​الساعة 1:07 صباحاً، شوفت حماتي وهي بتحط مادة بيضا في الشوربة بتاعتي من ورايا

لمحة نيوز

الساعة 107 صباحاً، شوفت حماتي وهي بتحط مادة بيضا في الشوربة بتاعتي من ورايا.. عشان كده اتأكدت إن الأكل يوصل لشخص تاني غيري!
في تمام الساعة 107 بعد نص الليل، وقفت ومراقبة حماتي وهي بترش بودرة بيضا في العشا بتاعي، وبتدعي من قلبها في السر إني أموت.
يا ريتني أقدر أقولكم إني صرخت.
يا ريتني أقدر أقولكم إني دخلت عليها المطبخ، وواجهتها، وطلبت الشرطة، ونهيت الكابوس ده كله في لحظتها.
بس ده مش اللي حصل خالص.
بدل كل ده، وقفت متجمدة في ضلمة الشقة بتاعتي، مستخبية ورا حيطة الطرقة، وبراقب كل حاجة من خلال مراية مدخل الشقة المزخرفة اللي طول عمري بكرهها.
سبحان الله.. المرايات دي غريبة جداً.
ساعات بتوريك الحقيقة قبل ما تكون أنت نفسك مستعد تواجهها.
بره الشقة، القاهرة كانت نايمة تحت مطر الشتا البارد. أنوار الشوارع كانت عاكسة على الأسفلت المبلول زي شرايط دهب مكسورة. صوت المدينة كان بعيد، مكتوم، وتعبان.
جوه شقتي، كل حاجة كانت تبان طبيعية جداً.
العشا بتاعي كان محطوط على ترابيزة السفرة.
حماتي كانت لابسة الروب الستان الغالي بتاعها.
وجوازي كان على وشك إنه ينفجر.
أنا اسمي آية.
وقتها كان عندي 32 سنة، وشغالة دكتورة صيدلانية في مستشفى حكومي كبير.
الليلة دي بالذات كانت طاحنة.
12 ساعة شغل متواصلين ورا بعض.. تعامل مع تذكرة علاج طوارئ، دكاترة هيموتوا من التعب، عيانين متغظين، وأهالي هيموتوا من القلق وبيحاولوا يتعلقوا بأي قشاية مع القدر.
على ما وصلت البيت، رجلي كانت واقفة من الوجع، وضهري مقسوم نصين، وكل اللي كنت محتاجاه وطالباه من الدنيا هو علبة شوربة فراخ من المطعم القريب مننا اللي بيفتح لغاية الفجر.
مش عايزة حاجة فخمة.
مجرد شوربة دافية.
أحس بالراحة.. والسلام.
بدل ما ألاقي الراحة، دخلت في محاولة قتل.
الدليفري كان ساب كيس الأكل بره باب الشقة عشان أنا كنت نازلة أرمي الزبالة في نفس اللحظة.
ولما رجعت، شفت الكيس الورق محطوط جنب الباب.
مديت إيدي في شنطتي بطلع المفاتيح.
فجأة، لمحت حركة.
باب أوضة الضيوف اتفتح بالراحة.
وخرجت منها حماتي.
الحاجة ماجدة.
لو عمرك ما قابلت في حياتك حد يقدر يبتسم في وشك زي الملايكة وهو شايل في قلبه غل يكفي يسمم محيط بحاله.. يبقى تحمد ربنا وتعرف إنك محظوظ.
بقالي قريبة من 4 سنين، ماجدة بتعاملني كأني مستأجرة ماليش لزمة في حياتي وبيتي.
بالنسبة لها، أنا مش حلوة كفاية.
مش ست بيت شاطرة كفاية.
مش مقامي من مقام ابنها.
والألعن من كل ده...
إني مخلفتش ومجبتلهاش أحفاد.
سنين وهي رامية اللوم كله عليا.
كل تحليل حمل يطلع سلبي.. عليا.
كل مشوار لدكتور نساء وتوليد وعلاج خصوبة.. عليا.
كل خناقة ووجع قلب.. عليا.
كل عزومة في العيد أو رمضان.. لازم تسمعني كلمتين.
كل حاجة في الدنيا كانت غلطتي أنا.
مكانتش بتفوت فرصة واحدة من غير ما تفكرني بقلة حيلتي.
في ستات بتجمع دهب ومجوهرات، أما الحاجة ماجدة فكانت بتجمع إهانات وتلقيح كلام.
وكانت بروفيسيرة في إنها ترمي الكلام ده في وقت ثابت وبانتظام.
راقبتها وهي بتقرب من علبة الشوربة بتاعتي.
بمنتهى الهدوء.
تركيز شديد.
وتخطيط.
مكانش فيه أي تردد في حركتها.
مفيش أي لخبطة.
ولا حتى كانت محتارة.
ده مكانش بالصدفة أو غلطة.. ده كان خطة مدروسة.
طلعت كيس بلاستيك صغير من جيب الروب بتاعها.
فتحت الكيس.
ودلقت البودرة البيضا جوه الشوربة.
وبعدين بدأت تقلب بالراحة جداً لحد ما كل حاجة دابت واختفت.
ضربات قلبي كانت سريعة وقوية لدرجة إني كنت سامعة صوتها في وداني.
هي بتعمل إيه؟
الإجابة جت بعد ثواني معدودة.
ماجدة وطت برأسها قريب جداً من علبة الشوربة وهمست بصوت واطي
كليها بقى وغوري من الدنيا دي عشان نرتاح يا ارض بور.
وبعدين ابتسمت.
ابتسامة حقيقية من قلبها.
نوع الابتسامات اللي الناس بتبتسمها لما يحسوا إنهم أخيراً انتصروا وخلاص كسبوا المعركة.
