💔 وأنا واقفة قدام المأذون بفستان الفرح الأبيض، لمحت كرسي بنتي فاضي وطوق الياسمين اللي كانت لابساه مقطوع نصين... ساعتها معرفتش إن اختفاؤها هيكشف مؤامرة كانت متخططالي من سنة كاملة.
المطبخ، عدينا وسط أنابيب البوتاجاز، والكراسي المتكومة، وجرادل الورد الدبلان. صوت الأغاني والمزمار كان طالع من هناك غريب ومكتوم، كأنك سامعة صوت فرح بس وإنتي تحت المية.
في ضهر القاعة، كان فيه باب خشب صغير موارب.
جوه كان ضلمة وريحة تراب وبخور قديم.
نادية تحركت بسرعة أوضة الحسابات اهي.
عدينا ممر مليان صور قديمة لأصحاب القاعة والناس اللي ماتوا. الأوضة كانت صغيرة، وفيها مكتب قديم ومكسور. من ورا قماش أحمر متداري، نادية طلعت دوسيه بلاستيك كبير.
مدت إيدها بيه ماتفتحيهوش هنا. اطلعي اجري علطول.
بس أنا فتحته.
لأن الخوف كان خلاص دخل عضمي، ومبقاش فيه حاجة تحركني غير إني أعرف الحقيقة كاملة.
جوه كان فيه صور ضوئية من كشوفات حسابات في البنك، أوراق بوليصة التأمين، عقود شقتي... وحاجة أوضح وأعنف بكتير.
مسودة طلب وصاية وولاية تعليمية وحجر.
اسمي كان مكتوب كمريض.
واسم طارق مكتوب كوصي.
واسم مريم تحت سطر مكتوب فيه إيداع القاصر في دار رعاية داخلية مؤسسية لحين استقرار الأوضاع الأسرية.
ركبي سابت.
وكان فيه كمان تقرير طبي مكتوب فيه طلب عرض على مصحة نفسية باسمي!
الكلمات كانت بتنط في عيني
عدم استقرار عاطفي ونفسي. هلاوس ناتجة عن صدمة وفاة الزوج السابق. تعلق مرضي زائد عن الحد بطفلة المتوفي.
ساعتها فهمت كل حاجة...
بعد الجواز، لو كنت فتحت بقي أو حاربت، مكنش هيتقال عليا نكدية وبس.
كان هيتقال عليا مجنونة.
أرملة فاقدة الأهلية.
أم غير صالحة.
هم مكنوش بس بيخططوا يبعدوا مريم... هم كانوا بيخططوا يهدوا أي حق ليا إني أحارب عشانها!
مريم لمست الورق مكتوب ايه هنا يا ماما؟
قفلت الدوسيه مكتوب إن فيه ناس بتلبس لبس أهلنا، بس هم في الحقيقة حرامية.
فجأة، صوت خطوات رجلين رن في الممر.
نادية مسكت معصم إيدي برعب المصيبة... جم!
طارق ظهر عند باب الأوضة.
بدلته كانت متستفة ومفيهاش غلطة.
بس ابتسامته كانت اختفت تماماً.
ومن وراه كانت واقفة شادية، فستانها النبيتي كان منور في ضلمة الممر وزي الدم الفريش تحت اللمبة الصفرا.
لثانية واحدة، محدش فينا اتمسك ولا اتحرك.
بعدين شادية بصت للدوسيه اللي في إيدي.
ملامح وشها اتقلبت لشر حقيقي تمام... الشغالة أخيرًا لقت اللي يشغلها وبقت وفية!
نادية رجعت لورا وهي بترتعش.
عيني طارق راحت لمريم اللي في حضني ميرا... إدي البنت لنادية، ومشيها برة. إحنا محتاجين نتكلم كبار مع بعض.
ضميت بنتي أكتر لأ.
فكّه اتقفل بغضب إنتي بتخربي على نفسك وبتعملي غلطة عمرك.
قلت له الغلطة الكبيرة كنت هعملها وأنا واقفة مع المأذون. اللي بعمله دلوقتي هو أول حاجة صح أعملها من يوم ما عرفتك.
