​الساعة 1:07 صباحاً، شوفت حماتي وهي بتحط مادة بيضا في الشوربة بتاعتي من ورايا

لمحة نيوز

بتاعها وقافلاه عند رقبتها، ومثلت على وشها علامات القلق والخوف، بس عينيها كانت بتلمع باللهفة والشماتة. في الثانية دي، فهمت إنها مكانتش نايمة.. دي كانت واقفة ورا الباب مستنية تسمع صوتي وأنا بنهج، أو بكح، أو بقع على الأرض جثة هامدة. بس اللي حصل إن التليفون هو اللي كان بيرن.
الشاشة كان عليها رقم مستشفى غريب.
رديت.
معايا المدام آية؟ الراجل اللي بيتكلم كان صوته رسمي وجاد جداً، زي الدكاترة لما بيكونوا شايلين خبر شؤم وبيحاولوا يمهدوا له. أنا دكتور بولس من مستشفى النيل الدولي. جوزك، الأستاذ أحمد السويدي، جابوه عندنا الطوارئ في حالة حرجة جداً. لازم تيجي فوراً.
ملامح وش ماجدة اتقلبت تماماً.
مش حزن.. لسه الحزن مجاش.
كانت صدمة الاستيعاب.
غمضت عيني وسألت هو لسه عايش؟
الدكتور سكت ثانية وقال بنعمل كل اللي في إيدينا.
قفلت الخط.
مين ده؟ ماجدة سألتني بزعيق وخوف.
المستشفى.
بحملقت فيا ليه؟ في إيه؟
أحمد هناك.
كل نقطة دم هربت من وشها وبقت زي الأموات.
ماركبناش مع بعض. هي طلبت عربية وجريت قبل ما أنا حتى ألاقي جزمتي. على ما وصلت المستشفى، المطر كان قالب الدخلة للون أحمر من عاكس أنوار عربيات الإسعاف والأسفلت المبلول. الأبواب الأوتوماتيك اتفتحت على الريحة المعتادة للمستشفيات مطهرات، قهوة، خراطيم بلاستيك، وخوف. أنا اشتغلت في مستشفيات وقت طويل كفاية يخليني أعرف إن صالات الانتظار بالليل بتبقى زي غرف اعتراف للناس اللي مكانوش يعرفوا إنهم هيدعوا ويصلوا من كتر الرعب.
ماجدة كانت جوه فعلاً.
كانت مرمية على الأرض.
مش قاعدة ولا ساجدة.. كانت نايمة على البلاط وبتصوت وتخبط، الروب الستان بتاعها مستخبي تحت بالطو رمته فوقيها بسرعة، وإيد بتخربش في الأرض. ابني.. ابني الوحيد!
أول ما شافتني، قطعت الصويت فجأة. وشها اتشنج. وهجمت عليا فجأة لدرجة إن أمين الشرطة اللي واقف على البوابة دخل حجز بيننا.
صرخت فيا أنتي! عملتي إيه؟ ليه ما أكلتيش الشوربة؟!
صالة الانتظار كلها سكتت.
الممرضة اللي ورا المكتب رفعت رأسها وبصت لنا بتركيز.
أنا سبت الجملة متعلقة في الهواء عشان الكل يسمعها.
ماجدة خدت بالها هي قالت إيه بالظبط. بقها اتفتح وقفل، وحاولت ترسم على وشها علامات الحزن تاني، بس المصيبة كانت خلاص حصلت والكل سمعها.
همست بصوت مكسور ومثلت العياط إيه؟ مش أكل إيه اللي مأكلتوش؟
قبل ما ترد، دكتور بولس خرج من الأبواب المزدوجة. أنا كنت عارفاة معرفة سطحية من استشارات الصيدلية، راجل دقيق وعينيه تعبانة وعنده عادة إنه يفرك مناخيره لما بيكون شايل خبر وحش. بص لماجدة، وبعدين ليا، وبعدين لأمين الشرطة.
مدام السويدي، قالها.
كنت هسأله أنا ولا هي؟ الزوجة ولا الأم؟
بس أنا كنت عارفة الإجابة خلاص.
قال عملنا كل اللي نقدر عليه. الاستجابة للسم كانت سريعة وعنيفة جداً. جوزك كان شارب نسبة كحول عالية، وظاهر إن حصل تفاعل دوائي خطير وقاتل بين الكحول والمادة اللي بلعها. عضلة القلب وقفت تماماً، ومقدرناش نعمل له إنعاش. وقت الوفاة كان الساعة 300 الفجر.
ماجدة طلعت صوت عمري ما هنساه، بيجيلي في الكوابيس. مش عياط ولا صريخ، حاجة زي ما تكون روح بتتنزع بقسوة.
أنا وقفت مكاني صنم.
الناس بتتوقع من الستات يقعوا من طولهم لما يعرفوا إن جوزهم مات. أنا مقعتش. الحزن مجاش، لأن الحزن محتاج حب يمشى فيه، واللي كنت حساه في اللحظة دي كان فراغ.. حتة فاضية الحب فيها اتهرس وبقى تراب. أحمد مات. جوزي مات. بس الراجل اللي مات ده مكانش هو نفس الشخص اللي اتجوزته في ذكرياتي. الشخص ده كان اختفى من سنين، كدبة ورا كدبة.
