الساعة 1:07 صباحاً، شوفت حماتي وهي بتحط مادة بيضا في الشوربة بتاعتي من ورايا
لوكاندة رخيصة بنتي غلطت غلطة واحدة.. إنها حبت راجل متجوز. بس ده مش معناه إنها تموت! الممرضة دي.. أقصد الصيدلانية.. كانت عارفة هي بتعمل إيه بالظبط وعارفة إيه اللي في الشوربة.
ال Views كانت بتطير.
مارا كلمتني إياكي تردي بانفعال.
أنا مش منفعلة.
وده اللي بيقلقني أكتر.
كنت هضحك بجد.
إحنا كنا مجهزين للخطوة دي. مارا كانت متوقعة إن أهل شيرين هيعملوا شوشرة. والمحققة لينا حذرتني إن الرأي العام ممكن يعقد القضية. عشان كده، نزلنا الحقيقة على مراحل طبقات.
الأول فيديو كاميرا المراقبة.
من غير إيديت.. من غير مزيكا.. التاريخ والوقت واضحين. ماجدة بتتسحب من الأوضة. الكيس. الشوربة. التقليب. الهمس كليها بقى وغوري من الدنيا دي عشان نرتاح، يا أرض بور مابتطرحش.
لمدة 30 ثانية، الإنترنت كله سكت.
وبعدين الكومنتات اتغيرت زي موجة بحر شمت ريحة حريقة
هو ده طلع حماتها؟
يعني الزوجة هي اللي كانت مستهدفة؟
وليه مخبين التفصيلة دي؟
دي حطت السم في أكل البنت في بيتها؟
ساعتها مارا سمحت بالنشر التاني سكرين شوتس مختارة من تليفون أحمد، متشال منها البيانات الخاصة بس واضحة كفاية عشان تبين الخطة خروج آمن.. مبلغ التأمين.. ملاحظات الحساسية.. مواعيدي. ورسالة من شيرين بتسأله الحياة القديمة دي هتخلص إمتى؟ وأحمد بيرد قريب جداً. أمي بدأت تزهق، بس أنا هعرف أسيطر عليها.
، بس بيموت في اللي يثبت له إنه كان مخدوع. الناس اللي هددتني دخلت تعتذر بنفس السرعة اللي هاجمتني بيها. الصحفيين اللي سألوا لو كنت قاتلة بقوا بيسألوا لو كنت ناجية. المستشفى طلعت بيان رسمي بتدعم فيه موقفي. شركة أحمد أعلنت عن تحقيق داخلي. ونادية مسحت اللايف بتاعها.
بس الرأي العام مش عدالة.. ده مجرد جو متقلب، مستحيل تأمن له.
في جلسة النطق بالحكم، القاضي بص لماجدة بقرف وتعب أنتي متصرفتيش بدافع الحب.. أنتي اتصرفتي بدافع الامتلاك. اختزلتي الستات في مجرد رحم، والأطفال لخطوط دم، وابنك لآلة عشان يشيل اسمك ومجدك الزائف. وبعملتك دي، دمرتي بنفسك الحاجة اللي كنتِ بتدعي إنك بتحميها.
السجن المؤبد.
ماجدة مأصدرتش أي صوت.
كنت فاكرة إن العدالة هتحسسني بالدفا.. بس محستش بده.
كانت عاملة زي صوت باب بيقفل تحت الأرض.
لفترة، مكنتش عارفة أنا هكون مين. أرملة كلمة مش دقيقة. ضحية كلمة بتجيب الهم والتعب. ناجية بحسها زي يونيفورم الناس عايزاني ألبسه غصب.
أجرت محل صغير في المعادي، حيطانه طوب أحمر قديم، وأرضيته خشب مش متساوية، وشبابيكه طويلة بتلقط نور الشمس الصبح. فتحت أتيليه وتركيبات عطرية متخصص في الروائح، ومستحضرات الاستحمام العشبية، ومنتجات التعافي الحسي للناس اللي جسمها شايل ذكريات جوه ريحة معينة. الموضوع كان باين غريب لما وصفته أول مرة. بس الستات بدأت تيجي بالراحة ومن غير شوشرة.
ممرضة مابتطقش ريحة الجوانتيات اللاتكس من ساعة ما عيان اعتدى عليها.. مدرسة بتعيط أول ما تشم ريحة كولونيا معينة.. أرملة عايزة تفتكر جوزها من غير ما تشم ريحة المستشفى اللي مات فيها. أنا كنت فاهماهم أوي. الريحة باب.. ساعات للوجع، وساعات للخروج منه.
أول مجموعة عطور نزلتها سميتها بعد الترياق.
الريحة الأساسية كانت بتبدأ بريحة مطر بارد، برتقال مر، شاي أبيض، قطن نضيف، ولمحة دواء خفيفة جداً بيهديها نور الشمس لما يلمس الجلد الدافئ. واحد من اللي بيقيموا العطور قال عليها ريحة تقلق وتخوف. بس ست ناجية بعتت لي إيميل قالت لي فيه الريحة دي فكرتني بريحتي وأنا خارجة من بيت خطر قبل الفجر. طبعت الرسالة دي وشلتها في مكتبي.
المحققة لينا جت الحفلة بتاعت افتتاح المحل وكانت شايلة ورد كارت صغير مكتوب فيه للعلم.. أنا لسه شايفة إنك كان لازم تلمكينا الأول.
قلت لها عارفة.
بس أنا مبسوطة إنك عايشة.