شادية قربت. صوتها اتمسكن وبقى ناعم، بس عينيها كانت زي الحجر يا بنتي فكري كويس. الست لوحدها ومعاها عيلة مابتلاقيش الاحترام في مجتمعنا. النهارده لو مشيتي، بكره الناس هتقول إنك اطلقتي من ليلة دخلتك وفشلتي. هيقولوا مكنتيش عارفة تملي عين راجل وتحافظي عليه... تاني!
تاني...
الكلمة ضربت في المكان اللي هي عايزاه بالظبط.
موت سامح.
وشوشة الناس.
نظرات الشفقة.
الجيران اللي كانوا بيسألوا هتربي البنت دي إزاي لوحدك.
لثانية واحدة، حسيت إني رجعت تاني للمدافن، ماسكة إيد مريم الصغيرة والتراب بيداري الراجل اللي وعدني إننا هنعجز مع بعض.
بس فجأة، مريم رفعت راسها من على كتفي بابا مات... ممشيش وساب ماما ومرفضهاش!
الممر كله سكت.
بنتي الصغيرة الشجاعة.
قلبي وعمري كله.
بوق شادية اتلوى بغيظ.
طارق قرب خطوة كفاية كده. ميرا، هاتي الدوسيه ده وبلاش جنان.
لأ.
إنتي عارفة ده هيعمل إيه في سمعة عيلتي؟
ضحكت... والمرة دي ضحكتي مكنتش مكسورة. كانت ضحكة قوية وطالعة من الحي عيلتك قفلت على طفلة في أوضة ضلمة يا طارق بيه.
شادية زعقت بغضب دي مش من دمنا اصلاً عشان تتكلمي عنها كده!
مريم اتخضت وكمشت فيا.
بصيت للست دي في عينها بكل قوة بس هي حتة من نفسي ونَفَسي اللي بتنفسه.
طارق اتقدم فجأة وبسرعة عشان يشد الدوسيه من إيدي.
نادية صرخت.
أنا لفيت بضهري عشان أحمي مريم، بس رجلي اتكعبلت في ديل فستان الفرح التقيل. وقعت بكل تقلي على سلم الأوضة الرخام. وجع رهيب ضرب معصم إيدي.
الدوسيه اتفتح واتفرفط على الأرض.
الأوراق طارت في الجو وزي العصافير الخايفة.
مريم صرخت ماما!
طارق وطى بسرعة عشان يلم الأوراق.
بس قبل ما إيده تلمس ورقة واحدة، صوت رعد في الممر
إثبت مكانك! إيديك فوق!
الشرطة!
مش ظابط واحد... تلاتة ومعاهم عساكر.
ومن وراهم، ظهر أخويا كريم، لسه ببدلته بتاعة الفرح، وشه كان أبيض من كتر الغضب والغل.
بصيت له بذهول.
رفع موبايله وقال وصوته بيرتعش إنتوا نسيتوا إن مريم كلمتني من عربيتك يا ميرا!
بنتي دفنت وشها في رغبتي.
أنا كنت قايلة لها متفتحش الباب... بس مقلتلهاش متبقاش ذكية وتتصرف!
الظابط دخل الأوضة.
نادية رميت نفسها عند رجليه وهي بتعيط يا فندم أنا هشهد بكل حاجة. أنا شفتهم بعيني. حبسوا البنت الصغيره وكانوا بيخططوا يرموها ويحجروا على أمها!
شادية بدأت تصرخ علطول دي مشاكل عائلية وسوء تفاهم يا فندم! إحنا بنهزر مع البنت!
الظابط مسك ورقة طلب الوصاية والحجر من على الأرض وقراها، وشه اتقلب وبقى صارم.
طارق حاول يرسم ابتسامة يا فندم، العروسة تحت ضغط عصبي، وهي عندها تاريخ مرضي ونفسي...
قاطعته وأنا بقوم براحة وبصلابة ومريم في حضني تاريخي... هو إني حبيت راجل محترم، ودفنته، وربيت بنته، وكنت هرتكب أكبر غباوة وأتجوز راجل جبان وخسيس.
