمان اتخطف ولونها بقى أبيض زي القماش. وعلى ما وصلت لآخر صورة، كانت دموعها نازلة على وشها زي السيل.. وقالت بشهقة وصدمة
يا نهار أسود.. يا رب مش قادرة أصدق!
بلعت ريقي بصعوبة وقلت لها بغصة في حلقي
وأنا كمان مكنتش أعرف أي حاجة عن وجودك.
إيمان حطت إيدها على بوقها وهي بتترعش، وفضلنا كذا دقيقة احنا الاتنين ساكتين تماماً.. ومفيش صوت غير شهقاتها. بعدها همست وهي بتموت من الوجع
ده قالي إنه عمره ما اتجوز قبل كده!
رديت عارفة.
وقالي إنه عايش لوحده وباني نفسه بنفسه!
عارفة.
قالي إني الست الوحيدة في حياته ومفيش غيري!
هزيت راسي ببطء وقلت لها وأنا كمان قالي نفس الكلام.
إيمان انهارت تماماً.. بس مكنش انهيار بصراخ وزعيق، كان من نوع البُكا الصامت، الوجع الخرساني اللي بيحصل لما تكتشفي فجأة إن المستقبل اللي كنتِ بتخططيله وبتطيري من الفرحة عشانه، اتمسح وتبخر في ثانية قدام عينيكي.
مديت إيدي واديتها منديل. الغريب إني محستش بأي غل أو غضب ناحيتها.. بالعكس، كنت حاسة بحزن شديد عليها، لأننا احنا الاتنين كنا واقفين في نفس المصيدة.. بس كل واحدة من ناحية.
قعدنا في الأوضة أكتر من ساعة نتكلم.. بنقارن التواريخ.. الرسائل.. السفرية اللي قالها إنه طالعها تبع الشغل وهي كانت معاه في الجونة.. الخروجة اللي سابني فيها عشان مستثمرين وهو كان بيتعشى معاها. كل تفصيلة صغيرة كانت بتأكد حقيقة واحدة طارق كان عايش حياتين كاملين ومنفصلين مع ستين في نفس الوقت بقاله تلات سنين! أعياد ميلاد، أعياد، إجازات، وعود.. كله كان متظبط ومتدبر بالمسطرة ومنظم الكدب ومخبيه.. لحد اللحظة دي.
إيمان مسحت دموعها وبصتلي وقالتلي تائهة
هنعمل إيه دلوقتي يا فريدة؟
سندت ضهري لورا وقلت لها بكل حسم
مبدئياً كده.. مش هنحميه، والستار اللي كان مستخبي وراه لازم يتشال.
بعد تلات أسابيع.. طارق راح لمطعم شيك جداً بناءً على حجز عشا روتيني كان فاكر إنه خروجة عادية. لكن أول ما دخل ووصل للترابيزة، لقى المفاجأة اللي هدت كل اللي بناه.. أنا وإيمان قاعدين مع بعض على نفس الترابيزة.. ومستنيينه.
المنظر والذهول اللي كان على وشه في اللحظة دي، كان يسوى عندي كل ليلة نمت فيها دموعي على خدي وكل دقيقة سهرتها من قهرتي.
نطق فجأة برعب فريدة؟!
قلت له بنبرة جافة اقعد يا طارق.
عينيه بدأت تروح لإيمان.. وبعدين ترجعلي.. وبعدين تروح لإيمان تاني.. ملامحه اتخضت والبانيك والرعب ظهروا عليه فوراً.. وبدأ يتلعثم
اسمعوني بس.. أنا أقدر أشرح لكم كل حاجة..
إيمان قاطعته وقالت له بقوة وعينين حادة
لأ يا طارق.. مش هتقدر تشرح حاجة.
على مدار النص ساعة اللي بعد كده، كل حجة وكل كدبة كان بيحاول يرميها كانت بتموت قبل ما تطلع من بوقه. كل كدبة كنا مراجعينها سوا.. كل قصة قارنا تفاصيلها ومبقاش ليه أي مخرج ولا حتة يستخبى فيها.
على آخر القعدة، طارق كان قاعد باصص للترابيزة وساكت تماماً.. منكسر ومذلول. مش لأننا زعقنا أو لمينا عليه الناس.. لأ، لأن الحقيقة المجرّدة كانت بتجلده وتعمل كل الشغل بالنيابة عننا.
بعد ست شهور، كنت قفلت صفحة طارق تماماً وطلقت منه إبراء غيابي وبقسيمة طلاق رسمية. المحامية صاحبتي ميار قدرت من خلال التحقيقات والتحريات المالية ترجع جزء كبير جداً من الفلوس اللي كان بيهربها من ورايا. وإيمان سحبت نفسها فوراً من الشركة وقفلتها، وقدرت تنجو من المساءلة القانونية والمصيبة اللي طارق كان مجهزها تلبسها.
احنا الاتنين محصلناش على المستقبل اللي كنا فاكرين إننا بنبنيه.. بس حصلنا على حاجة أغلى بكتير الحقيقة ونظافة حياتنا.
في يوم جمعة بالليل، بعد حوالي سنة من الموضوع ده، كنت واقفة في مكتبي ببص على أضواء القاهرة الساحرة من الشباك. شركة نيبولا ديجيتال كانت لسه منزلة أرباح الربع السنوي الأعلى في تاريخها، كاريري وشغلي كانوا في السما، وحياتي بقت هادية ومستقرة ونفسيتي مرتاحة.
فجأة موبايلي نور برسالة.. كانت من إيمان.
بعتالي صورة لكافيه صغير كنا اكتشفناه سوا وقعدنا فيه في الأيام الصعبة ديكها، وكاتبة تحت الصورة
أحسن قرار أخدناه في حياتنا.. هو إننا قعدنا وقارنا النوتس سوا.
ابتسمت وأنا بقرأ الرسالة.. لأن المفاجأة الأكبر في الحكاية دي مكنتش إن جوزي خانني وطلع ندل.. المفاجأة الحقيقية إن الستين اللي هو حاول يخدعهم ويدمرهم، انتهى بهم المطاف إنهم ينقذوا بعض ويكونوا سبب في حياة بعض الجديدة.
ولأول مرة من فترة طويلة.. الإحساس ده كان كافي جداً ومريح لقلبي.

تم نسخ الرابط