حسيت ببرودة وتلج بيجروا في صدري.
مكانش خوف.. لسه الخوف مجاش.
كان شعور أوحش بكتير.
كان الاستيعاب.
لأن فجأة، سنين من الكومنتات الغريبة، والقسوة غير المباشرة، والعداء المستخبي، اتجمعوا كلهم وكونوا صورة واحدة مرعبة.
الست دي بجد عايزاني اختفي.
مش اطلق.. مش انفصل.. لأ، اختفي.
أموت.. وللأبد.
بعد ما رجعت أوضتها وقفلت الباب، قربت أنا من الشوربة.
سنين دراستي وشغلي في الصيدلة اشتغلت في دماغي فوراً تلقائي.
الريحة مكانتش باينة أوي لأي حد عادي.
معظم الناس مستحيل تاخد بالها.
بس أنا لقطتها.
ريحة مرارة.. مادة كيميائية.. دواء.
أكيد دواء وبجرعة عالية.
حاجة خطر جداً.. وممكن تكون مميتة.
إيديا كانت بتترعش.
في اللحظة دي، تليفوني نور واهتز.
رسالة من جوزي.. أحمد.
لسه شغال ومتأخر في المكتب. متستنينيش ونامي. بحبك.
فضلت باصة للرسالة.
حاجة غريبة أوي في الكدب.. أول ما تمسك كدبة واحدة، بتبدأ تلاحظ وتشوف كل الكدب التاني اللي كنت مغمى عينك عنه.
لأن أحمد مكانش في الشغل.
أنا كنت عارفة هو فين بالظبط.
ال Location History وتتبع الموقع بتاعه كان بيبعتلي بقاله أسابيع إنه في نفس برج الشقق الفاخرة اللي في الزمالك.
كل حجة.. كل اجتماع متأخر.. كل عشا عمل.. كل مكاملة تليفون مهمة.
كلها كانت كدب في كدب.
وفجأة، مبقتش بفكر في السم اللي في الشوربة.
بقيت بفكر في الكذبة الكبيرة بتاعته
بفكر في 4 سنين جواز.
في مشاوير وعلاجات الخصوبة وحرق الدم.
في دموعي.
في تضحياتي.
في كل المرات اللي دافعت عنه فيها قدام صاحباتي لما كانوا بيقولوا لي إن تصرفاته مش مريحاهم.
تليفوني اهتز تاني برسالة تانية منه
صاحية ولا نمتي؟ 
إيموجي القلب ده كان هيخليني أضحك من كتر السخرية.
بدل ما أعيط أو أصرخ، أخدت قرار.
يمكن كان بسبب التعب والهدد.. يمكن بسبب الغضب.. يمكن غريزة البقاء..
أو يمكن بعد سنين من المعاملة كأني نكرة ومسواش حاجة، فيه حاجة جوايا انكسرت ومبقتش باقي على حاجة.
مسكت التليفون وكتبت له رد
مامتك كانت قلقانة عليك إنك مأكلتش حاجة طول اليوم. أنا بعتالك الشوربة بتاعتي مع الدليفري لحد عندك. بالف هنا.
وبعدين كتبت للدليفري العنوان اللي أحمد مقضي فيه ليلته بجد.
شقة بنتهاوس فاخرة في الزمالك.
نفس الشقة اللي بيزورها بقاله شهور.
نفس الشقة اللي عايشة فيها مراته التانيه اللى مفكرنى معرفش عنها حاجه م.
نفس الشقة اللي كان فاكر إني عمري في حياتي ما هعرفها ولا هكشفه فيها.
بعد 20 دقيقة، الطيار بتاع الدليفري رجع تاني صعد الشقة.
سلمته الشنطة مقفولة ومربوطة كويس.
وديتله بقشيش كبير ومحترم.
ووقفت باصة ل باب الأسانسير وهو بيقفل.
العشا المسموم كان خلاص في طريقه.
مش ليا أنا.
للناس اللي بقالهم شهور عايشين يغفلوني ويكدبوا عليا.
قعدت لوحدي في ضلمة الصالة.
الشقة كانت هس هس.. سكوت تام.
ماجدة فضلت مستخبية في أوضتها.
غالباً مستنية.. وبتسمع.. ومتوقعة.
يمكن بتتخيل صوت جسمي وهو بيقع على الأرض وجثة هامدة.
يمكن حتى كانت بترتب في دماغها هتقول إيه للناس وللشرطة لما يلاقوني ميتة فجأة.
الدقائق كانت بتمر زي السنين.
الساعة بقت واحدة.. بقت الساعة اتنين.
وفجأة، تليفوني رن.
رقم غير مسجل.. بس مكتوب تحت الاسم مستشفى....
أول ما فتحت الخط ورديت، حياتي اتغيرت بالكامل وللأبد.
ألو.. معاي المدام آية، زوجة الأستاذ أحمد السويدي؟
صوت الراجل كان جاد جداً.. رسمي.. وحذر.
أيوه، أنا.
حصلت لحظة سكوت ووقوف على الخط.. وبعدين الدكتور اتكلم وقال
جوزك أحمد اتنقل عندنا حالاً في رعاية مستشفى النيل الدولي، وحالته حرجة جداً وبيموت...
كل حاجة في الدنيا وقفت في اللحظة دي...
الجزء الثاني مكالمة المستشفى والمواجهة الصادمة
صوت رنة التليفون قطع سكات الشقة بطريقة تخوف، لدرجة إن باب أوضة حماتي اتفتح بسرعة قبل حتى ما ألحق أرد. وقفت ماجدة في الطرقة وهي ماسكة الروب الستان

تم نسخ الرابط