وش طارق اسود.
الظابط التفت ليا يا فندم، تحبي تحرري بلاغ رسمي وتعملي محضر؟
الكل كان بيبص عليا.
المعازيم بدأوا يتجمعوا عند مدخل الممر. الخالات، القرايب، المصور، وحتى المأذون نفسه واقف وفي إيده دفتر القواسم.
ميتين شاهد على كسررتي وإهانتي.
وميتين شاهد على قراري!
بصيت لورقة كتب الكتاب اللي مكنتش اتوقعت لسه.
بصيت لطارق، الراجل اللي كان فاضل لي خطوة وأبقى مراته.
بصيت لشادية، اللي كانت بتبتسم في وشي وهي بتسمي بنتي حمل وعبء.
وبعدين بصيت لمريم... طوق الياسمين المقطوع نصين كان لسه متعلق في إيدها الصغيرة.
خدته منها براحة، وحطيته على أرض الأوضة القديمة.
وقلت للظابط بكل ثبات أيوه يا فندم... عايزة أعمل محضر خطف وتزوير وتآمر.
شادية شهقت كأني ضربتها بالقلم على وشها.
طارق وشوش بصوت مخنوق ميرا... بلاش تخربي بيتي وتدمريني.
قربت منه خطوة أنا مابخربش حاجة يا طارق. إنت اللي بنيت البيت ده على وساخة... وأنا مجرد بولع فيه النار.
الشرطة خدتهم وخرجوا بيهم من نفس الممر اللي شيلت فيه بنتي وهي مرعوبة من شوية. المرة دي، مفيش صوت مزمار ولا طبلة كان قادر يغطي على صوت الحقيقة وهي ماشية وراهم بالكلابشات.
لما وصلنا لساحة القاعة بره، كان شمع الفرح لسه منور.
قسيمة الجواز كانت لسه متسابة على الترابيزة زي جملة مكملتش.
وقفت قدامها بفستاني الأبيض، بنتي في حضني، جوازي باظ، وحياتي اتقلبت واتغيرت بالكامل.
المأذون بص لي بقلة حيلة وأسف يا بنتي...
ابتسمت له ابتسامة تعبانة يا مولانا... هي الأم ينفع تكتب كتابها على بنتها؟
برق بعينيه. المعازيم بدأوا يتهامسوا. أخويا كريم عينيه اتملت دموع.
المأذون بص لمريم، وبعدين ليا، وبعدين للدفتر.
وبعد لحظة طويلة، هز راسه وقال بحنية مش قسيمة جواز يا بنتي... بس العهد يفضل عهد، والوعد قدام ربنا مابيموتش.
فمسكت إيد مريم الصغيرة.
وسوا... حافيين، بنترعش، مجروحين، لفينا وخرجنا برة مكان الفرح ده.
مشيت خطوة... عشان أحميها.
وخطوة تانية... عشان الحقيقة.
وخطوة تالتة... عشان الشجاعة.
والخطوة الرابعة... مريم بدأت تعد معايا بصوتها الصغير.
عند الخطوة الخامسة... كانت بطلت عياط.
عند الخطوة
السادسة... أنا اللي كنت بعيط لينا إحنا الاتنين.
وعند الخطوة السابعة والأخيرة برة القاعة، بصت لي وووشوشت ماما... هو إحنا كده اتجوزنا خلاص؟
ضحكة مكسورة طلعت من قلبي لا يا قلب وعمر ماما... ده معناه إنني بختارك إنتي تاني، وتالت، ولآخر العمر.
ضغطت على إيدي وأنا بختارك إنتي كمان يا ماما.
الناس كلها كانت ساكتة ومحدش سقف. محدش كان عارف دي مأساة ومعجزة في نفس الوقت. يمكن كانت الاثنين سوا.
الليلة دي، أنا مبقتش مرام طارق... أنا بقيت حاجة أقوى بكتير.
بقيت الست اللي سابت الفرح والكوشة قبل ما تمضي عشان الكرسي الصغير اللي جنبها كان فاضي.