دكتور بولس تردد شوية.
والتردد ده في حد ذاته كان تشخيص تاني للي حصل.
قال بحذر كان فيه حالة ثانية جاية معاه.. ست اسمها شيرين رمزي زوجته الثانية. أكلت من نفس العلبة وشربت معاه نبيذ.
ماجدة اتجمدت في مكانها.
الدكتور كمل شيرين كانت حامل.. ومقدرناش ننقذها هي ولا الجنين.
حامل.
الكلمة دي لفت في صالة الطوارئ زي الدخان اللي بيدور على أي خرم يستخبى فيه.
ماجدة بصت للدكتور وشفايفها بترتعش.
شيرين رمزي.. الاسم ده مكانش جديد عليا. شفته قبل كده في مواعيد الشغل، فواتير الفنادق، والرسائل اللي أحمد كان بيمسحها متأخر. كانت شغال في الحسابات في شركته. عندها 29 سنة، بيضا، وبتحب المظاهر والحاجات الغالية. صغيرة كفاية لدرجة تخليها تصدق إن نكد الراجل المتجوز دليل على عمق مشاعره وحبه ليها.
ماجدة كانت عارفاها هي كمان. شفت ده في وشها. في الرعب اللي جاز على ملامحها مش عشان موت ست تانية، بس عشان موت الجنين اللي كانت بتتمناه ابن ابنها. الحفيد اللي كانت هتموت عليه.. الوريث اللي كانت مستعدة تقتلني بدم بارد عشانه.
ترولين متغطيين بالبلاستر الأبيض مشيوا من ورا دكتور بولس في الطرقة.
ماجدة بصت عليهم.. وفجأة وقعت من طولها مغمى عليها.
الجزء الثالث تليفون الراجل الميت
الشرطة وصلت قبل الفجر. طبعاً، اتنين ماتوا وجنين راح بسبب وجبة دليفري اتشحنت من آخر الدنيا.. موضوع زي ده مستحيل يمر كأنه مأساة عائلية وبس. ظابط سأل مين اللي طلب الأكل، وظابط تاني سأل مين اللي استلمه. ماجدة، بعد ما فوقوها وكانت عينيها زايفة في أوضة الكشف، شاورت عليا بإيد بتترعش وقالت هي اللي بعتته.. هي اللي قتلتهم!
بصيت للظابط وقلت له عايزة أوري لحضرتك حاجة.
أوضة التحقيق في القسم كانت ريحتها قهوة بايتة وورق سجاير. المحققة لينا كانت قاعدة قدامي وفاتحة أجندة، وزميلها الظابط شريف واقف عند الحيطة، مربع إيده وملامحه مفيش فيها أي تعبير. حكيت لهم كل حاجة من الطقاطق للسلام عليكم ال 12 ساعة شغل، الشوربة، المراية، ماجدة، كيس البودرة، الهمس، كدب أحمد وإنه قال في الشغل، الدليفري، ومكالمة المستشفى. محاولتش أبين نفسي بطلة ولا ملاك، ومثلتش إني اتصرفت بحكمة قانونية بالغة. أنا ببساطة قلت الحقيقة، لأن الحقيقة ليها ثقل، وحقيقتي كانت بقت أتقل من إني أشيلها لوحدي.
المحققة لينا بصت لي بتركيز أنتي دكتورة صيدلانية.
أيوة.
يعني كنتِ فاهمة إن المادة اللي في الشوربة دي ممكن تكون خطر.
كنت فاهمة إنها مش أكل.
وليه بعتيها لجوزك؟
بصيت لإيديا وقلت لأن أمه عملتها ليا مخصوص، وهو كان مع ست تانية في نفس اللحظة وبيقولي إنه بيحبني.
الأوضة سكتت تماماً.
الظابط شريف قال بس ده مش دفاع قانوني يعفيكي.
عارفة.
وتقدري تثبتي إن ماجدة هي اللي حطت الحاجة دي في الأكل؟
أحمد كان مركب كاميرا مراية صغيرة عند مدخل الشقة من سنة ونص، بعد ما حور وقال إن فيه طرود بتتسرق من البرج. أنا كنت بكره الكاميرا دي كمان. بس زي المراية، كانت بتشوف أكتر من اللي بنحب نواجهه. الكاميرا سجلت كل حركة كل دخول متأخر، كل دليفري، كل كدبة. أحمد كان بيعشق المراقبة لما يكون هو اللي متحكم فيها، بس نسي إن الأدلة ممكن تقلب ضد صاحبها.
فتحت الأبلكيشن على موبايلي وزقيت التليفون على التربيزة قدامهم.
الفيديو اشتغل.
ماجدة بالروب الستان.. الكيس.. الشوربة.. التقليب.. المنديل اللي مسحت بيه الحرف. وصوتها، واضح زي السكينة
كليها بقى وغوري من الدنيا دي عشان نرتاح، يا أرض بور مابتطرحش.
المحققة لينا وقفت كتابة.
وملامح شريف اتقلبت وبقت حجر.
على الشروق، كانت الحاجة ماجدة مقبوض عليها بتهمة الشروع في القتل، وتهم تانية مرتبطة
تم نسخ الرابط