وأنا كمان.
وده كان كفاية جداً.
محبتش حد السنة دي. وده موضوع يفرق. الحكايات اللي زي حكايتي بتجوع الناس لفكرة العوض والسعادة البديلة، كأن دخول راجل أحسن في آخر السطر هو اللي بيثبت إن الوجع كان يستاهل. تعافي مكنش محتاج قصة حب؛ كان محتاج نوم.. أكل.. كوالين بيبان أنا اللي متحكمة فيها.. حسابات بنك محدش غيري بيمد إيده فيها.. شوربة أقدر آكلها من غير رعب.. وسكات مفيش فيه إحساس إن فيه حد واقف مستنيني ورا الباب.
أول مرة عملت شوربة فراخ بنفسي في بيتي الجديد، عيطت قبل ما أدوقها. وبعدين أكلت العلبة كلها وأنا واقفة في المطبخ، بالراحة، والشباك مفتوح والهواء البارد بيدخل. كان طعمها شوربة، فلفل أسود، جزر، وحاجة تانية أنا رفضت أسلمها للدنيا حريتي ونفسي.
بعد سنتين، المؤسسة فتحت شقة طوارئ صغيرة فوق الأتيليه بتاعي للستات اللي بيهربوا من بيوت مؤذية. سميناها أوضة المراية، مش عشان المراية الأنتيك اللي ورتني إيد ماجدة، بس عشان كل ست بتقعد هناك تستحق تشوف نفسها بوضوح تاني من غير تشويه. مفيش حد هناك بيتقال له يا أرض بور. مفيش حد قيمته بتتقاس بالخلف، بالجواز، بالطاعة، أو بالمنفعة. كان فيه ملايات نظيفة، كوالين أمان، لمبات دافية، ومطبخ مليان أكل ومكتوب عليه كلمات طيبة وبس.
في ليلة، ست من اللي قاعدين فوق نزلت بعد نص الليل. لقتني في المحل بخلط ريحة جديدة.
قالت لي مش عارفة أنام.. حاسة طول الوقت إنه هيلاقيني.
سبت القطارة من إيدي وقلت لها تشربي شاي؟
هزت رأسها.
قعدنا على التربيزة والمطر كان نازل على الشبابيك. قالت لي إنها حاسة إنها غبية لأنها قعدت واستحملت كل ده. قلت لها إن الفخاخ متصممة عشان تخلي بيبان الخروج شكلها مستحيل. سألتني لو كنت سامحت الناس اللي أذوني.
بصيت للإزايز العنبري المرصوصة بالنظام على الرف.
وقلت لها لأ.. بس بطلت أخليهم عايشين معايا في نفس الأوضة.
فكرت في الكلمة، وبعدين ابتسمت شوية وقالت كده أحسن بكتير.
فعلاً.. أحسن.
في الذكرى الثالثة لليلة اللي ماجدة حطت فيها السم في الشوربة، رجعت منطقتنا القديمة. العمارة كانت اتجددت، واتغير اسمها، واتبيضت وبقت حاجة تانية خالص مشبهاش. المراية الكبيرة اللي في المدخل كانت اتسابت. بواب شاب جديد سلمني كرتونة المالك الجديد لقاها في المخزن تحت. جوه الكرتونة كانت حتت من حياتي القديمة زراير قميص أحمد البدلة، شاحن مقطوع، زينة كريسماس، كروت وصفات أكل بتاعة ماجدة، والمعلقة الأنتيك الصغيرة اللي استخدمتها عشان تقلب بيها السم في الشوربة.
مسكت المعلقة في إيدي شوية.
الريحة رجعت الأول في دماغي شوربة فراخ.. بودرة مرة.. مطر.. خوف.
وبعدين مشيت لحد أقرب صندوق زبالة في الشارع، ورميتها جوه.
عملت صوت صغير عادي جداً وهي تقع.
مفيش رعد.. مفيش خطبة وداعية.. مفيش روح خرجت في وسط النور.
مجرد حتة حديد خبطت في وسط الزبالة.
ساعات الحرية مابتكونش درامية. ساعات بتكون ببساطة إنك ترمي الحاجة اللي كانت شايلة خوفك في يوم من الأيام، وتكتشف إن إيديك ثابتة ومابتترعش بعدها.
رجعت الأتيليه وعملت ريحة جديدة الليلة دي. فلفل أسود.. مطر على الأسفلت.. شاي أبيض.. ريحة غلال محمصة.. قطن نضيف.. ولمحة مرارة خفيفة جداً مابتظهرش غير بعد ما الدفا يروح.
سميت العطر محدش يملكني.
الكمية كلها خلصت واتباعت في 6 ساعات.
الناس سألتني لو كنت بؤمن بال كارما وال كما تدين تدان. كنت دايماً برد بنفس الإجابة
أنا بؤمن بالاختيارات.
ماجدة اختارت الكره وسمته عيلة. وأحمد اختار الطمع وسمّاه هروب. وشيرين
اختارت الكدب وسمته حب. وأهلها اختاروا الفلوس وسموها حزن. وأنا اخترت إني أعيش، وبعدين، لما العيشة بقت أكتر من مجرد نَفَس طالع وداخل.. اخترت إني أبني.
حياتي مابقاش ريحتها خوف.
بقى ريحتها فلفل أسود، مطر، ورق، جلد دافي، إزاز نضيف.. وشوربة بتبقبق في أمان على البوتاجاز في بيت مفيش فيه حد.. غيري أنا وبس.